خليل الحية.. مهندس مفاوضات غزة الذي خلف السنوار في قيادة حماس
بعد سنوات قضاها في قيادة مفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، انتقل خليل الحية إلى قمة الهرم السياسي لحركة المقاومة الإسلامية -حماس، عقب انتخابه يوم الإثنين 20 يوليوز 2026, رئيساً للمكتب السياسي خلفاً ليحيى السنوار. ويأتي صعوده إلى قيادة الحركة في مرحلة توصف بأنها الأكثر تعقيداً منذ تأسيسها، في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وتزايد الضغوط على الحركة.
لم يكن اختيار الحية مفاجئاً بالنسبة لمتابعي شؤون الحركة، إذ برز خلال السنوات الأخيرة باعتباره أبرز الوجوه السياسية لـ”حماس”، وقاد وفودها في جولات التفاوض غير المباشر مع الاحتلال الإسرائيلي حول وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى. كما تولى قيادة الحركة في قطاع غزة عقب استشهاد يحيى السنوار في أكتوبر 2024، ليصبح أحد أبرز صناع القرار داخلها، قبل أن يتوج هذا المسار بانتخابه رئيساً للمكتب السياسي.
من الشجاعية إلى قيادة الحركة
ولد خليل الحية، المعروف بكنيته “أبو أسامة”، في حي الشجاعية شرق مدينة غزة سنة 1960، ونشأ في أسرة محافظة. تلقى تعليمه الجامعي في الجامعة الإسلامية بغزة، قبل أن يواصل دراسته العليا في الأردن، ويحصل لاحقاً على درجة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية وعلوم الحديث من جامعة القرآن الكريم في السودان عام 1997.
انضم الحية إلى جماعة الإخوان المسلمين مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ثم شارك في تأسيس حركة المقاومة الإسلامية. حماس عام 1987، قبل أن يصبح واحداً من أبرز قياداتها السياسية.
وخلال مسيرته داخل الحركة، تولى مسؤوليات متعددة، من بينها عضوية المجلس التشريعي الفلسطيني بعد فوز حماس في انتخابات 2006، ورئاسة كتلتها البرلمانية، كما شغل منصب نائب رئيس الحركة في قطاع غزة، قبل أن يصبح مسؤولاً عن العلاقات العربية والإسلامية في انتخابات الحركة الداخلية سنة 2021، ورئيساً للحركة في غزة سنة 2024.
رجل المفاوضات
ارتبط اسم خليل الحية، خلال العقد الأخير، بملف المفاوضات أكثر من أي ملف آخر. فمنذ عام 2014، ترأس وفود حماس في جولات التفاوض غير المباشر مع إسرائيل، التي جرت بوساطة مصر وقطر، ولاحقاً بمشاركة الولايات المتحدة وجهات أخرى.
وخلال الحرب على غزة، أصبح الحية الوجه السياسي الأبرز للحركة في المفاوضات، حيث قاد جولات متتالية ركزت على التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وإبرام صفقات لتبادل الأسرى، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية، وبدء إعادة إعمار القطاع.
كما أعلن، باسم الحركة، استعداد حماس لتسليم إدارة قطاع غزة إلى لجنة فلسطينية من الكفاءات، وقبول وجود قوة دولية لمراقبة تنفيذ أي اتفاق لوقف إطلاق النار، مع تأكيده أن مستقبل سلاح حماس يبقى مرتبطاً بانتهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
من قيادة غزة إلى رئاسة المكتب السياسي
بعد استشهاد يحيى السنوار في أكتوبر 2024، تولى الحية قيادة الحركة في قطاع غزة، إلى جانب عضويته في المجلس القيادي الذي أشرف على إدارة شؤون حركة حماس خلال المرحلة اللاحقة.
ومع انتخابه رئيساً للمكتب السياسي، ينتقل الحية إلى أعلى موقع سياسي داخل الحركة، ليقودها في مرحلة تتسم بتحديات غير مسبوقة، سواء على مستوى الحرب، أو إعادة ترتيب هياكلها الداخلية، أو إدارة علاقاتها الإقليمية.
محاولات اغتيال
تعرض الحية على مدى سنوات لمحاولات اغتيال إسرائيلية عدة، كان أبرزها قصف منزل عائلته سنة 2007 ما أسفر عن استشهاد 8 من أقاربه، بينهم عدد من أشقائه وأبنائهم، ثم استهدافه خلال عدوان 2014، وقبل ذلكً استشهد نجله حمزة، وهو قائد ميداني في كتائب الشهيد عز الدين القسام -الجناح العسكري لحركة حماس- خلال مواجهات مع جيش الاحتلال الإسرائيلي عام 2008.
كما فقد عدداً من أفراد أسرته خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، بينهم نجله الأكبر، إلى جانب أقارب آخرين قتلوا في غارات إسرائيلية.
وفي شتنبر 2025، نجا من محاولة اغتيال استهدفت وفد حركة حماس المفاوض في العاصمة القطرية الدوحة، وأسفرت عن استشهاد نجله همام، ومدير مكتبه، وعدد من مرافقيه، في عدوان إسرائيلي على دولة قطر أثار استياء عربياً ودولياً واسعاً.
وسطي وحازم
يوصف الحية داخل الحركة بأنه من شخصية “تتمتع ك بذكاء وحكمة وهو قائد وسطي، هادئ جداً وحازم في قراراته لا ينفعل بسرعة ويحظى باحترام جميع أعضاء المكتب السياسي والقادة العسكريين”.
وتربطه علاقات قوية مع مختلف الفصائل الفلسطينية وحركات المقاومة، وخاصة حركة الجهاد الإسلامي وحزب الله اللبناني، ومع عدد من الدول التي تجمعها علاقات بالحركة، وفي مقدمتها قطر وتركيا ومصر وإيران.
ويعتبره متابعون أحد أبرز مهندسي المسار التفاوضي للحركة، في مقابل حضوره المحدود في الخطاب الإعلامي مقارنة بقيادات أخرى.
يدافع الحية عن معركة “طوفان الأقصى” التي نفذتها كتائب القسام في 7 أكتوبر 2023، ويعتبر أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي.
وفي هذا الصدد، قال خليل الحية في نونبر 2025 إن المعركة الأخيرة أحدثت “تحولاً تاريخياً في الوعي العالمي، وأسهمت في توسيع التضامن الدولي مع فلسطين”، مؤكداً رفض الحركة الاعتراف بإسرائيل.
كما دعا إلى محاكمة قادة الاحتلال الاسرائيلي دولياً، وإقامة دولة فلسطينية وعودة اللاجئين، بالتوازي مع تمسكه بمواصلة المسار التفاوضي لتثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب على قطاع غزة.
ورداً على الحصار الإسرائيلي على غزة ومخططات تصفية القضية الفلسطينية وفرض السيادة على المسجد الأقصى، شنت حركة حماس وفصائل فلسطينية عملية “طوفان الأقصى”، وهاجمت خلالها 11 قاعدة عسكرية و22 مستوطنة قرب حدود القطاع.
وفي 8 أكتوبر 2023، شن الاحتلال الاسرائيلي حرب إبادة جماعية على غزة بدعم أمريكي، أسفرت عن ارتقاء أكثر من 73 ألف شهيد و173 ألف جريح، ودمار طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية. وبعد عامين، دخل اتفاق لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، إلا أن الاحتلال الاسرائيلي يواصل خرقه يومياً، ما أسفر عن مقتل وإصابة آلاف الفلسطينيين.