درس إيران
متابعة مفاوضات ترامب مع الإيرانيين صارت مملّة. كل التضامن مع المحررين في غرف الأخبار وهم يُرهَقون في متابعاتٍ تقول الشيء ونقيضه، ضمن ملاحقات عبثية لمزاجيات رئيس يتعلّم ببطء أن ما فعله في كاراكاس غير قابل للاستنساخ في طهران.
الأكيد الآن أن إيران تجرّ ترامب إلى ملعبها. مفاوضات تتمطَّط وتستطيل حتى تتشابك خيوطها في يد إدارة أمريكية تفتقر للكفاءة، وتغطّي على ذلك بالصراخ و”حروب كلامية” يواجهها الإيرانيون بكثير من الحيلة.
تنشر وكالات الأنباء والمواقع الإخبارية باستمرار مسودّات تفاهمات، وفي كل مرة يجد أحد أطراف التفاوض مصلحة في نفيها أو التشكيك في دقتها. لكنّ الأكيد أنه كلما طالت المباحثات ربحت إيران نقاطاً إضافية.
الخميس (4 يونيو)، حدّد ترامب معيارا وحيدا لإمكانية العودة إلى الحرب: أن يُقتل جندي أمريكي.
التصريح يأتي بعد ساعات من استهداف الحرس الثوري قاعدةً أمريكية في الكويت وإصابة جنود، على ما نشرت شبكة “سي بي إس نيوز”. هذا يعني أن طهران تنجح في تخفيض سقف توقعات ترامب، بتجاسرها عبر الهجوم على قاعدة أمريكية خلال فترة وقف إطلاق النار. بصيغة أخرى، ترامب يخبر إيران بما معناه: “لا أريد العودة إلى الحرب، ومقتل جندي سيكون إحراجا كبيرا لا أملك معه خيارا غير استئناف القتال”.
ينجح الإيرانيون في فرض إيقاع على المفاوضات وتجزيء الملفات ضمن أي اتفاق محتمل، بعدما فرضوا وقف إطلاق نار، ثم نجحوا في الإقناع بتأجيل النقاش حول ملف البرنامج النووي الأكثر تعقيداً، بالتوصل أولا إلى تفاهمات مبدئية تشمل فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحري، وتحرير أموال مجمّدة، ووعودا عامة بعدم حيازة سلاح نووي، وغيرها من التزامات متبادلة ضمن معادلة ( خطوة مقابل خطوة)، رغم إصرار ترامب في البدايات على عدم استعداده لاتفاق لا يحسم قضية اليورانيوم المخصّب والمواقع النووية.
وهل لا يزال من يتذكّر في بداية الحرب حديثا متحمّساً لساكن البيت الأبيض عن “استسلام غير مشروط”؟
تجزيء القضايا للإغراق بالتفاصيل تكتيكٌ إيراني. لعبة يجيدها الإيرانيون منذ مفاوضات خافيير سولانا وعلي لاريجاني قبل عشرين عاما. في الجوهر، إيران تربح الوقت كما كانت تفعل دوماً، ومعه تربح نقاطاً في مواجهة رئيس طالما ادّعى أنه “مفاوض بارع”، قبل أن يُعرِّي بسوء تقديرٍ فادح حدودَ القدرة الأمريكية.
يدرك المفاوضون المتمرِّسون والخبراء في واشنطن أن طهران تسحب ترامب إلى المستنقع، خلال الحرب، والآن عبر التفاوض. الإسرائيليون أيضاً أكثر وعياً بخطورة هذا المسار، لهذا يجتهدون لتخريبه، إذ يرون بوضوح كيف تعمل إيران على تصفير أي “إنجازات” في يد الرئيس الأمريكي، وهي تجرِّب إيجاد وصفة تمنحه ما يُشبع “غروره” ليتحدث عن إنجازات ستكون، في أحسن الأحوال، “عصفورا فوق الشجرة”.
إيران، التي تعاني جراء الحصار ومن تبعات الضربات الإسرائيلية الأمريكية، تُظهر قدراً كبيرا من الصبر والدُّرْبَة في إدارة الملفات الأكثر تعقيداً، وتخوض ما يشبه عملية “ترويض الوحش”.
ومع ذلك، حاجتها لاتفاق حيويةٌ وهي تستشعر ثقل الحرب. يُفهم هذا بوضوح من خلال تصريحات الرئيس بزشكيان الذي يدعو لـ”مصارحة الشعب الإيراني بحقيقة الأوضاع”، ومن رسائل المرشد الجديد مجتبى خامنئي الذي يشدّد على “وحدة الصف والتماسك الداخلي”، باعتبارها جبهة حرب لا تقلّ أهمية عن باقي الجبهات.
الحاجة الإيرانية لإنجاز اتفاق تعادلها حاجة أخرى لتحقيق “ردع” يمنع واشنطن من العودة إلى الهجوم. في تل أبيب، ما يطلبه نتنياهو وحكومة اليمين المتطرف حقيقةً هو إدخال إيران ضمن مربّع الانكشاف المستمر، الذي يعني حرباً طويلةً تتّخذ أشكال معارك متقطّعة، تكون باكورة إنجازاتها إسقاط النظام لتحقيق تغيير شامل.
وفي واشنطن، يريد ترامب المُستَعجِل والمضغوط اتفاقاً يؤدي إلى هدف صار أكثر دقة بعد شهور من الفوضى: إيران غير نووية.
المطلب الأمريكي قابلٌ للاستيعاب إيرانياً تحت غطاء فتوى المرشد السابق علي خامنئي (2003) حول تحريم حيازة أسلحة الدمار الشامل، بما يشمل السلاح النووي. لكن الشياطين تكمن في التفاصيل.
تقنياً، دوائر الاستخبارات الأمريكية تقرّ بعدم وجود مؤشرات كافية على سعي إيران لسلاح نووي رغم مستويات التخصيب العالية. وسياسياً، سعي واشنطن إلى الإلزام بإخراج اليورانيوم المخصّب وتدمير المنشآت النووية غايته الإخضاع، مادام الموضوع يتحوّل في إيران إلى عنوان للسيادة. أي تنازلٍ درامي لإيران في الملف النووي سيفتح الطريق لمزيد من التنازلات، التي تصبّ فعلياً في المشروع الإسرائيلي لإعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد، والمتعثّر بوضوح منذ هجمات 28 فبراير.
فعليا، ترامب يريد الحصول بالمفاوضات على ما لم يحقّقه عسكرياً. وإيران تريد تحويل الحرب فرصةً لتغيير كبير، وتبدو أكثر استعدادا لخوض مفاوضات لا تريدها أن تُفضي إلى اتفاق حاسم، وإنما إلى تفاهمات تشكّل تجسيداً لنتائج الحرب غير المحسومة، التي من رؤوس خلاصاتها: فشل أمريكي إسرائيلي في تحقيق الأهداف، وحالة إنهاك إيرانية تتخفّى في القدرة على التحمّل، ومزيد من خلط الأوراق، في المنطقة والعالم، باستثمار “ذكي” للجغرافيا، وللسياقات السياسية الخانقة لترامب في انتظار انتخابات التجديد النصفي، وبعدما صوّت مجلس النواب لصالح وقف الحرب إلى حين إصدار تفويض بالأعمال القتالية من الكونغرس.
قصارى القول
من حقّ أي كان أن يسُبّ صباح مساء إيران، وأن يقيم الدنيا ولا يُقعدها ضد دولة تحمل سيرةً غير حميدة في سجّلات حقوق الإنسان واحترام سيادة الدول. لكن درساً ثاويا خلف كل الجاري يجب أن يُستوعَب ويُفهم. الخصومة لا تُغني عن النظر مليّاً للفهم كيف تُبنى سيادة الدول، وكيف تتراكم القوة الذاتية، وكيف يمكن تحقيق الاستقلال وصون القرار الوطني من الانتهاك الخارجي.
درسٌ إيراني مفتوح حول الدبلوماسية التي تتشابك مع القوة العسكرية المبنية بمقوِّمات محلية، رغم الحصار والعقوبات والملاحقات.