story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

حين تختلف الحكومة مع نفسها.. في مقارنة بين خطاب رئيس الحكومة ووزيره في الأوقاف والشؤون الإسلامية

ص ص

يوم الأربعاء 15 أبريل، تابعت، كباحث ومهتم، كلمة السيد رئيس الحكومة أمام البرلمان في إطار تفعيل صلاحياته الدستورية المرتبطة بتقديم الحصيلة. وبعد يومين، وفي سياق مختلف تماما، وجدت نفسي، كباقي المغاربة، أستمع إلى خطبة الجمعة المخصصة لموضوع “إنشاء السوق”، وهي الخطبة التي أصبحت تكتسي اليوم طابعا خاصا بحكم مركزيتها وصدورها عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تتلى عبر مختلف المنابر بكل مساجد المملكة.

غير أن ما شد الانتباه ليس فقط موضوع الخطبة، بل حمولتها الفكرية؛ إذ لم تكتف بتأطير أخلاقي عام، بل ذهبت، بشكل صريح، إلى مساءلة الأسس الليبرالية للسوق، بل وإلى نقد صريح لمبدأ الليبرالية الخالد “دعه يمر، دعه يسير”. وهو ما دفعني من باب الفضول العلمي، وبعد الحصول على كلمة رئيس الحكومة وخطبة يوم الجمعة، إلى الانخراط في تمرين مقارن بين خطابين “رسميين” يصدران عن مؤسستين عموميتين، لكن ينتميان الى نفس الحكومة، لكنهما يعكسان تصورين مختلفين لتدبير الشأن الاقتصادي.

في هذا المستوى، يمكن رصد مفارقات دالة، تبدأ من تعريف السوق نفسه. فخطاب رئيس الحكومة يؤطر الحصيلة بمنطق النجاعة الاقتصادية الكلية، من خلال مؤشرات النمو، وتراجع التضخم، وتحسن جاذبية الاستثمار، وتوسيع الحماية الاجتماعية، مع أرقام دقيقة تعكس هذا التوجه. ضمن هذا المنظور، يظهر السوق كآلية لإنتاج الثروة واستقطاب الرساميل وتعزيز الثقة.

في المقابل، تقدم خطبة الجمعة تصورا مختلفا؛ إذ لا تنظر إلى السوق باعتباره مجرد فضاء اقتصادي تحكمه المؤشرات، بل كمؤسسة أخلاقية من صميم الشأن العام، تقوم على الصدق والشفافية والسماحة، وتستدعي حضور الدولة لضمان نزاهة المعاملات، ومراقبة الأسعار، ومحاربة الغش والانحرافات، باعتبار ذلك جزءا من وظائفها الأصيلة.

أولى المفارقات، إذن، تكمن في زاوية النظر: الحكومة تقيس السوق بقدرته على إنتاج النمو، بينما وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تقيسه بقدرته على تحقيق العدالة في التبادل اليومي.

المفارقة الثانية تتعلق بوظيفة الدولة. ففي الخطاب الحكومي، تتجلى الدولة أساسا كفاعل تعويضي، يتدخل عبر الدعم وتوسيع البرامج الاجتماعية للتخفيف من آثار السوق. أما في الخطبة، فالدولة تقدم كفاعل منظم للسوق من داخله، يتولى ضبط شروطه، وحماية توازنه، ومنع انزلاقه نحو أشكال من الاحتكار أو الاستغلال. بعبارة أدق: هناك فرق بين دولة تلطف آثار السوق، ودولة تهذب منطق السوق نفسه.

المفارقة الثالثة ترتبط بمعيار التقييم. فبينما تراهن الحكومة على تراجع التضخم وتحسن القدرة الشرائية كمؤشرات على النجاح، تطرح الخطبة معيارا مختلفا؛ فالسؤال ليس فقط هل انخفضت الأسعار، بل هل السوق منصف؟ هل المراقبة فعالة؟ هل تم الحد من الغش والاختلالات البنيوية؟ وهنا ننتقل من منطق المؤشر الكمي إلى منطق المعيار القيمي والمؤسساتي.

أما المفارقة الرابعة، فتتعلق بأساس الشرعية. فالحكومة تربط شرعية حصيلتها بقدرتها على الحفاظ على التوازنات وإطلاق الأوراش الاجتماعية الكبرى. في حين توحي الخطبة بأن شرعية السلطة لا تكتمل إلا بقدرتها على ضبط المجال الاقتصادي اليومي الذي يلامس حياة المواطنين مباشرة والمرتبط بالأسعار، بشروط التبادل، الشفافية، وبالثقة.

من هنا، يمكن استنتاج بين لاختلاف أعمق بين الخطابين

  • خطاب الحصيلة يفترض سوقا يشتغل بحرية نسبية، ثم تتدخل الدولة لتصحيح آثاره؛
  • بينما الخطبة تفترض مسؤولية الدولة القبلية في تقويم السوق ذاته، حتى لا ينتج تلك الاختلالات أصلا.

دستوريا وسياسيا، نحن أمام مفارقة ذات دلالة قوية. فمنطق الحصيلة الحكومية يقترب من نموذج الدولة الاجتماعية التعويضية، التي تتدخل كلما ارتفعت كلفة العيش لتخفيف آثارها. في حين يقترب منطق الخطبة من نموذج الدولة الحامية والمنظمة، التي تضبط شروط السوق سلفا لضمان عدالته.

وهنا يطرح السؤال الجوهري، ونحن بصدد تقييم الحصيلة الحكومية:
هل اكتفت الدولة بتدبير نتائج السوق، أم مارست فعليا سلطة عمومية حازمة على بنيته، خاصة فيما يتعلق بالأسعار، والوساطة، وهوامش الربح، والاختلالات التنافسية؟

لذلك، فالأمر لا يتعلق بتناقض مباشر بين خطابين، بقدر ما يعكس وجود توتر بين فلسفتين لتدبير الشأن العام الاقتصادي: فلسفة حكومية ترى في السوق محركا للنمو، وتتعامل مع العدالة من خلال التصحيح اللاحق؛ وفلسفة معيارية ترى السوق جزءا من الشأن العام، وتربط مشروعيته بالضبط الأخلاقي والرقابي من الأصل.

وهذا التوتر، في العمق، ليس لغويا ولا ظرفيا، بل هو سؤال دستوري مفتوح حول طبيعة الدولة ووظيفتها في الاقتصاد.

والله أعلم.