سيف الإسلام القذافي.. لعنةُ الإرث
لسيف الإسلام القذافي الذي أعلن عن مقتله ليلة أمس الثلاثاء 03 فبراير 2026، قصة خاصة مع المغرب والمغاربة. فبينما كان والده أحد أوائل محتضني ومسلّحي ومموّلي جبهة البوليساريو لمحاربة المغرب في الصحراء، كانت لسيف الإسلام قصة إنسانية خاصة مع أسرى المغرب لدي الجبهة الانفصالية، حيث ساهم عبر جمعيته الخيرية في عملية تحرير آخر دفعة منهم عادت إلى المغري قبل أكثر من عقدين.
“عندما شاهدنا سيف الإسلام القذافي في المخيمات، ورغم أننا شمينا ريحة البلاد، إلا أننا كنا نعرف موقف ليبيا وتصرفاتها. فقلنا إننا إذا قال سيف الإسلام كلمة سوء عن المغرب، من قبيل “مملكة توسعية” أو “إمبريالية” أو “استعماري”، فسنقول له عد أدراجك فنحن باقون هنا إلى أن يحررنا ملكنا” يقول سامر عبد الله، ضابط الصف العائد من الأسر، عن لقاء الجنود المغاربة بابن العقيد معمر القذافي عام 2003، حين جاءهم مُعتقا لرقابهم.
“سعا سبحان الله العظيم كان العكس”، يضيف عبد الله، موضحا أن سيف الإسلام أبدى كثيرا من الحكمة، “واندس بيننا رفقة عبد العزيز المراكشي وعدد من عملاء الجزائر، وقال لنا: السلام عليكم أيها الأشقاء المغاربة”. لحظتها أخبر سيف الإسلام الجنود المغاربة المأسورين، أنه طلب “من الإخوة الجزائريين إطلاق سراح الإخوة المغاربة ممن لهم تاريخ في حرب الجولان، ونحن نسعى إلى لم الشمل العربي”. ولم ينطق بعبارة “الجمهورية العربية الصحراوية”، احتراما لمشاعر الجنود المغاربة. ودفع ملايين الدولارات وكميات من التموين كي يستعيدوا حريّتهم.
الأسر بعد الثورة
وهو على متن سيارته رباعية الدفع يمخر عباب الصحراء، كان يتطلّع إلى إعادة بناء مجد مملكة والده المنهارة، تاركا أرض ليبيا وراءه، وحالما بالعودة إليها محمولا على اكتاف الأنصار. أوقفه أحد قادة الكتيبة التي تكفّلت باعتقاله، وطلب منه أوراق هويته، ليقدّم له نفسه باسم “عبد السلام”.
كان سيف الإسلام في تلك الليلة الفاصلة بين يوم الجمعة ويوم السبت، ينتحل هوية أحد الطوارق المنتشرين في تلك الصحراء. لذلك ارتدى جلبابا بني اللون، واعتمر عمامة، وأخفي ملامح وجهه بوشاح، بعدما أطلق لحيته السوداء.
من ذا الذي سيتعرّف عليه وهو الذي اعتاد الظهور بلباس رياضي ورأس أصلع مكشوف؟ لكن مخاطبه سرعان ما طلب منه النزول والاستسلام، قائلا له “أنت سيف الإسلام”.
تعود هذه المشاهد إلى نونبر من العام 2011، أي شهورا بعد مقال الزعيم الليبي معمر القذافي، بعد مطاردته بطائرات حلف شمال الأطلسي وعربات وبنادق “الثوار”.
ومنذ ذلك التاريخ، عاش الرجل العديد من المشاهد المماثلة، وظل يمرّ بمحاذات الموت، إلي أن اعتلى أربعة أشخاص سور بيته في مدينة الزنتان ليلة أمس الثلاثاء 03 فبرابر 2026، واشتبكوا معه بأسلحة نارية، فأصابه ما لا يقل عن أربع رصاصات، إحداها كانت قاتلة.
بعد سقوط حكم والده، وتمكّنه من الفرار في الصحراء، كان أخوه الساعدي الموجود حينها في النيجر، وبعض من أنصار والده الطامحين في استعادة عرش القذافيين، ينتظرونه هناك في الأدغال الإفريقية من أجل مبايعته أميرا للمعارضة الليبية الجديدة، ولعب دور معارضة الخارج والعمل على الإطاحة بنظام ثوار مصراطة والزنتان… اتصل بأحد العارفين بالطرق السرية في الصحراء الممتدة على طول الحدود الليبية الجنوبية، واتفق معه على إيصاله إلى دولة النيجر.
تفاصيل الخطة سرعان ما تناهت إلى أسماع القادة العسكريين للمجلس الانتقالي في طرابلس، فتوجّهوا إلى المعبر الذي سيعبره سيف الإسلام القذافي، الابن الأبرز للزعيم المقتول، معمّر القذافي.
بعض المقاتلين الذين نفّذوا عملية الاعتقال، حكوا كيف اضطرب الرجل وارتبك، فصورة والده المنكّل به والذي يتلقى الضربات من كل حدب وصوب، والدماء تسيل من كامل جسمه، من رأسه إلى قدميه؛ كل ذلك كان شريطا يتكرّر أمام أعين سيف الإسلام بدون توقّف. لكن معتقليه طمأنوه، ووعدوه بعدم ضربه، وبتقديمه لمحاكمة يلقى فيها مصيره. فكفّ سيف الإسلام عن طلب قتله بإطلاق رصاصة على رأسه، وامتطى الطائرة التي خُصّصت له، وأسلم نفسه للثور الزنتان.
رغم إذاعة الخبر في صباح ذلك السبت، إلا أن العالم ظلّ ينتظر الصور، والتكهنات تتراوح بين رؤيته مقتولا، أو مهانا على يد خصومه كما فعلوا مع أبيه. لكنه ظهر جالسا في الطائرة، متفحصا لأصابع يده التي بُترت في إحدى غارات الحلف الأطلسي. فيما سارعت المحكمة الجنائية الدولية إلى طلب تسليمها إياه، بناء على مذكرة البحث التي سبق وأصدرتها في حقّه.
الوجه “المتنوّر”
كان هذا القتيل الخمسيني، وطيلة السنوات الطويلة لحكم والده، يُعتبر الوجه الآخر للقذافي الأب، أي الوجه المتنور والمتعلم والإصلاحي والمنفتح، بل والمعارض لنظام والده.
وكانت التحليلات تذهب إلى القول بوجود تكتّل خاص بسيف الإسلام، يحارب ضد الديناصورات من جيل والده، ويسعى إلى سحب بساط السلطة من تحت أقدامهم من أجل الإصلاح. لكن الجميع فوجئ به بعد انطلاق الثورة، حين قفز إلى شاشة التلفزيون الليبي، ليكرّر ما فاه به والده من عبارات “الجردان” وما يماثلها.
“النظام الديمقراطي الذي نحلم به نحن في ليبيا غير موجود و تم الالتفاف عليه … نحن نضحك على أنفسنا عندما نقول إن ليبيا هي النعيم الأرضي أو الفردوس … أي فردوس و نحن لا توجد عندنا بنية تحتية؟” لا يتعلق الأمر هنا بتصريح طائش لأحد أفراد العائلة السنوسية الحاقدة على ليبيا الثورة، و لا بأحد “عملاء الغرب” الناقمين على الجماهيرة العظمى و حاكمها، إنه أحد تصريحات سيف الإسلام معمر بومنيار قذاف الدم القحصي القذافي، الخارج من صلب قائد ثورة الفاتح و قاهر الموالين قبل المعارضين.
فإلى حدود عام 1995، لم يكن أحد يتصور خليفة للعقيد معمر القذافي غير الرائد عبد السلام جلود الذي كان يجمع بين يديه مسؤوليات عديدة، إضافة إلى تمتعه بشرعية المشاركة في الثورة. غير أن إبعاده عن الحكم و تهميش رموز قبيلة “المقارحة” أتاحا ل”القذاذفة” السيطرة على المناصب القيادية في الدولة وتحويل أمر الخلافة الى شأن عائلي على شاكلة العائلة السنوسية التي أطاح بها “الفاتح”.
بعد تردد وغموض طويلين، حسم معمر القذافي في أمر “ولي عهده” وأصبح على غرار حسني مبارك و علي عبد الله صالح و غيرهما يدفع بابنه إلى معترك السياسة ويطعمه رحيقها وعلقمها، في انتظار ساعة الحسم.
لم يكن يرى ما يمنعه من خلافة أبيه، وفي أحد حواراته القديمة، قال إن جورج بوش نفسه ورث البيت الأبيض عن والده، قبل أن يستدرك: “أنا متسرع ومتشدد ولا أصلح لزعامة ليبيا خلفا لوالدي” في واحدة من مناورات الكر والفر التواصلية. لترسم تصريحاته حلقة مفرغة من التبرير وإعادة الإنتاج الذي يتلازم فيه حرص ابن القذافي على التمسك بالدور التاريخي لوالده من جهة، وعدم تحميله أي مسؤولية عن كل ما حدث في ليبيا على امتداد ثلاثة عقود، من جهة ثانية. كان يحمّل كامل المسؤولية ل”القطط السمان والتكنوقراط” متهما إياهم بالتصرف وفق أهوائهم ودون مراعاة ظروف الليبيين، دون أن يحدد من الذي قام بتسمين تلك القطط.
عادة ما كانت تصادف تصريحات سيف الإسلام المثيرة قرب الاحتفال بذكرى “الثورة”، مما كان يقرأ فيه البعض محاولة لرفع درجة التفاؤل في صفوف الليبيين وامتصاص حالة الغضب والتذمر الذي عم كل القطاعات والمجالات، ومن ثم محاولة تفريغ هذه الشحنات المكبوتة.
غير أن خطب القذافي الأب، كانت تأتي قوية ونارية، ليناقض الزعيم الليبي فيها أفكار ابنه، بل هدد في إحداها بقتل كل من يشكك في الثورة أو يعارضها، رغم أن خطبة سيف كانت قد حظيت بنقل مباشر وتناول مستفيض من طرف أجهزة الإعلام الرسمية.
المهندس القذافي
ولد سيف الإسلام القذافي سنة 1972 وكان هو الابن الثاني للعقيد القذافي، والأول من الممرضة “صفية فركاش”، زوجة معمر القذافي الثانية التي تعرف عليها عندما كان يرقد بالمستشفى في بدايات الثورة لإجراء عملية على الزائدة.
طبيعة مهنة أم سيف هذه قد تساعد في تبرير كيف انبرى ابن الزعيم للدفاع عن الممرضات البلغاريات المحكومات بالإعدام في قصة ال”إيدز” الشهيرة، “أضمن أننا لن نعدمهن … صدقوني أننا نكاد التوصل الى حل” قال سيف الإسلام.
درس الهندسة المعمارية في كلية الهندسة بطرابلس وتخرج منها عام 1994، ليحوز رتبة رائد في الجيش الليبي دون الالتحاق بالكلية العسكرية. لكنه واجه صعوبة كبيرة في ولوج إحدى الجامعات “المحترمة” في الغرب كما هي موضة الحكام العرب، بفعل عدم توفره على المستوى الأكاديمي اللازم لتحضير الماجيستير، ليضطر الى متابعة دروس في الإنجليزية مدة سنة كاملة في فيينا، تمهيدا لولوجه كلية الاقتصاد بإحدى جامعاتها. وهناك، لم يتورع في إبداء البذخ والتبدير، فكل مصاريفه تدفع من قبل المكتب الشعبي.
تطلّب دلاله تدخلات ديبلوماسية مكثفة لتمكينه من جلب نمرين كان يملكهما في ليبيا قصد وضعهما في إحدى حدائق فيينا بالقرب منه. وعندما أتم تكوينه في إدارة الأعمال عام 2000، عاد إلى طرابلس حيث افتتح واجهة تجارية باسم الشركة الوطنية للخدمات الهندسية، ليتمكن في وقت قياسي من نسج علاقات مع “أباطرة” التجارة العالمية.
اتخذ سيف الإسلام لنفسه واجهة الأعمال الخيرية والإنسانية، فأنشأ مؤسسة “القذافي للجمعيات الخيرية” عام 1997، وأصبحت منذ هذا التاريخ مظلته الأساسية، وهي جمعية فاحشة الغنى وتمتلك أسهما في الشركات العالمية.
ذاع صيته عالميا حين دفع 25 مليون دولار إلى مجموعة أبي سياف الفليبينية مقابل إطلاق سراح رهائن ألمان. كما تبنى في وقت مبكر أسلوب العمل خارج الهيئات الرسمية، فهو لم يكن يشغل أي منصب سياسي أو رسمي في الدولة، ولم يُعرف أبدا بأية صفة قانونية أو سياسية كان يتحدث سيف الإسلام ويطرح أفكاره، مكتفيا بكونه ابن القذافي. لكن دوره، خاصة في علاقات بلاده مع أطراف دولية، كان يفوق دور وزير الخارجية.
دكتوراة من لندن وجائزة من باريس
منذ 2003، كان المهندس سيف الإسلام يقيم في لندن تحت غطاء تحضير الدكتوراة في الاقتصاد، ويستغل الفرصة لنسج علاقات مع الأوساط السياسية والتجارية والاجتماعية والفنية في عاصمة الضباب. هذه الأخيرة التي عادة ما تقف وراء تدبير انقلابات الأبناء على آبائهم الحكام.
أما داخليا، فقد قام باستقطاب زمرة من الموالين من رجال السلطة والمال، ولم ينس إيفاد حوالي 150 طالبا إلى بريطانيا لإتمام دراستهم العليا في الاقتصاد والإدارة، ليكونوا أداة حكمه في المستقبل.
لم يكن يتردد في الكشف عن تفاصيل برنامج بلاده النووي أو إعلان عدم ممانعة بلاده في استقبال جنود أمريكيين وبريطانيين وتمكينهم من إجراء تدريباتهم فوق الأراضي الليبية، مقرا أن تخلي بلاده عن برنامجها النووي يفترض البحث عن مظلة حماية دولية.
حين كان يريد الاشتغال على علاقاته العامة، كان يستقبل الصحافة (البريطيانية على وجه الخصوص) في مزرعته الخاصة في طرابلس وهو يرتدي جلبابا ليبيا تقليديا مصنوعا من خيوط ذهبية وحريرية، وعلى رأسه عمامة ليبية محبوكة، “كنت أقوم بنقل رسائل إلى والدي وأشرحها له، وفي النهاية نجحت في خلق علاقات جيدة بيني وبين والدي من جانب، وبين المخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات البريطانية من جانب آخر” يقول سيف بحماس شديد في لقاء صحافي.
لم يتردد أيضا في زيارة جامعة الإيمان الإسلامية اليمنية المتهمة أمريكيا بالتطرف، والتقى فيها الشيخ عبد المجيد الزنداني مؤسس ورئيس الجامعة الذي أعلن توصله إلى علاج لمرض الإيدز، مما اعتبره البعض بحثا من ابن القذافي عن علاج للأطفال ضحايا القضية الشهيرة.
عدم تردده هذا في الذهاب مباشرة إلى مصدر المنفعة والمتعة جعل صحيفة “معاريف” الإسرائيلية تقول إن علاقة غرامية كانت تجمع بين ممثلة إسرائيلية تدعى “أورلي فاينرمان” وسيف الإسلام القذافي. هو الذي لم يتردد في اجترار نظرية “إسراطين” التي ابتدعها والده، ليقترح في محاضرة ألقاها في المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية بلندن، تأسيس “الجمهورية الفيدرالية في الأراضي المقدسة” يعيش فيها العرب واليهود جنبا إلى جنب وتكون القدس عاصمة لها.
ارتباطه بلندن لم يمنع باريس من أن تمنحه ميدالية معهد العالم العربي باعتباره ممثلا لجيل فناني الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على ليبيا. رسومات سيف تتمحور حول الصحراء بألوانها وحيواناتها من غزلان وجمال وحصان عربي… ومن لوحاته ما يتفجر فيها اللون ويختلط فتعبر اللوحة عن العنف و الحرب.
بعد 40 سنة من السيطرة على الجماهيرية، كان المشهد السياسي الليبي يبدو كمسرحية يخرجها القذافي ويلعب فيها أبناؤه أدوارا مصممة على مقاسهم وبقدر من التخصص، وبدا أن سيف الإسلام قد حاز دور المعارضة حتى يتم تدجين الكل تحت سقف النظام.
لكن الربيع العربي كشف عن المستور، وبيّن أن شهادة الدكتوراة التي حازها سيف الإسلام من لندن لم تكن سوى مجاملة من رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير، تماما كما كان ابن القذافي “يجامل” كبار المسؤولين الغربيين وشركاتهم ومؤسساتهم. ثم جاء الفرنسيون الذين منحوه ميدالية معهد العالم العربي، ليقصفوا بيته وبيت والده ويهدموه فوق رأسيهما.