دعم لندن لخطة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية يخيم على النقاش داخل البرلمان البريطاني

للأسبوع الثاني على التوالي، تعرف قضية الصحراء المغربية نقاشا متواصلا داخل أروقة البرلمان البريطاني، في مؤشر لافت على تصاعد اهتمام السياسيين والاقتصاديبن البريطانيين بموقف بلادهم من هذه القضية.
ففي جلستين منفصلتين، طُرحت أسئلة برلمانية تعكس جدية النقاش داخل المؤسسات البريطانية حول مستقبل العلاقات مع المغرب، وتحديداً حول موقف المملكة المتحدة من ملف الصحراء المغربية.
ويتعلق الموضوع في الجلسة الأولى بالجدل حول النشاط الاقتصادي للشركات البريطانية في الأقاليم الجنوبية للمغرب، في حين شهدت الجلسة هذا الأسبوع سؤالاً برلمانياً حول ما إذا كانت بريطانيا ستنحو منحى واشنطن وباريس في دعم مقترح الحكم الذاتي الذي يقدمه المغرب كحل سياسي لقضية الصحراء.
في هذا السياق، يُطرح التساؤل حول ما إذا كانت بريطانيا ستمضي نحو موقف أكثر تقدما يعزز موقف المغرب من وحدته الترابية؟ ومدى أهمية اعتراف بريطاني رسمي بمغربية الصحراء؟
في هذا الصدد، يرى محمد سالم عبد الفتاح، الباحث في شؤون الصحراء، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن الموقف البريطاني “يبدو أقرب للاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء من منطلق العلاقات التاريخية الوطيدة التي تجمع البلدين”.
وأوضح عبد الفتاح أن العلاقات بين البلدين “تعززت بالعديد من المشاريع المشتركة التي تهم استثمارات شركات بريطانية في الأقاليم الجنوبية”، وهو ما عدّه المتحدث “اعترافاً ضمنياً وعملياً بمغربية الصحراء”.
وأشار الناشط الصحراوي إلى أن الموقف البريطاني له أهمية بالغة كون الأخيرة تتمتع بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن، كما تتمتع بحق النقض في مجلس الأمن الدولي، إلى جانب تمتعها بأدوار هامة في الساحة الدولية، وفي مقدمة ذلك حلف الناتو.. إلى جانب تأثيرها الواسع على الدول الناطقة بالإنجليزية لا سيما مستعمراتها السابقة.
وقال إنه من شأن تغير الموقف البريطاني أن “يعزز هذه الدينامية الواسعة التي يراكمها المغرب بخصوص ملف الوحدة الترابية لا سيما، باختراق الدول الناطقة بالإنجليزية في الساحة الإفريقية، والتي كان خصوم المملكة يحتكرونها”.
من جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة محمد الأول بوجدة خالد الشيات، إنه “لا يوجد ما يفيد بأن بريطانيا لا تعترف بمغربية الصحراء”، مشيراً إلى أن عدم وجود موقف واضح تجاه ما يُسمى “الجمهورية العربية الصحراوية” يعني أن بريطانيا لا تتخذ موقفاً صريحاً من قضية مغربية الصحراء.
وقال الشيات إن المغرب وبريطانيا تربطهما علاقات تاريخية عريقة، مشيراً إلى أن أزمة الصحراء المغربية “ترتبط بشكل كبير بالدول حديثة الاستقلال، التي ظهرت في إطار القانون الدولي الحديث، مثل الجزائر وجنوب إفريقيا، والتي نشأت ضمن منظومات تقرير المصير أو غيرها من المنظومات القانونية الحديثة”.
وأشار إلى أن هذه الدول، رغم حداثة نشأتها، “تسعى إلى تقديم نفسها كدول ذات تاريخ عريق، في محاولة لنفي طابع الحداثة عنها. وفي المقابل، يضيف المتحدث “تنتمي بريطانيا إلى منظومة أخرى، إذ أنها دولة لها ذاكرة تاريخية قوية، ولا يمكن إغفال مسؤوليتها التاريخية في ما يتعلق بتقسيم منطقة شمال إفريقيا.
ويرى المتحدث أن لبريطانيا مسؤولية تاريخية في التقسيم الاستعماري الذي طال شمال إفريقيا والشرق الأوسط بما في ذلك المغرب، وبالتالي فإن دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي قد يكون بمثابة تصحيح لمسار تاريخي. وقال إن المغرب، “الذي كان قوة تاريخية، جرى تفتيت مجاله الجغرافي إلى أربع مناطق، اقتسمتها قوتان استعماريتان، فرنسا وإسبانيا، وذلك بضغط من بريطانيا، التي لم تكن ترغب في أن تنفرد قوة واحدة بالتحكم في الواجهتين: المتوسطية والأطلسية”.
فتم تقسيم المغرب إلى مناطق شمالية خاضعة لإسبانيا، ووسطية خاضعة لفرنسا، وأخرى جنوبية موزعة بين إسبانيا وفرنسا، يسمى الجزء الذي كان بيد فرنسا منها موريتانيا. مشيراً في هذا الجانب إلى ضرورة تحمّل بريطانيا لمسؤوليتها التاريخية.
واعتبر الشيات أن تعزيز وتكثيف المواقف الداعمة للطرح المغربي أصبح أمراً مهما، خاصة أن بريطانيا دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهذا الأمر يُضفي أهمية على وحدة الموقف داخل الكتلة الغربية والتي تتكون من بريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة، مقابل تعاطف روسيا والصين مع الطرح الآخر”.
كما اعتبر الباحث في شؤون الصحراء سالم عبد الفتاح أن تبني بريطانيا لموقف متقدم داعم للمملكة، من شأنه أن “يعزز شرعية الموقف المغربي، باعتبار الحضور التاريخي لبريطانيا في المنطقة”، مشيراً إلى أنها “مضطلعة على قوة وشرعية الموقف المغربي، خاصة وأنها سبق أن وقعت معاهدات تاريخية مع المملكة أقرت بموجبها بسيادة المغرب على الصحراء، والتي من بينها معاهدة 13 مارس 1895”.
يذكر أن النقاش الذي دار في البرلمان البريطاني نهاية شهر الماضي، تركز حول مدى شرعية وجدوى استثمارات الشركات البريطانية في الصحراء المغربية، ومدى انسجامها مع القانون الدولي، وهو ما جددت الحكومة البريطانية على إثره تأكيدها على حرية هذه الشركات في الاستثمار بالصحراء المغربية، مشددة على عدم وجود أي قيود تمنعها من ممارسة أنشطتها الاقتصادية في المنطقة.
في حين تم في جلسة الثلاثاء 1 أبريل 2025، توجيه سؤال للحكومة البريطانية بشأن إمكانية دعم مبادرة الحكم الذاتي، على غرار الدعم الذي عبّرت عنه الولايات المتحدة الأميركية منذ 2020، والذي تلاه الاعتراف الرسمي الفرنسي العام الماضي.
وفي هذا الصدد، قال وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي إن المباحثات ما زالت جارية مع المغرب بشأن موقف المملكة المتحدة من الصحراء المغربية، مؤكدا أن الموقف البريطاني بخصوص الموضوع “لا يزال قيد المراجعة”.
وجاء ذلك خلال جلسة نقاش في البرلمان البريطاني، يوم الثلاثاء 1 أبريل 2025، إذ أثار النائب عن حزب المحافظين ووزير الدولة السابق في الخارجية، أندرو ميتشل، قضية دعم خطة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية تحت سيادة الرباط.
ووجه ميتشل، سؤالاً لوزير الخارجية البريطاني حول موقف لندن من النزاع، مؤكداً ضرورة اتباع نهج كل من الولايات المتحدة وفرنسا في هذه القضية. وقال: “هل ستتخذ الحكومة البريطانية إجراءً، كما فعلت الحكومتان الفرنسية والأمريكية، لدعم خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية؟”
وفي رده على السؤال، أكد وزير الخارجية ديفيد لامي استمرار المباحثات مع المغرب حول هذه القضية، مشيراً إلى أن “الموقف البريطاني لا يزال قيد المراجعة”.
وقال لامي “نواصل مناقشاتنا مع أصدقائنا المغاربة. هذه قضية معقدة. يظل الموقف كما كان في ظل الحكومة السابقة. وبالطبع، نواصل مراجعته بينما نواصل مناقشة هذه القضايا في المنطقة”، وذلك خلال الجلسة التي تناولت موضوع الصحراء المغربية إلى جانب عدة قضايا أخرى متعلقة بالشرق الأوسط والصراع بين روسيا وأوكرانيا.
وفي العام الماضي، وقع أكثر من 30 نائباً وعضواً في مجلس اللوردات على رسالة موجهة إلى وزير الخارجية آنذاك، اللورد كاميرون، يدعون فيها المملكة المتحدة إلى الاعتراف بمخطط الحكم الذاتي المغربي باعتباره الحل الأكثر واقعية لنزاع الصحراء.
وأكدت الرسالة على الأهمية الاستراتيجية للمغرب كشريك مستقر في شمال إفريقيا، خاصة في ظل تصاعد الاضطرابات في منطقة الساحل والشرق الأوسط.
وجاء في نص الرسالة: “يحتل المغرب مكانة بارزة بين الدول الشريكة، فهو حليف استراتيجي رئيسي في شمال إفريقيا، يتقاسم معنا القيم والرؤى التي تعد ضرورية لكلا البلدين”.
كما جدد النائب البريطاني أندرو موريسون في أكتوبر الماضي دعوته للمملكة المتحدة لمواءمة موقفها مع حلفائها الرئيسيين، بما في ذلك الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وألمانيا، الذين أيدوا بشكل صريح سيادة المغرب على الصحراء.
ودعا موريسون إلى تعزيز الوجود الدبلوماسي البريطاني في مدينتي العيون والداخلة لدعم وحدة أراضي المغرب، مشدداً على أن مخطط الحكم الذاتي المغربي يمثل “الخيار الوحيد الموثوق به”.