story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

صراع العروش.. أخطاء واشنطن تفرش السجاد الأحمر للتنين الصيني

ص ص

يراقب العالم عن كثب ما يشهده النظام الدولي من تحول هيكلي عميق يعيد رسم توازنات القوى الدولية، حيث تبدو الهيمنة الأمريكية، التي استقرت عقوداً طويلة كقطب أوحد، وكأنها تتآكل بفعل فاعل.

المفارقة التاريخية تكمن في أن هذا التآكل ليس مجرد نتاج لصعود صيني طبيعي، مدعوم بعوامل القوة الذاتية وتراكم القدرات، بل هو محصلة مباشرة لسلسلة من الأخطاء الاستراتيجية الكارثية التي ارتكبتها واشنطن، لا سيما في ظل التوجهات السياسية لإدارة دونالد ترامب.

في المقابل، تُظهر بكين ذكاءً دبلوماسياً واقتصادياً هادئاً، مستغلةً “نزع السلاح أحادي الجانب” الذي تمارسه الولايات المتحدة ضد نفسها، لتعلن الصين جاهزيتها التامة للجلوس باقتدار على كرسي قيادة العالم، نداً لند مع العم سام.

أولاً: تدمير الذات العلمي والانكفاء التكنولوجي

لطالما كان التفوق العلمي هو القوة الدافعة الكامنة وراء الهيمنة الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة. إلا أن السياسات الأخيرة المتمثلة في خفض تمويل المؤسسة الوطنية للعلوم، وتطهير المجالس الاستشارية، وإقصاء الكفاءات العلمية، إلى جانب شن حرب سياسية وفكرية ضد الجامعات الأمريكية الرائدة، مثّلت ضربة قاصمة لأركان الابتكار الأمريكي.

ولا شك أن استهداف البيئة العلمية في عصر يعتمد فيه الاقتصاد والأمن القومي على الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية يعد بمثابة انتحار استراتيجي.

وفي الوقت ذاته، تخلت واشنطن طواعية عن ريادة قطاعات المستقبل النظيفة مثل طاقة الرياح، والطاقة الشمسية، والبطاريات المتطورة، والسيارات الكهربائية، متمسكةً بتقنيات القرن العشرين والوقود الأحفوري ومحركات الاحتراق الداخلي.

هذا الانكفاء يتجاهل حقيقة أن ثورة مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء النظيفة. ومن خلال إنفاق أموال دافعي الضرائب لتعطيل مشاريع الطاقة المتجددة، تمنح الإدارة الأمريكية بكين مفاتيح المستقبل على طبق من ذهب.

ونتيجة لذلك، باتت الصين اليوم تهيمن على سلاسل التوريد الخاصة بالتقنيات الخضراء من جهة، وأصبحت هي المعيار العالمي الجديد لها من جهة أخرى.

ثانياً: الفوضى التجارية ونفور الحلفاء الآسيويين

بعد أكثر من عام على انطلاق حروب تعريفات ترامب الجمركية، التي استهدفت الحلفاء قبل الأعداء، لم تحقق الحروب التجارية التي خاضتها واشنطن سوى ارتداد عكسي على الاقتصاد الأمريكي نفسه.

فقد قوبل فرض رسوم جمركية عشوائية وسيئة التصميم على الصين بردود فعل حاسمة، حيث أثبتت بكين قدرتها على خنق الصناعات المتقدمة بمجرد تقييد صادراتها من المعادن الأرضية النادرة التي تمسك بزمام مساراتها ومخزوناتها، مما أجبر واشنطن على التراجع محملةً بانتكاسة قانونية واقتصادية، دون تحقيق الوعود الرنانة بإعادة وظائف التصنيع إلى الولايات المتحدة، مصحوبة بأرقام المداخيل الفلكية التي ظل ترامب يرددها وهو يوقع على لوحات تحمل أعلام دول ونسبا وأرقاما أثارت دهشة مجتمع الاقتصاد العالمي.

واشمطن ذهبت إلى ما هو أسوأ، باستخدام لغة التهديد والابتزاز الاقتصادي ضد الحلفاء التقليديين في آسيا، وإجبارهم على ضخ استثمارات قسرية في السوق الأمريكية، وفي مقدمتهم اليابان وكوريا الجنوبية.

هذا السلوك الذي ولد استياء شعبيا وسياسيا، أضعف اقتصادات هؤلاء الحلفاء، مما يقوض قدراتهم على زيادة الإنفاق الدفاعي ومواجهة النفوذ الصيني في مناطقهم.

ويتزامن هذا الضغط الاقتصادي مع جفاف دبلوماسي أمريكي غير مسبوق. فالخلافات العبثية مع قوى إقليمية كالهند، وخلو السفارات الأمريكية في دول مفصلية مثل أستراليا، وإندونيسيا، وفيتنام، وماليزيا من السفراء أو حتى من المرشحين، يعكس حالة من الإهمال الاستراتيجي تركت الفراغ كاملاً للتحركات الصينية.

ثالثاً: الانسحاب من المنظمات الدولية وحرب الاستنزاف في الشرق الأوسط

يمتد التراجع الأمريكي إلى ساحة الفعل الدولي متعدد الأطراف، حيث أدى الانسحاب من عشرات المنظمات والاتفاقيات الدولية إلى حرمان المؤسسات الأمريكية من صياغة القواعد التنظيمية والمعايير العالمية للمستقبل، تاركةً الساحة للصين لتصميم النظام الدولي الجديد وفق مقاساتها.

وعلى الصعيد الجيوسياسي، غلبت على السياسة الخارجية الأمريكية حالة من تشتت التركيز والاستنزاف؛ فرغم الوعود المتكررة بالالتفات نحو المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة الصعود الصيني، وجدت واشنطن نفسها مجدداً في مستنقع حروب الشرق الأوسط، وتحديداً الصراع مع إيران.

وبدلا من صياغة قواعد العصر الجديد، حفرت واشنطن لنفسها حفرة ثم وقعت فيها بمحض إرادتها، من خلال صرف جهودها لمحاولة فتح مضايق مائية ومواجهة التداعيات الأمنية في المنطقة، بما يستنزف طاقة الإدارة الذهنية والعسكرية، ويعيد إلى الأذهان أخطاء غزو العراق عام 2003، ويفقد الحلفاء الثقة في كفاءة وحكمة القيادة الأمريكية.

رابعاً: الدبلوماسية الصينية بديلًا عن الكوبوي الأمريكي

على النقيض من السلوك الأمريكي المتخبط، برزت بكين كواحة للاستقرار والتعاون والمسؤولية الدولية. وقد تجسد هذا بوضوح في موجات الزيارات المتلاحقة للقادة والزعماء العالميين إلى العاصمة الصينية، والتي توجت بالزيارة الرسمية الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين.

لم تكن زيارة ترامب والوفد المرافق له لمناقشة ملفات حساسة كالذكاء الاصطناعي والتجارة مجرد لقاء قمة عادياً، بل بدت في عيون المراقبين والمحللين الدوليين بمثابة اعتراف ضمني/صريح بالهيمنة الصينية الناشئة.

فالصين استقبلت الزعيم الأمريكي من موقع القوة والندية الاستراتيجية، مظهرةً ثقة بالنفس ومقدمةً التزامات تجارية مدروسة أكدت من خلالها أنها الشريك الذي لا يمكن تجاوزه لإرساء التوازن العالمي.

ولم يقتصر الأمر على واشنطن؛ إذ تزامنت هذه القمة مع تدفق مستمر لقادة دول غربية كبرى مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، ورؤساء دول آسيوية ولاتينية وإفريقية، مصحوبين بأرفع الوفود الاقتصادية.

والثابت أن العالم بات يرى في الصين شريكاً موثوقاً قادراً على تحقيق نمو اقتصادي صلب (تجاوز 5% في مطلع العام)، وتقديم بيئة تنظيمية مستقرة بعيدة عن تقلبات المزاج السياسي الأمريكي. ومن خلال مبادراتها العالمية وحزم الإعفاءات الجمركية الشاملة لجميع الدول الإفريقية الصديقة، تقدم بكين نموذجاً لـ “الحكمة الشرقية” القائمة على المنفعة المتبادلة وتجنب سياسات الهيمنة العسكرية واغتيال القادة أو زعزعة استقرار الدول.

مشهد دولي جديد

إن التغير في المزاج العالمي، والذي انعكس مؤخراً في استطلاعات الرأي الدولية كـ “غالوب” التي أظهرت تفوق شعبية الصين عالمياً على الولايات المتحدة، يعد جرس إنذار حقيقي لواشنطن.

فقد صنعت أمريكا بأخطائها الذاتية، ومحاربتها لمؤسساتها العلمية، وتخليها عن حلفائها، وانغماسها في صراعات جانبية، فجوة استراتيجية واسعة. وبفضل التخطيط بعيد المدى والهدوء الدبلوماسي، ملأ التنين الصيني هذا الفراغ بنجاح. واليوم، لم تعد الصين مجرد منافس يسعى للنمو، بل أصبحت قوة دولية واثقة، مستعدة تماماً لقيادة النظام العالمي الجديد كتفاً بكتف، ونداً لند، مع العم سام المنهك.