“جلسة غير دستورية”.. المعارضة تتهم الحكومة بالاستخفاف وتبخيس العمل البرلماني
تحولت جلسة تشريعية لمناقشة 14 مقترح قانون تقدمت بها فرق المعارضة، إلى سجال قانوني امتد لـ 45 دقيقة من الأخد والرد بين النواب والنائبات حول مدى دستورية الجلسة في غياب الحكومة، إذ اعتبرت فرق ومجموعة المعارضة عدم حضور الحكومة “استخفافا وتبخيسا” للمبادرة التشريعية للنواب، فيم دافعت فرق الأغلبية على “عدم تدخل الحكومة في عمل المجلس”.
وفي هذا الصدد، أثار رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية عبد الله بووانو هذا النقاش مستحضرا قرار المحكمة الدستورية رقم 256/25 بشأن حضور الحكومة خلال المناقشة والتصويت على مقترحات القوانين خلال الجلسة العامة، على خلاف حضورها باللجان الدائمة الذي يبقى “اختياريا”.
وأكد بووانو أن الدستور جعل من المعارضة مؤسسة، والجلسة التشريعية لا يمكن أن تنعقد إلا بثلاثة أركان وهي النواب وهم الأغلبية والمعارضة ثم الحكومة، متسائلا حول دستورية الجلسة الحالية في غياب حضور الحكومة والذي “يدخل في باب أن تكون الجلسة دستورية”.
واعتبر النائب البرلماني غياب الحكومة “غير مبرر واستهزاء بمؤسسة البرلمان وبالدستور”، مؤكدا أن النواب لا يشرعون لأنفسهم، وإلا “ننسحب حين تقدم الحكومة النصوص التشريعية”.
واستحضر في هذا الإطار، المادة 187 من النظام الداخلي والتي تنص على أنه ليس في حضور الحكومة ما يخالف الدستور في اجتماعات اللجان الدائمة وفي الجلسات العامة المخصصة للدراسة والتصويت على مقترح القوانين الذي “يكرس مبدأ التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية”.
من جهته، اعتبر رئيس الفريق الحركي، ادريس السنتيسي، أن قرار المحكمة الدستورية “لا ينص على إلزامية الحضور ولا يمنعه”، مؤكدا أن حضور الحكومة في الجلسة العامة يبقى ممكنا ومشروعا، داعيا إلى “عدم تأويل القرار بشكل يتجاوز منطوقه”، قبل أن يقر، في نقطة نظام أخرى، بأن غيابها “لا يخلو من دلالات سلبية تجاه العمل البرلماني”.
وكان السنتيسي قد قدم أربعة مقترحات قوانين، وسجل خلالها “الامتعاض” من غياب الحكومة خلال المناقشة في اللجان وفي الجلسة التشريعية، مشددا على أن دور الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان هو حضور الجلسات وتتبع العمل وأحيانا التدخل وفق ما يمليه النظام الداخلي للمجلس.
واعتبر المسؤول البرلماني غياب الحكومة “يعتبر موقفا من البرلمان ومن النواب جميعا”، في الوقت الذي “ندعو فيه إلى تشريع تشاركي باعتباره مسؤوليتنا جميعا”، محذرا من الإساءة إلى صورة المؤسةة البرلمانية.
وقال “أعلم مسبقا أن نتيجة التصويت ستكون سلبية، لكننا سنواصل تطبيق الدستور واحترامه والتعاون والقيام بمعارضة مواطنة مسؤولة وذات قوة اقتراحية”.
وفي نقطة نظام أخرى، حذر النائب البرلماني عن الفريق الاشتراكي- المعارضة الاتحادية، ادريس الشطيبي، من “الانزلاق نحو تبخيس المؤسسة التشريعية”، معتبرا أن الدفاع عن غياب الحكومة لا ينبغي أن يتحول إلى موقف يتبناه النواب أنفسهم. وشدد على أن الجهة المخول لها تبرير ذلك هي الحكومة، ممثلة أساسا في الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان.
بدورها، قالت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، “لنفترض أن تأويل قرار المحكمة الدستورية ينسحب على اختيارية حضور الحكومة في الجلسات العامة”، فإن وجود قطاع وزاري مكلف بتنظيم العلاقة مع البرلمان “يفترض ضمان هذا الحضور”.
وأضافت أن غياب الحكومة “يعكس عدم احترام واضح للمؤسسة التشريعية وتبخيسا لدورها، وكأنها تحولت إلى مجرد جهاز للتصويت”، مشيرة إلى أنه “لو تعلق الأمر بمقترحات قوانين أو مبادرات تشريعية تهم الحكومة، لكانت حريصة على الحضور والمواكبة لضمان تمريرها”.
في السياق ذاته، وصف النائب البرلماني عن الفريق الاشتراكي- المعارضة الاتحادية، عبد الرحيم شهيد، مشهد مناقشة مقترحات القوانين في غياب الوزراء بـ “الكاريكاتوري”، قائلا إن البرلمانيين “يخاطبون أنفسهم رغم أن المقترحات المقدمة هي في صميم العمل الحكومي”. واعتبر أن غياب الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان “غير مقبول وغير مبرر ويعكس استخفافا بالعمل التشريعي”.
أما رئيس الفريق الاشتراكي- المعارضة الاتحادية، سعيد باعزيز، فقال إن غياب الحكومة يتجاوز النقاش القانوني إلى “مسؤولية أخلاقية وسياسية”، مذكرا بأن مبدأ التعاون بين السلطتين يقتضي حضور الحكومة، ولو في إطار غير إلزامي، مضيفا أن غيابها “استهانة بالعمل الجاد للنواب لاسيما نواب المعارضة” كما “يتناقض مع خطابها حول احترام المؤسسة التشريعية ويكرس فقدان الثقة”.
وبدورها تساءلت النائبة البرلمانية عن الفريق الاشتراكي- المعارضة الاتحادية، مليكة الزخنيني، عن “جدوى مناقشة مقترحات القوانين أمام كراس فارغة”، معتبرة أن قرار المحكمة الدستورية، يفتح باب التأويل، ولا يلزم الحكومة بالحضور كما لا يبرر غيابها، منتقدة في الآن نفسه “عرض المقترحات بالجملة” عوض “أن ينال كل مقترح قانون ما يستحقه من النقاش”.
وفي ردهم على انتقادات المعارضة، شدد عدد من نواب الأغلبية على أن قرار المحكمة الدستورية حسم مسألة حضور الحكومة بشكل واضح.
وفي هذا الصدد، أوضح رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، ياسين عوكاشة، أن القرار رقم 256/25 الصادر في 4 غشت 2025 “نص صراحة على أن حضور الحكومة، سواء داخل اللجان أو خلال الجلسة العامة، يظل أمرا اختياريا عند دراسة والتصويت على مقترحات القوانين”. وأكد أن “دستورية الجلسة لا ترتبط إطلاقا بحضور الحكومة أو غيابها”، قائلا: “لا يجب تمرير المغالطات”.
من جهته، اعتبر أحمد التويزي، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة، أن “التشريع يظل اختصاصا حصريا للمؤسسة التشريعية”، مبرزا أن حضور الحكومة خلال مداولات المجلس بشأن مقترحات القوانين “قد يشكل تدخلا غير مرغوب فيه في عمل البرلمان”، قبل أن يضيف أن النواب “لا ينتظرون مراقبة الحكومة في ممارسة اختصاصهم الدستوري”..
وفي السياق ذاته، جدد النائب البرلماني عن فريق الأصالة والمعاصرة، هشام المهاجري، موقفه الداعم لغياب الحكومة، معتبرا أن ذلك “يكرس استقلالية البرلمان في النقاش والتداول”، متسائلا عن القيمة المضافة لحضورها، خاصة وأن موقفها من مقترحات القوانين “يكون محسوما مسبقا داخل المجلس الحكومي”، وشدد على أن “الترافع في هذه المرحلة يظل شأنا برلمانيا خالصا بين النواب”.