تقرير: برامج الدعم الاجتماعي ثالث أكبر مصدر لتظلمات المواطنين إلى وسيط المملكة
كشف التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2025 عن تحول لافت في طبيعة الشكايات التي يتقدم بها المواطنون، إذ أصبحت برامج الدعم والسياسات العمومية ذات الطابع الاجتماعي أحد أبرز مصادر التظلمات، بعدما أفرز توسعها إشكالات مرتبطة بشروط الاستفادة ومعايير الاستحقاق وآجال التنفيذ وآليات التتبع.
ورصد التقرير، ضمن التصنيف الموضوعاتي للتظلمات، تسجيل 623 تظلماً مرتبطاً بالاستفادة من البرامج الاجتماعية، لتحتل هذه الفئة المرتبة الثالثة بعد التظلمات ذات الطابع المالي (2528 تظلماً) والإدارية (2387 تظلماً)، وقبل القضايا العقارية (544 تظلماً) والتظلمات المتعلقة بعدم تنفيذ الأحكام القضائية (337 تظلماً).
وأوضح التقرير أن تمركز جزء مهم من التظلمات في القضايا ذات البعد الاجتماعي والمالي يعكس ارتباطها المباشر بالأوضاع المعيشية للمواطنين، مبرزاً أن هذه الملفات تتعلق بـ”تدبير البرامج الاجتماعية، والوفاء بالالتزامات الإدارية، وتنفيذ الأحكام”، وهي مجالات ترتبط بشروط الاستفادة والآجال ودقة المساطر واستمرارية الخدمات، كما تتسم بتعدد المتدخلين وتشابك الإجراءات، بما يفرض تعزيز التنسيق وآليات التتبع والالتزام.
وفي قراءة أعمق لهذه المعطيات، يؤكد وسيط المملكة أن سنة 2025 شهدت “تحولاً جوهرياً في البنية الموضوعاتية للتظلمات”، ربطه بشكل مباشر بـ”اتساع نطاق السياسات العمومية ذات الطابع الاجتماعي وتكثيف برامج الاستفادة والدعم العمومي”.
ويضيف التقرير أنه “بموازاة اتساع قاعدة المستفيدين، برزت إشكالات جديدة تتعلق بشروط الولوج ومعايير الاستحقاق وآجال التنفيذ وآليات التتبع”، وهو ما انعكس، بحسب المؤسسة، في ارتفاع التظلمات المرتبطة بكيفيات تنزيل هذه السياسات وآثارها المباشرة على الوضعية الإدارية والقانونية للمرتفقين.
ويعتبر التقرير أن هذا التطور يكشف عن “تحول بنيوي في نوع العلاقة بين المرتفق والإدارة”، موضحاً أن التظلمات لم تعد تقتصر على “رصد الاختلالات التدبيرية الكلاسيكية”، بل أصبحت تعكس أيضاً آثار السياسات العمومية الاجتماعية على المواطنين وكيفية تنزيلها ميدانياً.
وفي ما يتعلق بطبيعة الملفات الاجتماعية، أظهر التقرير أن غالبية التظلمات في هذا الصنف ارتبطت ببرامج إعادة إسكان قاطني دور الصفيح، التي استأثرت بـ334 تظلماً، تلتها ملفات البقع الأرضية (90 تظلماً)، ثم إعادة هيكلة أو تجديد الأسواق والمحلات التجارية (41 تظلماً)، فبرنامج إعادة إسكان الدور الآيلة للسقوط (37 تظلماً)، إضافة إلى تظلم واحد يخص برنامج الترميم والتجديد الحضري.
كما توقف التقرير بتفصيل عند الاختلالات المرتبطة بـ “السجل الاجتماعي الموحد”، معتبراً إياها عوائق تحول دون الأثر الفعلي لبرامج الدعم.
وحدد التقرير هذه العوائق في تعقيد مساطر التسجيل؛ مما يضع عراقيل أمام المرتفقين غير الملمين بالمسالك الإدارية، وارتهان الاستحقاق بمؤشرات الحياة؛ مثل طبيعة السكن أو وسائل النقل والاتصال، وهي “معايير تفتقر للدقة الكافية لعكس الوضع الحقيقي مما يؤدي إلى إقصاء غير مبرر لفئات تعيش هشاشة فعلية”.
هذا إلى جانب الاعتماد الكثيف على المنصات الرقمية مما يكرس بحسب التقرير “الفجوة الرقمية” ويضطر الفئات الهشة للاستعانة بوسطاء، مما يعرض معطياتهم الشخصية للخطر.
وأبان التقرير عن بروز تظلمات مرتبطة ببرامج حكومية محددة مثل “فرصة”، و”انطلاقة”، و”متطوع”. ويرى الوسيط أن هذه التظلمات تعبر عن “انتقال في نوعية العلاقة بين المرتفق والإدارة”، إذ أصبح المواطن يطالب بحقه في الاستفادة بناءً على معايير الاستحقاق المعلنة، وليس كامتياز.
وفي قطاع السكن، سجل التقرير استمرار اختلالات برامج “مدن بدون صفيح”، خاصة ما يتعلق بتكرار عمليات الإحصاء وارتباك اللوائح، مما يؤدي إلى “احتجاز حقوق المرتفقين” لمدد زمنية طويلة في انتظار برمجة اجتماعات اللجان المحلية.
ويعد استمرار بعض الإدارات في “عدم الرد” على مراسلات المؤسسة بخصوص هذه البرامج الاجتماعية أحد أخطر المعطيات التي أوردها التقرير. إذ سجل 450 مراسلة ظلت دون جواب، تصدرتها وزارة الداخلية بـ 125 مراسلة، تليها وزارة الاقتصاد والمالية بـ 77 مراسلة. واعتبر الوسيط هذا المسلك “إخلالاً بصريح المقتضى الدستوري في الحق في الجواب”.
ررسم التقرير خريطة دقيقة لطالبي الوساطة في هذه الملفات، حيث تهمين الطلبات الفردية بنسبة 94%. ومن الناحية الديمغرافية، تتركز التظلمات لدى الفئة العمرية ما بين 30 و60 سنة (بنسبة 86%)، وهي الفئة الأكثر انخراطاً في الدورة المهنية والاجتماعية والمعنية مباشرة بتدبير حقوقها والتزاماتها. كما سجل التقرير هيمنة ذكورية في تقديم الشكايات بنسبة 75.18%، مقابل 24.82% للنساء.
ويخلص التقرير إلى أن دلالات هذه التظلمات “تتجاوز بعدها التدبيري المباشر”، لتشكل “مؤشراً تحليلياً دالاً على التحولات التي تعرفها السياسات العمومية وعلاقة الإدارة بالمرتفق”، كما تعبر عن “ارتفاع تطلعات المواطنين وارتفاع سقف انتظاراتهم بخصوص فعالية ونجاعة السياسات العمومية”.
ودعا التقرير، في هذا السياق، إلى مواكبة تنامي الأدوار الاجتماعية للدولة عبر اعتماد تدبير عمومي قائم على مبادئ الوضوح والشفافية والإنصاف، مع تعزيز القدرة الاستباقية على تقييم وتدبير آثار القرار العمومي
وشدد على أن تحسين الأداء الإداري في برامج الدعم الاجتماعي يظل مرتبطاً بـ “وضوح المساطر، وانتظام التنفيذ، وجودة التفاعل مع المرتفق”.
ودعت المؤسسة من خلال برنامجها “نحو إدارة المساواة” إلى ضرورة جعل مقاربة النوع والإنصاف الاجتماعي جزءاً لا يتجزأ من مراحل إعداد السياسات العمومية وتنفيذها، لضمان استعادة الثقة بين المواطن والإدارة.
يذكر أن مؤسسة وسيط المملكة سجلت خلال سنة 2025 طفرة نوعية في عدد الملفات المسجلة، حيث بلغت 9958 ملفاً، بزيادة قدرها 25.3% مقارنة بالسنة الماضية.