طريق السمارة باماكو
جمعت الصدفة، خلال نهاية الأسبوع الماضي، نشر الأستاذ الجامعي والصديق إسماعيل حمودي، في العدد الجديد من مجلة “لسان المغرب”، ورقة تضع الهجوم المسلح الأخير للبوليساريو على مدينة السمارة داخل سياق أوسع، يتجاوز الواقعة العسكرية في ذاتها إلى ما يحيط بها من تحولات جارية في مالي ومنطقة الساحل؛ وفي اللحظة نفسها تقريبا، كانت النسخ الأولى من كتاب الأستاذ الجيلالي العدناني، “الصحراء المغربية وبلدان الساحل، حين يحطّم المشروع التوسّعي الجزائري حلم الإمبراطورية”، تصل إلى رواق جامعة محمد الخامس في معرض الكتاب، حاملة معها عدة معرفية وتوثيقية ظلت غائبة طويلا في نقاشنا العمومي حول الصحراء.
عُدّة لا تعلّمنا كيف نشأ هذا النزاع، بل لماذا كان، منذ البداية، مرتبطا بسؤال موقع المغرب في إفريقيا، وحقه التاريخي والجغرافي في أن يظل متصلا بعمقه الصحراوي والساحلي، لا محاصرا في ركن المتوسط الغربي.
أكبر خطأ يمكن ارتكابه في النظر إلى ما جرى في السمارة الأسبوع الماضي، وما تلاه من اعتداءات على الشاحنات المغربية في مالي، هو أن يُقرأ باعتباره مجرد رسالة عسكرية، أو مجرد خرق جديد لاتفاق لم يعد قائما عمليا منذ أن أعلنت البوليساريو انسحابها الأحادي من وقف إطلاق النار سنة 2020.
ما تقوله ورقة حمودي، وتعزّزه وثائق العدناني بعمق تاريخي، هو أن المسألة أوسع من ذلك بكثير. فالسمارة لا تُستهدف فقط لأنها مدينة صحراوية مغربية، بل لأنها تقع في قلب ملف لم يعد ممكنا عزله عن إعادة تشكيل المجال الصحراوي الساحلي كله.
حين تأتي الضربة عشية جلسة مغلقة لمجلس الأمن حول “مينورسو”، وبالتزامن مع مناورات “الأسد الإفريقي” التي وصلت هذه المرة إلى الداخلة، وفي لحظة تشهد فيها مالي تصعيدا جديدا وهشاشة أمنية مضاعفة، فإن الرسالة لا تكون موجهة إلى الرباط وحدها، بل إلى كل دينامية إقليمية ودولية بدأت تتشكل من حول النزاع، وتقول إن الصحراء لم تعد ملفا مجمدا كما أراد له أصحابه، وإن العامل العسكري ما زال جاهزا للاستعمال كلما بدا أن ميزان السياسة يتحرك في غير مصلحتهم.
لا يعيد كتاب الجيلالي العدناني، بعدما قرأت أجزاء منه، سرد أطروحة مألوفة عن “الدور الجزائري” في النزاع، بل ينقلها من مستوى الاتهام السياسي إلى مستوى البناء التاريخي المؤسس على الأرشيف.
من معاهدة لالة مغنية سنة 1845 إلى المراحل اللاحقة من التوسع الاستعماري الفرنسي انطلاقا من الجزائر، ثم إلى وراثة الدولة الجزائرية المستقلة لأجزاء من هذا المنطق نفسه، تتشكل لدى القارئ صورة “مهمة” جزائر ما بعد الاستقلال، والتي لم يكن المطلوب منها خلق مشكلة للمغرب في صحرائه فقط، بل إدامة وضع جيوسياسي يفصل المغرب عن امتداده الإفريقي، ويمنع عودته الطبيعية إلى المجال الذي ظل، عبر القرون، جزءا من دورانه التجاري والروحي والسياسي.
ومن أجمل ما يعيده العدناني إلى الواجهة، عبر استحضار كتابات وتقارير الأرشيف الفرنسي، أن الصحراء لم تكن في الأصل “فراغا” بين المغرب وإفريقيا السوداء، كما حاولت الخرائط الكولونيالية أن تقنع العالم، بل كانت عبارة عن شبكة روابط، ومسالك، ومراكز نفوذ، وزوايا، وتجارة قوافل…
لقد كان المغرب دائما، من تافيلالت ودرعة إلى تخوم تمبكتو وغاو، يمارس حضورا “ناعما” لكنه فعّال، يجعل من الصحراء ممرا نحو إفريقيا الغربية.
وبعدما جاء الاستعمار ليكسر هذه الاستمرارية، تولّت، لاحقا، دولة ما بعد الاستعمار في الجزائر استثمار بدايات هذا الكسر، وتحويله إلى ورقة صراع دائمة مع المغرب، رهنت مستقبله ومستقبل المنطقة كلها.
ورقة إسماعيل حمودي تبيّن بدورها أن الهجمات الأخيرة ضد السمارة جاءت في سياق تزايد الترابط بين بؤر التوتر في الساحل والصحراء، وتضع يدها على الحقيقة التي طالما جرى التهرب منها، وهي أن المجال الممتد من جنوب الجزائر إلى شمال مالي إلى الصحراء المغربية لم يعد يُدبّر كملفات منفصلة، بل كفضاء أمني واحد تتغذى أزماته من بعضها البعض.
تفكك الدولة في منطقة الساحل، وانتشار السلاح، وصعود الفاعلين غير الدولتيين، وتقلص فعالية الحدود، والانسحاب الفرنسي مقابل الحضور الروسي، والتمردات المحلية، وتنامي التنظيمات الجهادية وشبكات التهريب… كل هذا لم يعد مجرد “محيط” لملف الصحراء، بل صار جزءا من بيئته المباشرة.
وما يضيفه الأستاذ العدناني هو البعد التاريخي الذي يمنعنا من الوقوع في التفسير السهل. فالمسألة ليست أن الساحل مضطرب وأن ذلك ينعكس على الصحراء، بل هناك سعي منظم لجعل هذه المنطقة كلها مجالا لإعادة توزيع النفوذ، ودائما على حساب المغرب.
الوثائق التي يقدمها الإصدار الجديد، خصوصا حول مالي، لافتة في هذا الباب، من تدريب عناصر انفصالية، إلى استعمال الورقة الانفصالية في الشمال المالي، إلى ما يسميه صراحة توظيف البوليساريو في الساحل، وصولا إلى استثمار الجماعات المحلية والقبلية والهوامش المفتوحة من أجل بناء أحزمة نفوذ غير مباشرة.
نحن أمام استراتيجية أوسع من مجرد دعم جبهة ضد المغرب. هو تصور شامل لهذا المجال، من تندوف إلى تمبكتو، باعتباره عمقا ينبغي التحكّم فيه حتى لا يتحول إلى عمق مغربي، أو إلى بوابة مغربية طبيعية نحو غرب إفريقيا والأطلسي.
لهذا فإن سؤال الصحراء ليس منفصلا عن سؤال عودة المغرب إلى إفريقيا. ولهذا أيضا يشتغل المغرب، منذ سنوات، على استعادة هذا العمق بوسائل مختلفة، دبلوماسيا، واقتصاديا، أمنيا، ومؤسساتيا.
العودة إلى الاتحاد الإفريقي، والحضور المتزايد في غرب القارة، ومشروع أنبوب الغاز، والمبادرات المرتبطة بالولوج إلى الأطلسي لفائدة بلدان الساحل، والتمدد البنكي واللوجستي، والعلاقات الدينية والروحية التي استعادت بعضا من معناها التاريخي… كل هذا يجعل من الصحراء أكثر من ملف وحدة ترابية، بل جزءا من استراتيجية شاملة.
ومن هنا نفهم لماذا لا يريد خصوم المغرب أن يُحسم هذا الملف بمنطق التسوية الواقعية، ولماذا كلما اقتربت السياسة من نقطة الحسم، عاد السلاح ليمارس ضجيجه.
ما جرى في السمارة الأسبوع، هو من أعراض لحظة إقليمية محمومة. المجتمع الدولي، كما يبين الأستاذ حمودي، صار أقل تسامحا مع إدخال العامل العسكري من جديد في معادلة النزاع، وهو ما عكسته الإدانات الواسعة للهجوم.
والمجال الساحلي نفسه صار أكثر سيولة وانكشافا، بما يجعل أي فاعل مسلح قادرا على استثمار الهشاشة العامة كي يبعث برسائله.
أما المغرب، فقد بات يتحرك أكثر فأكثر بمنطق ربط الصحراء بالعمق الإفريقي، بدل منطق تدبير نزاع ترابي محض.
وبين هذه العناصر الثلاثة، تقع السمارة، كعقدة رمزية وجيوسياسية في معركة إعادة تشكيل غرب إفريقيا، والذي لا يمكن أن يتم بدون مغرب يلعب دوره التاريخي.