story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
سياسة |

دراسة: إدماج الاقتصاد غير المهيكل يتطلب إصلاحا شاملا يتجاوز التغطية الاجتماعية

ص ص

كشفت دراسة حديثة أنه رغم التقدم الملموس في تعميم الحماية الاجتماعية، لا يزال قطاع واسع من المواطنين خارج نطاق الاستفادة الفعلية، بسبب ضخامة الاقتصاد غير المهيكل، في مفارقة بنيوية تميط اللثام عن فجوة جوهرية بين الإطار القانوني والواقع الاقتصادي، مما يطرح تحديات جديدة تخص الإنصاف والاستدامة.

في هذا السياق، أظهرت دراسة “الاقتصاد غير المهيكل يتحدى برنامج الحماية الاجتماعية” للباحثة عائشة العمراني، الصادرة عن المعهد المغربي لتحليل السياسات (MIPA)، أن تحقيق إدماج فعلي ومستدام للعاملين في الاقتصاد غير المهيكل يقتضي الانتقال من منطق توسيع التغطية الاجتماعية إلى مقاربة إصلاحية شمولية تربط الحماية الاجتماعية بسياسات أوسع للهيكلة الاقتصادية، وتعزز في الوقت نفسه الاستدامة المالية للمنظومة، بما يسمح بتحقيق توازن بين أهداف العدالة الاجتماعية ومتطلبات الفعالية الاقتصادية.

مفارقة التقدم في التغطية وحدود الإدماج الفعلي

تنطلق الدراسة من ملاحظة أساسية مفادها أن المغرب حقق تقدما ملموسا في توسيع التغطية الصحية خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعد تعميم نظام التأمين الإجباري عن المرض ليشمل فئات واسعة من غير الأجراء والعاملين في أوضاع غير منظمة. غير أن هذا التقدم الكمي لا ينعكس بشكل مباشر على مستوى الإدماج الفعلي داخل المنظومة الاجتماعية.

وتوضح الباحثة أن جزءا مهما من المستفيدين الجدد يوجد في وضعيات مهنية هشة، تتسم بعدم انتظام الدخل، وضعف الاستقرار المهني، وغياب الارتباط المنتظم بالمؤسسات الجبائية والاجتماعية، وهو ما يجعل الاستفادة من التغطية الاجتماعية في كثير من الحالات قائمة على الدعم العمومي أكثر من كونها ناتجة عن مساهمة مستدامة داخل النظام.

الاقتصاد غير المهيكل كعائق بنيوي أمام التعميم

تؤكد الدراسة أن الاقتصاد غير المهيكل لا يمكن اختزاله في نشاط هامشي أو ظرفي، بل يشكل بنية اقتصادية موازية داخل الاقتصاد الوطني، فهو يستوعب ملايين العاملين في أنشطة متنوعة تشمل التجارة الصغيرة والخدمات والحرف والنقل غير المنظم، ويتميز بسيادة الوحدات الإنتاجية الصغيرة جداً ذات الطابع الفردي أو العائلي.

وتضيف أن هذه البنية تتسم بضعف الإنتاجية واعتماد مداخيل غير مستقرة أو موسمية، ما يجعل إدماجها داخل منظومة حماية اجتماعية قائمة على الاشتراكات المنتظمة أمراً بالغ الصعوبة، بالنظر إلى أن النموذج الحالي يفترض وجود دخل قار وهيكل مهني منظم.

إشكالية التمويل والاستدامة المالية للمنظومة

تسلط الدراسة الضوء على التحدي المالي باعتباره أحد أبرز الإشكالات المرتبطة بورش تعميم الحماية الاجتماعية، فمع توسع قاعدة المستفيدين، ترتفع الكلفة الإجمالية للمنظومة بشكل متسارع، في حين لا تتوسع قاعدة المساهمين الفعليين بنفس الوتيرة، بفعل استمرار جزء كبير من النشاط الاقتصادي خارج دائرة التصريح والاشتراك.

وترى الورقة أن هذا الاختلال يضع ضغطا متزايدا على المالية العمومية، ويطرح في العمق سؤال العدالة الجبائية وتوزيع الأعباء بين الفئات المختلفة، خاصة في ظل اعتماد متزايد على التمويل العمومي لتغطية الفجوة بين الاشتراكات والإنفاق الاجتماعي.

السجل الاجتماعي الموحد وإشكالية الاستهداف

تعتبر الدراسة أن السجل الاجتماعي الموحد يمثل إحدى الأدوات المركزية في إعادة هيكلة منظومة الدعم الاجتماعي، من خلال تحسين استهداف الفئات الأكثر هشاشة، غير أن فعاليته، حسب الباحثة، تظل مرتبطة بجودة المعطيات ودقتها، وبقدرة النظام على مواكبة واقع اجتماعي يتسم بالتغير السريع وصعوبة التوثيق.

وتشير إلى أن العاملين في الاقتصاد غير المهيكل يواجهون صعوبات خاصة في إثبات وضعياتهم الاجتماعية الحقيقية، بسبب غياب الوثائق الرسمية أو الطابع غير المستقر للدخل، وهو ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى إقصاء غير مباشر من الاستفادة من برامج الدعم والحماية الاجتماعية.

عوائق الإدماج بين البنية الاقتصادية والعوامل الاجتماعية

توضح الدراسة أن عوائق إدماج العاملين في الاقتصاد غير المهيكل لا تقتصر على الجانب الإداري أو القانوني، بل تمتد إلى عوامل بنيوية أعمق مرتبطة بطبيعة سوق الشغل وسلوك الفاعلين الاقتصاديين، فجزء من هذه الفئة يفضل الاستمرار خارج الأطر المنظمة بسبب المرونة التي يوفرها هذا النمط من العمل، وتجنب الالتزامات الجبائية والاجتماعية.

كما تشير إلى أن ضعف الثقة في المؤسسات، وتعقد المساطر الإدارية، وغياب ثقافة الانخراط في أنظمة الحماية الاجتماعية لدى بعض الفئات، كلها عوامل تساهم في إبطاء مسار الإدماج، وتؤكد أن هذا المسار يظل تدريجيا ومعقدا ويتطلب أدوات تحفيزية موازية.

وتخلص الدراسة إلى أن تجاوز هذه الإكراهات يستلزم الانتقال من مقاربة تركز على التغطية الكمية إلى مقاربة إدماجية شاملة، تربط بين الحماية الاجتماعية وإعادة هيكلة الاقتصاد، بما يسمح بدمج فعلي ومستدام للعاملين في الاقتصاد غير المهيكل داخل منظومة أكثر عدالة وفعالية واستدامة.