story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

حرب الانتحاريين

ص ص

حربٌ ورطة. لا يقبل أي طرف، إلى الآن، إنزال يده أولاً، والبحث عن مسار تسوية. دخلت المواجهة معادلةً صفريةً وركوداً، إلا إن قرّرت واشنطن التصعيد إلى حرب مدمّرة تملك مقدّراتها. بعد أسبوعين من المواجهة، يبدو أن استراتيجية طهران، القائمة على توسيع نطاق الحرب إلى ما وراء الجغرافية الإيرانية، وخنق مضيق هرمز، تُحرج واشنطن، وتؤذي دول الجوار الحليفة لأمريكا، وتضرّ بالاقتصاد العالمي جراء التعطيل العملي لمضيق هرمز.

حرب انشطارية. بدل أن تكون محدودةَ النطاق ومُتحكّما فيها مثلما تصوّرت أمريكا وإسرائيل، تتشظّى لتُصيب أكثر من جغرافية، وتصل إلى حدود حلف شمال الأطلسي، تركيا. في قلب المواجهة يوجد الخليج العربي الذي يدفع ثمن حربٍ ليست حربه، أو في الحد الأدنى لم يختر زمنها، وقد لا يعترض على أهدافها.

تحاول إيران أن تُصعِّب المهمة على ترامب، لتُشعره بأنه ارتكب خطأً “لا يجب تكراره”. تدركُ أن خوض حرب منضبطة وبمسار واحد، كما حرب الـ12 يوما، يعني جعلها مستقبلا مستباحةً إسرائيلياً وأمريكيا. الهدف الإسرائيلي كان إدخال إيران في سلسلة حروب متقطّعة استنزافية، إنْ لم تؤدِ هذه المواجهة أو التي قبلها إلى إسقاط النظام.

في أقلّ من عام، تعرّضت لهجومين منسّقين، لهذا تُفكّر إيران الآن في أن تمرير هذه المواجهة “بسلامة” سيعني هجوما ثالثا في شهور، ورابعا وخامسا، إلى اللحظة التي يتفكّك فيها النظام جراء الضربات الخارجية، والضغوط الداخلية، والمشاكل الاقتصادية المتراكمة منذ عقود، وبما يفضي تالياً إلى تفكّك الدولة، ثم الكيان.

مهّدت مفاوضات مسقط وجنيف للحرب. كانت مطالب واشنطن المبالغ فيها، من وجهة نظر طهران، “رصاصة أولى” في المواجهة.

صرّح ترامب بأنه يسعى إلى إنجاز اتفاق نووي على شروطه، وإلى إنهاء البرنامج الصاروخي وفق مطلب إسرائيلي، وكان يطمح كذلك إلى تحجيم أدوار إيران في المنطقة. قرّرت طهران أنه لا مجال لتقديم تنازلات تمسّ جوهر عقيدتها الأمنية والدفاعية. رفضت الخضوع بالدبلوماسية، وتجرّب الآن الصمود في مواجهة حرب على أراضيها.

ولئن كانت الضربة الأمريكية الإسرائيلية الافتتاحية مفاجئة وجرّيئة، باستهداف المرشد الإيراني، بنوايا شلّ القرار، وإدخاله في حالة من الصدمة والفوضى، كان الردّ سريعاً، بمعالجة الآثار السياسية لاغتيال المرشد عبر تعيين إدارة مؤقتة، ثم انتخاب مرشد جديد، وأيضا من خلال إطلاق مواجهة بأبعاد إقليمية باستهداف دول الخليج، وثالثا عبر فتح مسار “تدفيع ثمن” بأبعاد دولية، عبر توظيف أدوات الطاقة والملاحة، ضمن لعبة إرباك للمشهد الإقليمي والعالمي تُقحم أطرافا دولية بشكل غير مباشر في التداعيات، بما يضع واشنطن تحت الضغط، وإيران أيضا.

تختبر إيران الآن جدوى استراتيجيات أمن قومي جُرِّبت لعقود. ما يجري حقيقة هو انتقال من حروب الوكالة إلى المواجهة المباشرة بعدما تفادت طهران باستمرار الصدام المباشر من خلال مواجهات على أراضي الآخرين، لهذا تتصرّف باندفاع للإظهار أن خوض حرب على أراضيها لا يمكن أن يمرّ دون تكاليف.

وفي غياب تغطية إعلامية كاشفة من داخل إيران، يصعب تبيُّـن حجم الأضرار المؤكّدة والمحقّقة. هذا يُسهم جزئياً في تعزيز موقف طهران.

غياب صورة دقيقة عن نتائج الضربات الأمريكية الإسرائيلية لا ينفي وقوع أضرار تسعى طهران إلى تحجيمها، استعدادا للحظة توقف محتمل للمواجهات، يفتح مسارات دبلوماسية، يُفترض أن تترتّب عناصرها على معطيات الحرب. في المقابل، يضخّم ترامب من الإنجازات، ضمن لعبة “عضّ أصابع” لا يعرف أحد متى تتوقّف، ولا كيف ستتوقف.

تظهر ملامح اتجاه استراتيجية ترامب القائمة على حرب “سريعة ونظيفة” إلى “طريق مسدود”. يشير إلى ذلك محاولة إيران تصفير إنجازات أمريكا بإدخالها في مسار تآكل، يهدف إلى عدم تمكين واشنطن، عند نهاية الحرب، من أوراق ضغط يمكن توظيفها ضمن أي مسار دبلوماسي محتمل.

تظهر مؤشرات “لعبة الحافّة” واضحة عند كل تهديد أمريكي لتجريب مستوى جديد من التصعيد: التهديد باستهداف منشآت الكهرباء في إيران يُقابل بالتهديد بضرب منشآت الكهرباء في الخليج. والتهديد بقصف بنيات البترول في إيران، يُماثله تهديد بشنّ هجمات ضد منشآت الطاقة في الخليج، والترويج لمحاولة فتح مضيق هرمز من خلال مرافقة أمريكية لناقلات النفط، يُواجَه بالتهديد بمزيد من عسكرة المضيق، عبر التلغيم أو استهداف القطع العسكرية والناقلات.

قد يجرّب ترامب مستوى جديداً من التصعيد في سبيل “الإنهاء” لكسر الوضع القائم، لكن القرار بشأن الخطوة التالية يبدو معقّداً. مضيق هرمز يؤرّق واشنطن، التي تريد سحب دول العالم للمساهمة في فتحه ضمن تحالف لا يثير الحماسة، وتُثار بشأنه الشكوك.

تتنامى أصوات من داخل الإدارة في واشنطن، ومن خارجها، ومن دول حليفة لواشنطن، تقول بضرورة اتجاه ترامب إلى إعلان “نصر سريع”، يُفضي إلى تقليص النشاط العسكري، مُتساوقاً مع الترويج لسلسلة إنجازات، بما يمهّد لفتح مسار تفاوض قد يكون مرغوبة إيرانياً.

ومع ذلك، تُصعِّب الإشارات التي تصدر عن ترامب من استقراء اتجاه واحد لهذه الحرب. فبينما يغذِّي بتصريحاته، التي تظهر “متناقضة”، مؤشرات التصعيد، عبر الحديث عن الاستمرار “حتى إكمال المهمة”، ورفض منح تاريخ لانتهاء الحرب، متزامناً مع تحشيد موارد عسكرية إضافية إلى المنطقة، يدفع، في المقابل، بزخّات من مؤشرات انحسار الحرب، بالحديث عن تحقيق “نتائج أكثر من المتوقّع”، وأن الإنجاز يتجاوز السقف الزمني المخطّط، بالتزامن مع تجاوز مطلب إسقاط النظام والتسليم بأنه لن يسقط “فوراً”.

ولئن كانت هذه “التناقضات” الظاهرة تُربك القراءة، فإنها تدلّ، أيضا، على مأزق لجهة البحث عن “مسار خروج” إنْ كانت واشنطن تفكّر أن هذه المواجهة جولة ضمن حرب استنزاف ستتواصل. تستثمر إيران بدورها، على الصعيد الخطابي، في هذه الوضعية، حيث شدد المسؤول البارز في النظام علي لاريجاني على أن “العدو كان يتصور، خطأً، أنه يمكنه بدء الحرب وقتما شاء، وإنهاءها حيثما أراد”.

قصارى القول

رغم كل الأضرار في دول الخليج، قد تتعاظم مصلحةٌ، عطفاً على حالة الغضب من الاعتداءات الإيرانية، في دفع واشنطن لـ”إنهاء المهمة”، بما يؤدي إلى إشغال طهران بنفسها لسنوات يكون من نتائجها انحسار تدخلاتها في الإقليم. قد يُدفع ترامب إلى “التصعيد للإنهاء”، من داخل إدارته، ومناصريه، وحتى من حلفائه في المنطقة والعالم، مادام “كتاب الحرب” قد فُتح.

تصعيد الحرب، وهذا ما لا يتمناه محبٌّ للسلام، سيعني دفعاً بثقل عسكري أمريكي زائد، إذ تحتفظ واشنطن بموارد تُعتبر أصول القيادة المركزية الوسطى جزءاً منها. سيعني تصعيد الحرب نقلها إلى مستويات جديدة مؤذية لإيران، وخسائر بلا حصر، تُنتِج دورة عنف وتفكّك تثقل كاهل الإقليم والعالم. وقد يكون من نتائج هذه الوضعية تحوُّل إيران، مع تعاظم الضغوط العسكرية عليها، من وضعية تُلزمها بسلوك الدولة، إلى حالة انفلات لا تُعلم حدودها ولا آثارها.

يتمنى أي محبّ للسلام وقف الحرب الآن، حتى لا تصير مجزرة مدرسة البنات في ميناب، ومقتل 170 فتاة، خبراً عاجلا روتينياً أسفل الشاشة. العالم الذي سكت على إبادة غزّة، يمكن عن يسكت عن جرائم حرب أخرى، تكون أقصى عقوبة تترتّب عليها ألا يُمنح ترامب جائزة نوبل للسلام. دمّروا العراق وغيره سابقا، وقد يكرّرون الفِعلة، هذه المرة كما مرّات سابقة، لأجل إسرائيل.