ثورة الملكية الديمقراطية
نحيي اليوم الذكرى 73 لذكرى ثورة الملك والشعب، والتي لم تولد يوم 20 غشت 1953 كما يمكن أن يعتقد البعض. لم يكن ذلك اليوم لحظة ميلاد الفكرة بقدر ما كان لحظة انفجارها الأكبر، وتتويجا لمسار طويل سبق نفي محمد الخامس، ومسارا لم يكن فيه الملك والشعب طرفين التقيا صدفة في مواجهة المستعمر، بل قطبين اختارهما الوطنيون الإصلاحيون، عن وعي وتدبير، ليكونا قاعدة لبناء الوطنية المغربية الحديثة.
كان يمكن للحركة الوطنية أن تبني مشروعها على القطيعة مع المؤسسات التقليدية بما فيها الملكية، كما حدث في بلدان أخرى خرجت من الاستعمار. وكان يمكن للعرش، في المقابل، أن يبحث عن خلاصه الخاص عبر صفقة مع سلطات الحماية؛ لكن ما حدث كان شيئا آخر، حيث اختار الوطنيون أن يجعلوا الملكية جزءا من مشروع التحرر، واختار محمد الخامس أن ينتقل من موقع سلطان تحيط به قيود الحماية إلى رمز لدولة وطنية يجري بناؤها.
لذلك كان 20 غشت 1953 تتويجا لا تأسيسا، ولحظة اكتشف فيها الاستعمار، متأخرا، أنه لم يعد يواجه سلطانا يمكن استبداله، ولا حركة وطنية يمكن اعتقال قادتها، بل شرعية مركبة تداخل فيها التاريخ بالدين، والبيعة بالوطنية، والوراثة بالإرادة الشعبية، والمخزن القديم بفكرة الدولة الوطنية الحديثة.
الدولة المغربية التي خرجت من الاستقلال لم تكن جمهورية مبتورة، ولا ملكية تقليدية أعادت إنتاج نفسها كما كانت قبل تجربة الحماية؛ بل كانت محاولة لتركيب شرعيتين في جسد سياسي واحد.
شرعية قديمة تستند إلى التاريخ والدين والوراثة واستمرار الدولة المغربية، وشرعية حديثة تستمد قوتها من الشعب، والمؤسسات، والتمثيل، والانتخاب، وفكرة المواطنة.
لقد كان ذلك، في حد ذاته، مشروعا ثوريا. لكن المشكلة أن الثورة السياسية لم تكتمل بعد الاستقلال. ففي السنوات الأولى من عهد محمد الخامس، كانت هناك بالفعل نواة مسار كان يمكن أن يقود، تدريجيا، إلى ملكية برلمانية مغربية بتدرجها وخصوصيتها، والشاهد على ذلك هو حكومة عبد الله إبراهيم.
كان هناك ملك خرج من معركة التحرير بشرعية شعبية هائلة، وحركة وطنية منظمة، ونخب سياسية حقيقية، وحياة حزبية تتصارع حول الأفكار والمشاريع، ومطلب دستوري حاضر بقوة. كان بالإمكان، في ظروف أخرى، أن تتطور تلك اللحظة إلى توزيع أكثر توازنا للسلطة بين المؤسسة الملكية والمؤسسات التمثيلية.
لكن التاريخ اتخذ طريقا آخر. رحل محمد الخامس مبكرا، ودخل المغرب مرحلة طويلة من الصراع على السلطة، انتهت إلى ملكية شديدة المركزية في عهد الحسن الثاني، واجهت خصومها السياسيين بقوة الدولة وأدواتها الصلبة، وخاضت مع المعارضة اليسارية معركة استمرت عقودا، ودفع المغرب خلالها أثمانا بشرية وسياسية ثقيلة.
ومع ذلك، كانت المفارقة الكبرى أن الملك الراحل نفسه هو من أدرك، في نهاية عهده، أن استمرار النظام يحتاج إلى إعادة وصل ما انقطع.
حين سلّم الحسن الثاني الحكومة لعبد الرحمان اليوسفي، أحد أبرز وجوه المعارضة التاريخية التي واجهت النظام لعقود، لم يكن ذلك مجرد تغيير حكومي، بل كان اعترافا ضمنيا بأن شرعية الدولة لا يمكن أن تظل قائمة على القوة وحدها، وأن الملكية، كي تستمر، تحتاج دائما إلى تجديد مصادر شرعيتها وإعادة بناء جسور الثقة بينها وبين المجتمع، فكان التناوب نوعا من النقد الذاتي المتأخر.
ثم جاء محمد السادس الذي ضخّ في عروق المؤسسة الملكية واحدا من أقوى مصادر الشرعية التي عرفتها منذ الاستقلال: شرعية الملك الإنسان.
بات المغاربة منذ ربع قرن أمام ملك ينزل إلى الشارع، ويزور القرى والمستشفيات، ويتفقد الأوراش، ويقترب من الفئات الهشة، ويفتح ملفات حقوق الإنسان، ويعيد الاعتبار لضحايا سنوات الرصاص، ويجعل من التنمية الاجتماعية عنوانا مركزيا للحكم…
لم تكن تلك مجرد صورة تواصلية، بل شكّلت تحولا حقيقيا في علاقة الملكية بالمجتمع، أعاد إليها رصيدا كبيرا من القبول والثقة، خصوصا لدى أجيال لم تعش صراعات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات.
واليوم، تبدو مؤشرات الانسداد السياسي أكثر وضوحا من أن يتم تجاهلها. الأحزاب ضعفت، والانتخابات فقدت جزءا كبيرا من معناها السياسي، والمؤسسات المنتخبة تآكلت مصداقيتها، والفوارق الاجتماعية اتسعت، ومراكز مصالح جديدة كبرت (أكثر من اللازم) في المساحات التي تتراجع فيها السياسة.
والخطير أن هذه المراكز لم تعد تكتفي بالاستفادة من قربها من السلطة، بل بات بعضها يتصرف كما لو أنه هو السلطة نفسها.
بات الاقتصاد يغتصب السياسة ويحوّلها إلى أداة لحماية المصالح الفئوية والخاصة، والنخب المتمكّنة تعمل فقط وبشكل حصري على تحصين نفسها ضد المساءلة وضد القانون نفسه، أكثر مما تبحث عن التمثيل.
هكذا وصلنا إلى المفارقة نفسها التي واجهها المغرب أكثر من مرة في تاريخه الحديث: كلما ضعفت الوسائط السياسية، أصبحت الملكية تبدو أقوى ظاهريا، لكنها في العمق، تصبح أكثر تعرضا لتحمل كلفة الاختلالات.
هذا ما يجعل الحاجة اليوم إلى ثورة جديدة بين الملك والشعب حاجة سياسية، لا مجرّد استعارة خطابية. ثورة لا تعني إسقاط النظام كما يمكن أن يُفهم من كلمة “الثورة”، بل إنقاذه من أسباب التآكل.
نحتاج ثورة ملكية تستعيد جوهر المعادلة التي صنعت الوطنية المغربية الحديثة، أي ملكية قوية بشرعيتها التاريخية والدينية والرمزية، وبجانبها مؤسسات قوية بشرعيتها الشعبية والديمقراطية.
قد يبدو المثال الإسباني بعيدا، لكنه مفيد. حين خرجت إسبانيا من عقود فرانكو المظلمة، لم يكن عليها فقط أن تغير حكومة أو تكتب دستورا، بل أن تعيد اختراع الدولة. عادت الملكية، لكن عودتها لم تكن مجرد استرجاع لما قبل فرانكو، بل كان ذلك تأسيسا لوظيفة جديدة لها داخل نظام ديمقراطي جديد.
لم يضعف الملك هناك لأن الحكومة والبرلمان والأحزاب أصبحت قوية، بل على العكس، اكتسبت المؤسسة الملكية جزءا أساسيا من شرعيتها الحديثة لأنها ساهمت في بناء نظام لا يحتاج إلى أن تحكم فيه مباشرة كي تبقى مركزا لوحدة الدولة.
والمغرب يملك، من حيث المبدأ، شروطا أفضل بكثير لصناعة انتقال من هذا النوع. فنحن، ولله الحمد، لا نخرج من حرب أهلية، ولا نحمل جراح انقسام داخلي مشابه لما عرفته إسبانيا.
لدينا دولة عريقة، وملكية متجذرة، ووحدة دينية وسياسية واسعة، ومجتمع لا يحمل عداء تجاه المؤسسة الملكية، بل إن جزءا كبيرا منه ما زال يراها ضمانة للاستقرار والوحدة.
ما ينقصنا هو قرار بأن تكون الفترة المقبلة مرحلة إعادة بناء المجال السياسي، لا مزيدا من إضعافه. وقرار بأن تكون الانتخابات طريقا حقيقيا إلى السلطة، لا مجرد آلية لترتيب المواقع. وقرار بأن تعود الحكومة إلى الحكم، والبرلمان إلى التشريع والمراقبة، والأحزاب إلى تمثيل المجتمع، والإدارة إلى الحياد، والاقتصاد إلى المنافسة، والمال إلى الابتعاد عن شراء النفوذ السياسي.
وقبل كل ذلك، نحتاج إلى قرار بأن تتوقف مراكز المصالح التي نشأت خلال السنوات الأخيرة عن التعامل مع الدولة كما لو كانت ملكيتها الخاصة.
هذه المراكز هي الخطر الحقيقي، لأنها تضرب مصالح الملك والشعب في آن واحد. خطيرة جدا لأنها توسع الهوة الاجتماعية، وتغذي الإحساس بالحكرة، وتفرغ السياسة من معناها، وتراكم الثروة والسلطة في دوائر ضيقة، ثم تتصرف بمنتهى الوقاحة عندما تشعر بأن مصالحها مهددة.
لقد احتاج المغرب في خمسينيات القرن الماضي إلى ثورة الملك والشعب كي يولد دولة وطنية مستقلة. وهو يحتاج اليوم إلى ثورة أخرى كي يجعل هذه الدولة ديمقراطية بالفعل.
المطلوب ليس أن نختار بين الملكية والديمقراطية، فهذا سؤال تجاوزه التاريخ المغربي نفسه منذ أن اختار الوطنيون، خلال الثلاثينيات ومع وثيقة المطالبة بالاستقلال والديمقراطية، أن يجعلوا العرش جزءا من مشروع التحرر لا نقيضا له.
والسؤال الذي نواجهه اليوم هو هل نستطيع، بعد سبعين عاما، أن نكمل ما بدأناه؟ هل يمكننا أن نصنع ملكية لا تحتاج إلى ضعف المؤسسات التمثيلية كي تكون قوية، وديمقراطية لا تحتاج إلى إضعاف الملكية كي تكون حقيقية؟
هذه، في تقديري، هي ثورة الملك والشعب التي يحتاجها المغرب اليوم.. ثورة الملكية الديمقراطية.