حرب كوبوي ضد هيدرا
اعترفت إيران أخيرًا وبعد ترقّب طويل بمقتل علي لاريجاني الذي لم يكن مجرد اسم ثقيل في سجل الجمهورية الإسلامية، بل كان واحدًا من أكثر رجالها نفوذا وسلطة. فهو عضو قديم في الحلقة الصلبة للنظام، ومفاوض نووي سابق، ورئيس للبرلمان لسنوات، ثم رجل أمن قومي، وصلة وصل بين المؤسسة الدينية والعسكرية والدبلوماسية.
قبل لاريجاني سقط خامنئي، وسقط معه عدد من أركان الحلقة العليا، ثم توالت الضربات على وجوه أخرى في القيادة الإيرانية، من بينها غلام رضا سليماني قائد ال”باسيج”، وقبل ذلك بمدة طالت ضربات إسرائيلية قيادات بارزة في الحرس الثوري والبرنامج الصاروخي والنووي، مثل حسين سلامي وأمير علي حاجي زاده وغيرهما من كبار القادة والعلماء.
وإذا مددنا النظر إلى ما قبل هذه الحرب، وجدنا أن هذا المسار لم يبدأ اليوم، بل مرّ من محطة قاسم سليماني التي دشنت، منذ سنوات، نهج قتل القيادات بوصفه أداة مركزية في إدارة الصراع.
هذا النهج الذي تحوّل من استثناء إلى مشهد متكرر، له اسم معروف في الأدبيات العسكرية الحديثة (leadership decapitation)، أي “قطع رأس الخصم” عبر استهداف القادة. والفكرة في أصلها بسيطة بقدر ما هي قديمة: إذا تعذر إسقاط الجسم كله دفعة واحدة، فاضرب الرأس الذي ينسق، ويقرر، ويوجه، ويضبط الإيقاع.
منطق استهداف الرؤوس هذا حاضر في التاريخ البشري منذ زمن بعيد. لكن الدراسات الحديثة تذكرنا بأن ما تغير ليس الفكرة وحدها، بل مكانتها داخل النظام الدولي، وأدواتها، وجرعة الشرعية التي تُمنح لها، والقدرة التقنية على تنفيذها بدقة وبكلفة أقل من السابق.
الأدبيات العسكرية التي درست “قطع رأس الخصم” تؤكد أنه استخدم أساسا ضد التمردات والتنظيمات المسلحة، الإجرامية والإرهابية. وتكاد هذه الأدبيات تجمع على أن الحرب على الإرهاب التي انطلقت بعد أحداث 11 شتنبر 2022، لم تخترع القتل الموجّه، لكنها أعادت تأهيله، ووسعت قبوله، وخففت الوصمة التي كانت تحيط به.
هذا الأسلوب بدأ يُنقل اليوم، بجرأة متزايدة، إلى الحروب بين الدول، وهنا تكمن الطفرة الحقيقية.
فالنظام الدولي الذي تشكل بعد الحربين العالميتين لم يكن يرى في استهداف القادة السياسيين ممارسة عادية بين الدول، حتى في زمن الحرب. بالعكس، تشكلت تدريجيًا وصمة قوية ضد الاغتيال الدولي، ليس لأن النصوص القانونية منعت جميع صوره على نحو مطلق، بل لأن رؤساء الدول وكبار القادة السياسيين كانوا يُنظر إليهم، عرفيًا وسياسيًا، بوصفهم امتدادًا لبنية النظام الدولي نفسه.
بهذا المعنى، لا تمثل الحرب الحالية على إيران مجرد عدوان عسكري مفتقد لأي سند من الشرعية الدولية، بل باتت انزياحًا في “قواعد الاشتباك” الدولي، فلم يعد المطلوب فقط تعطيل مدرج أو رادار أو منصة صاروخية، بل صار المطلوب تصوير الحرب نفسها بوصفها عملية نزع للرأس، وبث ذلك على الهواء مباشرة، وتقديمه كبرهان على التفوق والقدرة والاختراق.
يوصلنا ذلك إلى ظاهرة أخرى يسميه بعض الباحثين “فردنة العدو”. ففي الحروب التقليدية القديمة، كان الجمهور يتلقى أخبار الموت في الحروب على هيئة أرقام، مئة قتيل هنا، وألف هناك، ووحدات مدمرة، وتحصينات مقصوفة… أما اليوم، فقد صار “الجمهور” مدعوا إلى مشاهدة قتل فلان بعينه، وتتبع رحلة استهدافه، وانتظار صورته الأخيرة، ثم تحويل موته إلى مادة فرجوية.
لكن، هل ينجح هذا الأسلوب في حسم الحروب؟ صحيح أن قتل القادة يربك ويعطل ويؤلم الخصم، وقد يثبت قدرة استخبارية ونارية خارقة، لكنه لا يكفي وحده لصناعة النتيجة السياسية المرادة.
بعض الدراسات المنشورة حول أسلوب “قطع رأس الخصم” تقول هذا بوضوح. فبعض الخصوم ينهارون فعلًا، لكن بعضهم يتصلب، ومنهم من يعوّض الخسارة سريعًا ويخرج من كل رأس مقطوع برأس آخر، ربما أقل خبرة، لكنه أكثر شراسة وأقل قابلية للتسوية.
هذا، على ما يبدو، هو الدرس الذي لم يكتمل اقتناع خصوم إيران به حتى الآن. فكلما قُطع رأس من رؤوسها العليا، ظهر أن النظام، رغم الرزء، ما زال قادرًا على إنتاج رأس آخر، أو توزيع وظائف الرأس على أكثر من جسد، أو تحويل الضربة إلى مادة تعبئة إضافية.
يبدو النظام الإيراني، حتى الآن، أقرب إلى كائن “الهيدرا” الذي تحدّثت عنه الأساطير اليونانية، منطلقة من كائن صغير الحجم (دودة) يعيش في المياه العذبة، ويعرفها العلماء بقدرتها الفائقة على تجديد أعضائها، بوصفها نموذجًا استثنائيًا في التجدد الحيوي.
الحالة الإيرانية، وعكس الحالة الفنزويلية، تفيد أن هناك أنظمة لا يموت فيها الرأس بالطريقة التي يتخيلها مهاجموها، لأن بنيتها صُممت أصلًا على أساس امتصاص الضربات، وتوزيع الأدوار، وتحويل البقاء نفسه إلى عقيدة.
ومن ثم، قد تكون فرجة قتل القادة، مهما بلغت قوتها الرمزية، أقل أثرًا مما يظن صانعها، إذا كانت تقابل خصمًا تعلّم منذ زمن طويل كيف يعيش برؤوس قابلة للاستبدال.
وليس تفصيلًا عابرًا، في هذا السياق، أن يظهر دونالد ترامب قبل يومين في البيت الأبيض مرتديًا قبعة ال”كوبوي”، لأن الصورة، هنا، بدت كأنها تحيي الخيال الأميركي القديم الذي يرى الصراع مطاردةً لرجل بعينه، ويفهم النصر بوصفه إصابةً مباشرة للرأس لا تفكيكًا معقدًا للبنية.
فحروب رعاة البقر لم تكن في أصلها معارك جيوش متكافئة بقدر ما كانت سرديات مطاردة، يُختزل فيها الشر في شخص، ويُقدَّم الخلاص في إسقاطه أمام أعين الجمهور.
من هذا الخيال نفسه خرجت، في نسختها التكنولوجية الحديثة، مطاردة بن لادن ثم الظواهري فالبغدادي، قبل أن تتوسع إلى أشكال أشد سفورا من “فردنة” العدو، من استهداف الرؤوس عالية القيمة في التنظيمات غير الدولتية إلى تجريب المنطق نفسه، بدرجات أعلى من الجرأة، ضد رؤوس الدول نفسها، كما جرى في فنزويلا ثم في إيران اليوم.
وحين يصبح قتل القادة في قمة هرم الدولة عرضًا فرجويا مألوفا، فإننا لا نكون فقط أمام تطور في التكتيكات والتكنولوجيا الحربية، بل أمام سقوط جديد لعتبة من عتبات كبح النزعات الدموية، التي عاش عليها النظام الدولي الحديث.
العالم لا ينزلق فقط إلى مزيد من العنف، بل إلى ذلك النوع من العنف الذي يفقد “حياءه”، ليتحوّل إلى عرض مفتوح، وفرجة دموية كاملة. لكنّ المشكلة، كما تكشفها الحالة الإيرانية حتى الآن، أن قتل الرؤوس قد يشبع غرور القاتل أكثر مما يحقق له النصر.