تأجيل الزواج وخطر ضياع الحقوق.. إضراب العدول يربك مصالح المغاربة
“كان كل شيء مرتبا بدقة، التواريخ محددة، البرنامج الزمني يسير كما خُطط له، إلى أن اصطدمنا بهذا المستجد الذي لم نتوقعه أبدا، أثر على كل شيء وحكم علينا بالانتظار”، بهذه العبارات فسر لنا جلال شاب أراد إبرام عقد الزواج لكن فوجئ بإضراب العدول.
وأضاف جلال لصحيفة “صوت المغرب”: “قمنا بتأجيل حفل عقد القران وتلبيس الخواتم، وكل ما يرافق ذلك من عادات وتقاليد يجب احترامها في مثل هذا اليوم، حتى يُرفع الإضراب. وبما أنه لا يوجد وقت محدد لرفع الإضراب، فإن هذا يربك كل مخططاتنا”.
في خضم التحضيرات ليوم العمر، يجد الكثير من الشباب أنفسهم اليوم أمام مستجد لم يتوقعوه، ليس بسبب غياب الإمكانيات، بل بسبب “إضراب العدول” الذي شل حركة توثيق العقود في مختلف مدن المملكة.
في غضون، لم يقف الأمر عند الصدمة الأولى، بل تحول إلى رحلة بحث مضنية عن عدل قد يكون خارج دائرة الإضراب، في هذا السياق، أوضح الشاب: “حاولنا طرق الأبواب، بحثنا عن استثناء، لكننا اصطدمنا بواقع موحد؛ الجميع ملتزم بالإضراب، في مشهد أعاد إلى الأذهان إضراب المحامين الشهير.. الجميع منخرط، مما جعلنا في وضعية العالقين”.
أمام هذا الوضع وغياب موعد محدد لرفع الإضراب، يبرز “زواج الفاتحة” كحلٍ بديل يتداوله الناس، وهو ما يثير انقساما داخليا لدى المقبلين على الزواج.
وصف جلال هذا الشعور قائلا: “سمعنا عن حالات اكتفت بالفاتحة ريثما تفرج الأزمة، ورغم أنه حل قد يبدو للبعض مخرجا، إلا أننا نرى أن الأمر يتجاوز مجرد كلمة، إنه يتعلق بوضع قانوني ومستقبل قد تتداخل فيه الحقوق والالتزامات”.
اليوم، يعيش جلال -وغيره كثيرون- في حيرة لا هم قادرون على إتمام العقد بشكل رسمي يضمن حقوقهم، ولا هم قادرون على المضي قدما في حياتهم دون هذه الوثيقة.
لم تقتصر المعاناة على عقود الزواج والطلاق التي توقفت بشكل كامل، مما عطل ترتيبات اجتماعية وقانونية لكثير من الأسر، إلى جانب المعاملات العقارية والتجارية التي ترتبط بمواعيد محددة مع البنوك أو المحافظة العقارية وبروز حالات إنسانية
ومثلت معاناة الفنانة المغربية فاطمة بوجو تجسيدا لهذه المعاناة؛ حيث أطلقت نداء استغاثة لإنقاذ والديها المسنين (96 و85 سنة)، إذ يواجهان خطر إلغاء ملف “التجمع العائلي” نحو إسبانيا بسبب عجز الإبنة عن استخراج وثائق عدلية تطلبها السفارة في أجل أقصاه يوم 2 أبريل المقبل.
بوجو أكدت، عبر تدوينة لها على حسابه الشخصي بموقع “فايسبوك” أن الإضراب لم يراع “الحالات الطارئة”، مشيرة إلى أن محاولاتها مع رئاسة المحكمة والمسؤولين الجهويين للعدول بالقنيطرة باءت بالفشل، مما يضع حياة والديها ومستقبلهما الصحي على المحك بسبب “آجال قانونية” لا تنتظر انتهاء الاحتجاجات.
وتعود أسباب هذا التصعيد إلى ما اعتبره العدول تجاهلا لملاحظات ومقترحات الهيئة المهنية بشأن مضامين المشروع السالف الذكر، داعين رئيس الحكومة إلى فتح حوار جاد ومسؤول من أجل مراجعة مضامين النص التشريعي بما يستجيب لمطالب المهنيين ويضمن تطوير المهنة في إطار تشاركي.
في تصعيد غير مسبوق ينذر بشلل تام في قطاع التوثيق العدلي بالمغرب، لوّح عدول المغرب بخيار “الاستقالة الجماعية” للهيئات التمثيلية للعدول، مؤكدين على أن هذه الخطوة باتت مطروحة بقوة على طاولة النقاش رداً على ما وصفوه بـ”المشروع الكارثي” للقانون المنظم للمهنة.
ودخل عدول المملكة في إضراب وطني مفتوح وشامل ابتداءً من يوم الاثنين 13 أبريل 2026، مع إغلاق مكاتب التوثيق العدلي على الصعيد الوطني. وذلك في خطوة تصعيدية احتجاجاً على مسودة مشروع القانون 16.22 المتعلق بتنظيم المهنة، وتجاهل مطالبهم الأساسية، ما تسبب في شلل شامل في خدمات التوثيق.
وفي هذا الإطار، كشف الكاتب العام للجمعية المغربية للعدول، عبد الرزاق بويطة، عن حالة الاحتقان التي تسود القطاع نتيجة ما وصفه بـ “خدعة تشريعية” تعرضت لها مهنة العدول من طرف وزير العدل، عبد اللطيف وهبي.
وأكد بويطة، في تصريح سابق لصحيفة “صوت المغرب”، أن مشروع القانون الحالي خرج بصيغة “تناقض تماما ما تم الاتفاق عليه سابقاً” بين وزير العدل ولجنة الحوار المتمثلة في الهيئة الوطنية للعدول.
ووصف المتحدث الوعود التي قُدمت بتجويد النص داخل قبة البرلمان بأنها كانت مجرد “خدعة” للعدول، مؤكدا أن القانون “بافتقاره للضمانات المتفق عليها سيؤدي إلى القضاء بصفة نهائية على مهنة التوثيق العدلي”.
وفي غضون ذلك، حذر الكاتب العام للجمعية المغربية للعدول، من تداعيات إضراب العدول على خزينة الدولة والمجال العقاري، مشيرا إلى أن العدول يغطون مناطق نائية ومدنا بعيدة تفتقر لأي بديل توثيقي آخر.
ومن جانب آخر، أبرز عبد الرزاق بويطة أن ما يقارب 4000 عدل يضخون مبالغ مالية ضخمة في خزينة الدولة من خلال الرسوم المحصلة عن معاملات العقار المحفظ وغير المحفظ.
وشدد المتحدث نفسه على أن أي توقف عن العمل يعني شللا في المعاملات المالية التي تضخ مبالغا مهمة في الخزينة العامة.
وفي سياق متصل، نبه الكاتب العام للجمعية إلى أن استمرار التصعيد سيؤدي حتما إلى شلل داخل المحاكم، ولاسيما في أقسام قضاء الأسرة، نظرا للدور المحوري للعدل في إعداد رسوم الفريضة وتحديد نصيب الورثة، إلى جانب توثيق ملفات النيابة الشرعية، التحجير، وكذا الطلاق، وإثبات النسب.
كما أشار عبد الرزاق بويطة إلى مهام أخرى مثل توفير النسخ المستخرجة من سجلات التضمين التي يعتمد عليها القضاة في أحكامهم والمحامون في دعاواهم.
وفي غضون ذلك، شدد المسؤول المهني على أن “العدل” ليس مجرد كاتب عقود، بل هو مساعد قضائي بامتياز، “بحيث أن أغلب الأحكام القضائية المعروضة اليوم تنطلق من وثيقة عدلية”، واصفا إياهم بـ “مؤسسي العلاقات الاجتماعية” (زواج، إرث، معاملات يومية) التي لا يمكن لأي جهة أخرى القيام بها بنفس الفعالية والارتباط الوثيق بالمجتمع.
وخلص الكاتب العام للجمعية المغربية للعدول، إلى التأكيد على أن المعركة اليوم ليست مجرد مطالب فئوية، بل هي معركة للحفاظ على مهنة تاريخية وحماية لمصالح المواطنين والدولة من فراغ توثيقي قد يعصف باستقرار المعاملات.