story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

حرب الدخان بدون نار!

ص ص

لم تعد الحرب، كما عرفناها دائما، تبدأ حين تسقط القذيفة الأولى وتنتهي حين يصمت المدفع الأخير. في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بدا أن العالم دخل منطقة أخرى من الصراع، أقل وضوحا من الحرب، وأشد خطرا من السلم.
يخبرنا ما يجري حاليا أن الطائرات قد تتوقف، والصواريخ قد تهدأ، لكن الحرب تواصل سيرها في المضايق، وعلى شاشات الملاحة، وفي أسعار النفط، وفي سجلات التأمين البحري، وفي لوائح العقوبات، وفي انتظار توقيع أو موافقة أو كلمة من رجل يجلس بعيدا عن الأضواء (المرشد الإيراني مثلا).
حين تحدث دونالد ترامب مساء أمس عن انتظار موافقة إيران على مشروع اتفاق، كان المشهد، في ظاهره، مألوفا، لرئيس أمريكي يعلن أن خصمه صار قريبا من القبول بفكرة الاستسلام. لكن ما تغير هذه المرة هو موقع الانتظار نفسه. فقد كانت الأنظار تتجه عادة إلى واشنطن، أما الآن، فقد صار السؤال معلقا فوق طهران: هل تقبل بالاتفاق بوصفه استراحة ضرورية أم تعده تنازلا مؤلما لكنه ضروري؟
يكشف هذا التحول أن الحرب التي بدأت عسكرية صارت تفاوضية. ولم تعد المعركة حول من ضرب أكثر، أو من خسر أقل، بل حول من يستطيع أن يجعل الآخر يعيش تحت ضغط مستمر دون أن يطلق الرصاصة التالية. هكذا أنتجت لنا هذه المواجهة شكلا جديدا من الردع، لا يقوم على القوة العسكرية فقط، بل على القدرة على خنق الحركة، ورفع الكلفة، وتعليق الاقتصاد، وتحويل الممرات البحرية إلى أوراق تفاوض.
بعد توقف الجزء العسكري المباشر من المواجهة، لم تعد إيران إلى موقع الدولة التي تنتظر الضربة التالية، بل سعت إلى ممارسة ردع مختلف، قائم على جعل المنطقة كلها قابلة للاشتعال. عمدت طهران إلى التلويح بضرب أهداف إسرائيلية، أو أهداف تعتبر قريبة من الولايات المتحدة في الخليج، وهو ما وجّه رسالة إلى الأسواق، وشركات التأمين، والموانئ، والدول الخليجية، وشركات الطاقة، وكل من يظن أن الحرب يمكن أن تبقى محصورة داخل الخريطة الإيرانية. وأرادت طهران، من خلال هذا السلوك، أن تقول إن كل محاولة لخنقها لن تكون بلا كلفة إقليمية ودولية.
لكن ترامب، في المقابل، لم يكتف بالضرب العسكري، ولا بالتهديد باستئنافه، بل أضاف طبقة حصار فوق حصار. فإذا كانت إيران قد استعملت هرمز لتقول للعالم إن خنقها سيخنق غيرها، فإن واشنطن ردّت بتضييق انتقائي على السفن والتجارة الإيرانية، وخنق اقتصادي يتحرك فوق الماء كما تتحرك العقوبات فوق الورق.
ما تأكد حتى الآن هو أن الطرفين معا لا يستطيعان الذهاب إلى حرب شاملة مفتوحة، لكنهما لا يريدان أيضا العودة إلى السلم. لذلك يتحول الاقتصاد إلى ميدان تعويض نفسي وسياسي. كل طرف يبحث عن طريقة يقول بها لجمهوره وحلفائه وخصومه: لم أتراجع، بل غيرت شكل المعركة فقط.
قديما، كان الحصار مقدمة للحرب أو نتيجة لها. أما اليوم، فقد صار الحصار هو الحرب نفسها. ولم يعد الهدف فقط تدمير منشأة أو إسقاط طائرة أو ضرب قاعدة، بل خلق بيئة تجعل الخصم يتنفس بصعوبة. وهذا النوع من الحرب لا يحتاج دائما إلى إعلان مسبق. بل نقف عليه حين يتم اعتراض سفينة أو ضرب ناقلة أو زرع ألغام بحرية…
يعني ذلك أن القوة لم تعد تعني بالضرورة امتلاك جيش قادر على الضرب، بل امتلاك قدرة على الإمساك بخناق الآخرين، عبر المضايق، والكابلات البحرية، والشبكات الرقمية، وأنظمة الدفع المالي، وشبكات التأمين، والمنصات الرقمية، والموانئ، وشركات الشحن… وتحويل كل ذلك إلى امتدادات للسيادة.
ما يجري اليوم بين واشنطن وطهران لن يبقى محصورا في معركتهما الحالية. كل دولة تراقب الآن وتتعلم. الصين تنظر إلى تايوان وبحر الصين الجنوبي. وروسيا تنظر إلى البحر الأسود والقطب الشمالي. وتركيا تنظر إلى المضايق المحيطة بها. ودول الخليج تنظر إلى هشاشة الثراء حين يمر عبر ممر هرمز الضيق. وأوروبا تنظر إلى أمن الطاقة وقد صار رهينة قرارات لا تصنع في عواصمها.
حتى الدول المتوسطة، مثل المغرب، ستفهم أن زمن الحياد السهل انتهى، لأن أي أزمة كبرى يمكن أن تصلها عبر سعر النفط، أو توقف الشحن، أو اضطراب الغذاء، أو ارتفاع كلفة التأمين.
المعنى المباشر لما يجري يفيد أن الحرب لن تبقى ذلك الضرر الذي يصيب منطقة جغرافية معينة، بل صارت مصيبة تمتد إلى كل مكان. قد لا تسقط قذيفة في بلد معيّن، لكن ميزانيته تتأثر. وقد لا يسمع مواطن في إفريقيا أو أوروبا أو آسيا صوت الصواريخ، لكنه سيدفع ثمنها في الوقود، والنقل، والغذاء، ومعدل الفائدة، والتضخم.
المفاوضات نفسها لم تعد تقع بعد انتهاء القتال، بل باتت هي القتال نفسه. كل تصريح تفاوضي يرفع أو يخفض الأسعار. وكل تسريب عن مشروع اتفاق يربك حسابات الحلفاء والخصوم. وكل حديث عن موافقة قريبة أو رفض محتمل يصبح طلقة سياسية في سوق عالمي لا ينام.
لهذا يبدو انتظار موافقة إيران اليوم أكثر من مجرّد لحظة تقنية في مسار اتفاق. بل هو اختبار لشكل جديد من إدارة الأزمات، قد يُنتج اتفاقا مؤقتا، وقد تفتح إيران هرمز تدريجيا، وقد تفرج واشنطن عن بعض الأموال… لكن ما سيبقى بعد ذلك هو القاعدة الجديدة التي كشفتها هذه المواجهة: المستقبل لن يعرف فقط حروبا بين جيوش، بل حروبا بين ممرات وسفن وعقوبات وبنوك وتأمينات وأسواق.
العالم لا يقترب بالضرورة من حالة سلام جديد، بل من شكل أكثر تعقيدا للحرب، لا تحتاج دائما إلى دخان كي تكون حقيقية، ولا إلى جثث كثيرة كي تكون مكلفة، ولا إلى إعلان رسمي كي تربك حياة الملايين.
وما دام كل طرف يعتقد أنه يستطيع أن يؤلم خصمه دون أن يوقظ الوحش الكامن فيه، فسنظل نعيش في هذه المنطقة الغامضة، بلا حرب كاملة، ولا سلم كامل، بل خنق متبادل بأدوات نظيفة من الخارج، ملوثة جدا من الداخل… يرتاح إليها الطرفان، وندفع نحن كلفتها.