story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
دولي |

جولة إسلام آباد بين واشنطن وطهران.. كيف يوظف الطرفان المفاوضات كأداة ضغط؟

ص ص

دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، منعطفاً جديداً مع انقضاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبدء تنفيذ الحصار البحري الشامل للموانئ الإيرانية يوم الإثنين 13 أبريل 2026.

وبينما ترسم القوة العسكرية الأمريكية ملامح انتصار عسكري عبر تدمير البنية التحتية، لم تستطع واشنطن، بحسب المحلل السياسي إسماعيل حمودي، تحويل حطام الرادارات إلى مكاسب سياسية.

اختبار لا فشل

يرى إسماعيل حمودي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن الجولة الأولى من المفاوضات التي احتضنتها إسلام آباد مؤخراً لم تكن فشلاً، بل “جلسة استكشافية” لاختبار موازين القوى. ويضيف أن ما حدث كان متوقعاً، “إذ لم يكن من المنتظر أن تحقق هذه الجولة جميع الأهداف، لأن كل طرف يدخل وهو يعتقد أنه منتصر”.

ويشرح المتحدث أن الإدارة الأمريكية ترى أنها حققت انتصاراً، سواء على المستوى العسكري أو في ما يتعلق بأهداف أوسع، مستحضراً تصريح ترامب: “نحن انتصرنا في هذه الحرب”. في المقابل، يعتبر الإيرانيون أنفسهم أيضاً في موقع المنتصر، رغم اعترافهم بوقوع خسائر وتحقيق بعض الأهداف العسكرية الأمريكية، إلا أنهم يؤكدون أن واشنطن لم تنجح في بلوغ أهدافها السياسية.

وهنا، بحسب حمودي، تكمن الإشكالية الأساسية، إذ إن “الولايات المتحدة قادرة على تحقيق انتصارات عسكرية، لكنها غالباً ما تعجز عن تحويلها إلى مكاسب سياسية، أو فرض نتائج الحرب عسكرياً على المستوى السياسي”.

ويتابع أن إيران تراهن على هذه “المعضلة الأمريكية”، وتسعى إلى منع واشنطن من ترجمة نتائجها العسكرية إلى مكاسب سياسية، موضحاً أن “تدمير منشآت أو تحقيق أهداف مادية لا يعني بالضرورة تحقيق نتائج سياسية، وهو التحدي الحقيقي الذي فشلت فيه أمريكا سابقاً في أفغانستان والعراق وفيتنام”.

وفي ما يتعلق بجولة إسلام آباد، يوضح حمودي أن الطرفين دخلا المفاوضات بتصورات مختلفة، حيث قدم الإيرانيون نحو عشرة مطالب، مقابل حوالي خمسة عشر مطلباً من الجانب الأمريكي، ما يؤكد أن اللقاء كان “جلسة استكشافية” بامتياز، خُصصت أساساً لعرض المطالب واختبار موازين القوى.

ويشير إلى أن الملفات المطروحة شملت قضايا حساسة، من بينها الإفراج عن الأموال، وورقة مضيق هرمز والسيطرة عليه، إلى جانب مطالب إيرانية جديدة تأثرت بسياق ما بعد الحرب.

قوة عسكرية بلا مكاسب سياسية

ويبرز حمودي أن “إيران تمثل الطرف الأكثر تشدداً في هذه المرحلة، إذ تتصرف على أساس أنها منتصرة، وتسعى إلى منع الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها، خاصة السياسية منها، مثل ما يتعلق بالبرنامج الصاروخي وغيره”.

ويضيف حمودي أن سقف التوقعات المرتفع في الجولة الأولى من المفاوضات من الطبيعي أن ينخفض في الجولات اللاحقة، بما يسمح لكل طرف بإدراك حجمه الحقيقي وموقعه التفاوضي.

وفي هذا السياق، يرى أن الولايات المتحدة “تسعى إلى تكثيف الضغط على إيران، وهو ما يفسر إعلانها فرض حصار بحري على موانئها”. غير أن هذه الخطوة، بحسبه، قد تكون محدودة الأثر، “بل وقد تنعكس سلباً على أطراف أخرى، خاصة دول الخليج”.

ويُرجع ذلك إلى طبيعة إيران الجغرافية، باعتبارها دولة واسعة ذات امتدادات حدودية متعددة، إذ ترتبط بحدود برية مع تركيا والعراق وأفغانستان وباكستان وأذربيجان، إضافة إلى إطلالتها على بحر قزوين، ما يجعل فرض حصار شامل أمراً بالغ الصعوبة.

كما يحذر من تداعيات الحصار على القوى الدولية، مشيراً إلى أن دولاً كبرى مثل الصين واليابان، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط، قد لا تقبل بخطوة من شأنها تهديد إمدادات الطاقة.

ورقة هرمز

ويطرح حمودي سيناريو التصعيد المتبادل، موضحاً أنه في حال أقدمت الولايات المتحدة على محاصرة إيران، فإن طهران “قد ترد عبر استخدام ورقة مضيق هرمز لمحاصرة دول الخليج”، ما قد يؤدي إلى حالة من توازن الردع بين الطرفين.

ويبرز في هذا الإطار الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي يبلغ عرضه نحو 25 كيلومتراً، في حين تمر الممرات الأساسية لعبور الناقلات الكبرى ضمن المياه الإقليمية الإيرانية، ما يمنح طهران قدرة فعلية على التأثير في حركة الملاحة.

كما أن ضحالة المياه القريبة من السواحل العمانية والإماراتية تحدّ من سهولة مرور السفن الحربية والناقلات الضخمة، الأمر الذي يعزز من الأهمية الجيوستراتيجية للجانب الإيراني من المضيق.

وانطلاقاً من ذلك، يعتبر حمودي أن مضيق هرمز يمثل “سلاحاً اقتصادياً” بيد إيران، قادراً على تحويل أي مواجهة عسكرية إلى أزمة عالمية في مجال الطاقة، وهو “ما يشكل مصدر قلق ليس فقط لدول الخليج، بل أيضاً للدول المستوردة للطاقة مثل الهند واليابان والصين”.

ويعتبر حمودي أن المضيق يمثل ورقة ضغط مركزية بيد إيران، تستخدمها لتخفيف الضغوط عليها وتوسيع كلفة الحرب بحيث لا تبقى محصورة داخل أراضيها، من منطلق أن أي صراع مفروض عليها يجب أن تتقاسم تداعياته جميع الأطراف، بحيث “إما أن ينجو الجميع أو يتحمل الجميع الكلفة”.

وبناءً على ذلك، يظل مضيق هرمز، وفق المتحدث، ورقة استراتيجية عسكرية وسياسية ودبلوماسية حاسمة في أي مسار تفاوضي، مع استبعاد الحل العسكري المباشر، نظراً لقدرة إيران على التأثير في حركة الملاحة، حتى بوسائل غير تقليدية.

ويضيف أن الحلول الدبلوماسية تبقى الخيار الأكثر واقعية، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

ومن الناحية القانونية، يوضح حمودي أن المضيق يخضع لقواعد القانون الدولي باعتباره ممراً مائياً دولياً يقوم على مبدأ حرية العبور الآمن للسفن، إلا أن تطبيق هذه القواعد يتأثر في حالات الحرب أو التوترات الأمنية، حيث تتغير معطيات الملاحة بشكل كبير.

ويشير إلى أن إيران لم تعلن إغلاقاً كاملاً للمضيق، لكنها لوّحت بإمكانية منع السفن المرتبطة بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وهو ما انعكس عملياً في اضطراب حركة الملاحة وارتفاع مستوى المخاطر.

كما ساهمت زيادة تكاليف التأمين البحري في تقليص حركة السفن، إذ باتت شركات التأمين تفرض رسومًا مرتفعة جداً، ما دفع العديد من الناقلات إلى تجنب المرور عبر المضيق، في حين لم تعد تُخاطر بالعبور إلا أعداد محدودة منها.

وبذلك، يتحول مضيق هرمز، بحسب حمودي، إلى ورقة ضغط فعالة بيد إيران، قد تكون مؤثرة في تحديد مسار المفاوضات المقبلة, أما في ما يتعلق بهذه الأخيرة، فيؤكد على أنها “لم تتوقف، بل ما تزال مستمرة، رغم أن الجانب الأمريكي لم يحقق ما كان يتوقعه، في حين يرى الإيرانيون أن هناك تقدماً نسبياً، ويشيرون إلى الإفراج عن بعض الأصول”.

حدود الضغط على إيران

وفي ما يتعلق بفرضية الاجتياح البري، يرى المتحدث أن هذا السيناريو يظل مستبعداً في المرحلة الراهنة، إذ “يتطلب إضعافاً كبيراً لإيران، وفرض حصار وضغط طويل الأمد قبل التفكير في أي تدخل مباشر، في وقت لا تزال فيه طهران تحتفظ بقدر مهم من القوة والتماسك الداخلي”.

ويشير إلى أن الحرب لم تُفرز انشقاقات داخلية تُذكر، إذ لم يظهر مسؤولون أو دبلوماسيون أو قادة عسكريون في موقع معارضة علنية للنظام، كما حدث في تجارب أخرى مثل سوريا والعراق، ما يعكس درجة عالية من التماسك الداخلي. بل إن بعض المعارضين الإيرانيين في الخارج عادوا إلى البلاد، معتبرين أن الأمر يتعلق بالدفاع عن الوطن.

ويؤكد حمودي أن هذا التماسك يُصعّب من مهمة زعزعة الاستقرار الداخلي أو تحقيق اختراق حاسم، خاصة في ظل تراجع فعالية بعض الأوراق الإقليمية.

كما يلفت إلى أن دول الجوار لا تُظهر عداءً مفتوحاً تجاه إيران، التي تحتفظ بعلاقات مستقرة نسبياً مع عدد من الدول، مثل العراق وأرمينيا وأذربيجان وباكستان ودول بحر قزوين وروسيا، في حين تقدم تركيا أشكالاً من الدعم. أما سلطنة عمان، فتُعد فاعلاً محورياً بحكم علاقاتها التاريخية والاستراتيجية مع إيران، ودورها المستمر كوسيط بين طهران والغرب، رغم عضويتها في مجلس التعاون الخليجي.

وبخصوص باكستان، يوضح أن أي تحركات عسكرية في اتجاه الخليج، خصوصاً نحو السعودية، تندرج في إطار التعاون الدفاعي الثنائي، غير أنه يستبعد انخراطها في مواجهة مباشرة مع إيران، بالنظر إلى طبيعة العلاقات المعقدة بين البلدين، والتي تتداخل فيها الأبعاد القبلية والشعبية والمذهبية.

ويخلص حمودي إلى أن كلا الطرفين يوظف المفاوضات كأداة ضغط، حيث تستخدمها واشنطن للضغط على طهران، بينما تستخدمها إيران لتعزيز موقفها التفاوضي. وعليه، فإن التصريحات التي أعقبت الجولة الأولى تندرج، في رأيه، ضمن الخطاب التفاوضي، وتهدف إلى التأثير على مواقف الطرف الآخر وتحقيق مكاسب تفاوضية، وليس إلى إعلان فشل أو نجاح نهائي للمسار التفاوضي.