شريكنا يُختبر في سماء إيران
تابعنا خلال اليومين الماضيين، وربما دون أن ننتبه، العرض الأول لفيلم هوليودي لم ينتج بعد لكنه سينتج بلا شك وفي نسخ عديدة خلال الشهور القليلة المقبلة. كل عناصره الفيلم كانت حاضرة: طائرة مقاتلة أمريكية تسقط في عمق أراض معادية، وطيار ينجو ويختفي في الجبال، وقوات خاصة تتحرك في الظلام، ورئيس شديد الحماس يتابع من غرفة العمليات داخل البيت الأبيض، وعشرات الطائرات تشق السماء لإنقاذ جندي لا يترك خلف الجيش الأمريكي.
لكن ما بدا كفرجة مكتملة العناصر، كان في العمق شيئا آخر أكثر جدية، وأقل قابلية للاختزال في سيناريو بطولي جاهز. لقد تابعنا في اليومين الماضيين، عملية اختبار مكشوفة لأسطورة التفوّق الجوي الأمريكي التي ظلّت قائمة حتى في الحروب التي منيت فيها أمريكا بهزائم نكراء، كما هو الحال في فيتنام وأفغانستان.
حرّكت الولايات المتحدة خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، ما يشبه جيشا جويا مصغّرا لإنقاذ رجل واحد. أكثر من خمسين طائرة، تضم مروحيات ومقاتلات وطائرات دعم ومسيّرات، إلى جانب أقمار اصطناعية، وقيادة سياسية وعسكرية تتابع العملية لحظة بلحظة.
ودون أن ننزلق إلى استنتاجات متسرعة حول ميزان القوة، أو نفوّق” طرف على حساب آخر، فإن القراءة الأكثر فائدة، من زاوية مغربية صرفة، ليست في من ربح هذه الجولة أو خسرها، بل في ما تكشفه عن طبيعة القوة التي يعتمد عليها المغرب منذ أكثر من عقدين في تطوير قدراته العسكرية، أي القوة الجوية الأمريكية، باعتبارها العمود الفقري للتفوق الذي تصدّره (وتبيعه) واشنطن لحلفائها.
في هذا المستوى، لا يتعلق الأمر بطائرة سقطت، بل بنموذج كامل وضع تحت الاختبار وانكشف جزء من حقيقته. الولايات المتحدة بنت حروبها الحديثة على فرضية بسيطة عنوانها السيطرة على السماء، ثم إدارة المعركة من موقع تفوق مريح.
من الفيتنام وحرب الخليج إلى أفغانستان، لم تكن الطائرات الأمريكية تحارب فقط، بل تفتح الطريق سالكا وآمنا لباقي القوات. وظلّت السماء، في كل الحروب الأمريكية فضاء مضمونا، أو شبه محتكر. وما حدث في إيران هذا الأسبوع، لا يسقط هذه الفرضية بالكامل، لكنه يدخل عليها عنصرا جديدا مفاده أن السيطرة لم تعد مطلقة، بل أصبحت موضع نقاش وشك.
إسقاط طائرة F-15، وإصابة طائرات أخرى، ثم اضطرار واشنطن إلى خوض عملية إنقاذ استمرت أكثر من أربعين ساعة في بيئة جبلية معادية، مع اشتباك شبه مستمر مع وحدات من الحرس الثوري كانت تقترب من الهدف… كل هذا لا يمكن قراءته كحادث معزول؛ بل هو مؤشر على أن البيئة العملياتية تغيّرت، وأن السماء لم تعد تفتح بالكامل أمام القوة الأمريكية، حتى في مواجهة خصم لا يمتلك منظومات دفاع جوي من الطراز الأول، بالمعايير الكلاسيكية.
التحليلات التي رافقت العملية، خصوصا في الصحافة الأمريكية، لم تذهب إلى حد الحديث عن فقدان التفوق، لكنها أشارت إلى أن “مسرح العملية” لم يكن مجالا خاليا من المخاطر كما يفترض في القوة العسكرية الجوية الأمريكية. وهو اعتراف مهم، لأن هذه القوة لم تكن تقاس بقدرتها التدميرية فقط، بل باستطاعتها العمل دون تهديد فعلي.
ما تكشفه هذه العملية أيضا هو أن الخصوم لم يعودوا يحاولون منع الطيران الأمريكي من العمل، بل أصبحوا يستطيعون رفع كلفة عمله ومستوى مخاطرته. بواسطة أنظمة دفاع متنقلة، وتشغيل محدود زمنيا للإفلات من الرصد الفضائي والجوي، واستخدام التضاريس كسلاح فعّال، وقبول خسائر جزئية مقابل إرباك الخصم… بات بالإمكان تحويل السماء إلى فضاء “ملغوم”، لا يخضع للسيطرة بالكامل أمام سلاح الجو الأمريكي.
في المقابل، أظهرت العملية أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على حشد قوة هائلة، والقيام بتنسيق معقد، واستخدام تكنولوجيا متقدمة، من الذكاء الاصطناعي في تحديد المواقع، إلى تكامل الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، للوصول إلى هدفها. ما يعيد التوازن إلى القراءة التي تتحرى الموضوعية، لكون التفوق الجوي الأمريكي لم يختفِ في هذه المعركة، لكنه لم يعد يعمل في بيئة مثالية كما كنا نعتقد.
لكن العنصر الأكثر دلالة في العملية ليس عسكريا بحتا، بل سياسي. فوجود طيار أمريكي أسير في إيران كان يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط ثقيلة، داخليا وخارجيا، وأن يؤثر على قرارات واشنطن في ملفات حساسة، من التفاوض إلى خيارات التصعيد. وبالتالي فإن إنقاذه لم يكن مجرّد استعادة مواطن أمريكي من قبضة “العدوّ”، بل استعادة هامش المناورة واتخاذ قرار.
وبالعودة إلى زاوية مغربية محضة في القراءة، نجد أن سؤالا يفرض نفسه بكل الهدوء الممكن: ماذا يعني أن يعيد مصدر تسليحك الرئيسي، وشريكك العسكري الأول، اختبار أهم عناصر قوته في بيئة قتالية حقيقية؟
الجواب ليس في القلق، ولا في الاطمئنان المفرط، بل في الفهم. لأن ما تقدمه الولايات المتحدة لحلفائها لا يزال متقدما، لكن شروط استخدامه، وبيئته، ومخاطره، لم تعد كما كانت، وهو ما يحمل على التفكير والتأمل.
بعيدا عن أي مصدر منحاز أو غير محايد، لفت انتباهي تحليل لصحيفة “The Economic Times” الهندية، وهي واحدة من أكبر الصحف الاقتصادية الناطقة بالإنجليزية في هذا البلد الآسيوي.
الصحيفة أشارت إلى أن إسقاط طائرتين أمريكيتين داخل إيران “هزّ” كل الافتراضات التي كانت تقوم عليها العقيدة العسكرية الأمريكية لعقود. ولم تذهب الصحيفة الهندية في قراءتها إلى إعلان نهاية التفوق الجوي الأمريكي، لكنها أشارت إلى أن ما جرى يظهر أن هذا التفوق لم يعد يشتغل في بيئة خالية من المخاطر، وأن حتى أنظمة دفاع جوي بسيطة أو متنقلة، يمكن أن تكون فعالة في مواجهة قوة جوية متقدمة، إذا استخدمت ضمن تكتيك يقوم على التشتيت والحركة والمرونة.
التقدير الذي انتهت إليه الصحيفة الهندية، والذي استند أيضا إلى آراء خبراء أمريكيين، يلتقي مع خلاصات أكثر رصانة في الصحافة الغربية، مفادها أن التفوق الجوي الأمريكي لا يزال قائما، لكنه لم يعد مطلقا، وهو ما يفرض القيام بالمراجعات الضرورية لكل شركاء واشنطن الذين بنوا خياراتهم العسكرية على هذا المعطى.