بين نار الإمبريالية وانهيار الأخلاق.. قيادات نسائية تفكك أبعاد الحرب على إيران
ارتباطاً بالنقاش المثار في المغرب حول الحرب في الشرق الأوسط بين أمريكا والاحتلال الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة ثانية، وما يرافقه من تعدد في زوايا النظر، قدّمت فاعلات سياسيات قراءات متباينة؛ تراوحت بين ربط الحرب بالمصالح الاستراتيجية واختلال التوازنات وغطرسة الإمبريالية، وبين استحضار الأزمة الأخلاقية وهيمنة العقل السياسي الأداتي.
وفي هذا السياق، ترى النائبة البرلمانية عن الحزب الاشتراكي الموحد، نبيلة منيب، أن الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط هي نتيجة لـ «تغول النظام النيوليبرالي وتحالفه مع المشروع الصهيوني العالمي»، معتبرة أن هدف هذا النظام هو الوصول إلى «حكومة عالمية والسيطرة على الثروات في العالم».
ولفتت الأمينة العامة السابقة لـ«PSU»، خلال مشاركتها في ندوة نظمتها “مؤسسة الفقيه التطواني” مساء الخميس 02 أبريل 2026 بسلا، إلى أن «أبشع صورة لهذا النظام رأيناها في فلسطين منذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، وصفقة القرن، ونقل سفارة أمريكا (رأس الإمبريالية) إلى القدس».
وفي السياق ذاته، ترى السياسية اليسارية أن هناك «مشكلا كبيرا فُرض على المغاربة يتمثل في التطبيع»، مشيرة إلى أن المغرب «يهمهم بسبب موقعه الاستراتيجي والجغرافي؛ حيث يتوفر على 3500 كيلومتر من السواحل، إضافة إلى معادن مهمة»، وفق تعبيرها.
خلق الزلازل..
وقالت منيب في هذا الصدد إن «الإمبرياليين يمتلكون قوة اقتصادية، وصناعية، وعسكرية، وتكنولوجية ورقمية.. ويمكنهم أن يخلقوا زلزالا هنا أو هناك، أو يتسببوا في الأمطار حيثما يريدون».
واستدركت في الوقت ذاته قائلة: «لكن لا يجب أن نقول إن المغرب صغير أمام أمريكا؛ لا يجب التفكير هكذا. نحن نملك ثقافتنا: نؤمن أن من يصمد ينتصر، مثل داوود حينما انتصر على جالوت. فقط علينا تقوية أنفسنا»، حسب تعبيرها.
وخلصت القيادية في الحزب الاشتراكي الموحد إلى القول، «إن التحالف الإمبريالي الصهيوني يريد القضاء على أي قطب جديد، حتى تبقى الأحادية القطبية»، مردفة: «نحن نرفع شعارات ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاشم الذي لا يؤمن إلا بالإبادة.. لكن هل تعي دولتنا أهمية الرفض التي يجب أن تبقى لدى الشعب؟».
أزمة أخلاقية..
وفي الندوة ذاتها، أكدت عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، أمينة ماء العينين، أن الحرب التي تدور رحاها في الشرق الأوسط ليست بعيدة عنا في المغرب، ليس من الجانب الاقتصادي فحسب، الذي اعتبرته «العرض الأخير»، بل من باب الأخلاق أيضا.
وقالت ماء العينين إن «الإشكال الأول بالنسبة لها، هو أن العقل السياسي الأخلاقي يعيش أزمة حقيقية، والدليل ما يحدث في الحرب»، معتبرة أن «السياسة في العمق هي مبادئ أخلاقية، ولا يمكن الحديث عنها دون ضمير أخلاقي».
وترى البرلمانية السابقة أن «الناس يمارسون السياسة في الأصل وفقاً لرؤية أو معنى أو خدمة للإنسانية»، مبرزة أن «صياغة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وغير ذلك، كان بهدف خدمة الإنسانية».
واعتبرت في هذا الصدد أن «الإنسانية الآن تعاني من أزمة أخلاقية، انعكست على العقل السياسي الأداتي»، لافتة إلى أن «الحرب في المنطقة تدمر الفضاء العمومي العالمي».
قبل المحروقات..
وأوردت ماء العينين أن «ما يحز في نفسها أكثر من موضوع المحروقات، هو الطرح الذي يتبناه البعض داخل المجتمع المغربي، والمتمثل في شعار “مصلحة البلد أولاً”، وأن إسرائيل تدعم مغربية الصحراء ولا غرض لنا في إيران»، مشددة على أن «هذا يمثل أزمة أخلاقية كبيرة، تعرض الفضاء العمومي للانهيار القيمي».
وبالنسبة للقيادية في حزب «المصباح»، فإن «المصلحة توجد حيثما وجد المبدأ الأخلاقي»، متسائلة: «هل يمكن أن تكون المصلحة مع إسرائيل التي تمارس الإبادة الجماعية كعقيدة، وليس مجرد تكتيك عرضي في الحرب؟».
واستدركت بالقول: «إننا كسياسيين، بناءً على مسارنا المتواضع، لا يمكن أن ننحاز إلى نزعة ذرائعية تفقد عمقها الأخلاقي، وفي الوقت ذاته لا يمكن أن ننظر للأمور من زاوية مثالية أخلاقية»، موردة: «نحن في الوسط.. نعرف أن الدولة تواجه إكراهات تبرر بها مواقفها، ولكنني لا أتفق معها؛ لأنني لا أعتبر أن مصلحة المغرب مع أمريكا ضد إيران، على الرغم من كل ملاحظاتنا تجاه هذه الأخيرة».
وجه قبيح..
أما فاطمة التامني، القيادية في حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، فقد قالت إن «الحرب الصهيوأمريكية على إيران تُعري الوجه القبيح للإمبريالية التي تستهدف مُقدرات الشعوب؛ ولقد عشنا ذلك من قبل، وما زلنا نعيشه بألم كبير في حرب الإبادة على غزة».
وعن العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي، أشارت النائبة البرلمانية إلى ضرورة التمييز بين «الموقف الرسمي والموقف الشعبي، على الرغم من وجود بعض التفاوت داخل المجتمع».
واعتبرت التامني أن «مرد هذا التفاوت هو ما يُراد له أن يُفهم من خطاب هذا صديقنا ولنا معه مصلحة»، مردفة: «نحن نرفض التطبيع ونطالب بتجريمه؛ لأن هناك من يريد تحويله إلى تطبيع مجتمعي»، داعية إلى «تحصين الجبهة الداخلية باحترام حقوق المواطنين المغاربة، فهم الأقدر على التصدي لأي تهديد».
وعادت المتحدثة إلى موضوع الحرب على إيران قائلة: «موقفنا بخصوص الشعوب واضح؛ نحن مع حق الشعوب في اختيار ديمقراطيتها دون أي تدخل أجنبي؛ فلا وجود لقالب ديمقراطي جاهز تفرضه أمريكا».
ومن حانب آخر، لفتت المسؤولة البرلمانية إلى أن الحرب في الشرق الأوسط لها تداعيات سلبية على المغرب؛ لأن «اقتصادنا هش، ويعاني من الفساد والريع وتضارب المصالح»، مستحضرة ملف المحروقات بالقول: «حينما تنخفض أسعارها في الأسواق الدولية لا تنعكس داخليا بالطريقة نفسها التي تظهر بها الزيادات».
الأسبقية للوطن..
ومن جانبها، اعتبرت البرلمانية عن الفريق الاشتراكي- المعارضة الاتحادية، خدوج السلاسي، أن «الحرب التي تشنها إسرائيل وأمريكا على إيران ليست كباقي الحروب؛ لأنه ليس فيها لُطفاء»، مؤكدة أنه من «الصعب جدا بلورة موقف صريح والانضمام لهذا التحالف أو ذاك».
وأبرزت السياسية الاشتراكية أن مسألة الحرب إذا «أخذناها في سياقاتها الوطنية أولا.. فلا يسعنا إلا أن نُعطي الأسبقية لما هو وطني».
وقالت السلاسي إن «ما يمكنني الجزم فيه، هو أن المنتصر في هذه الحرب، إن جاز الانتصار، سيؤدي إلى دمار منطقة بكاملها، وإلى اختلال توازنات مطلوبة على المستوى الجيوسياسي».
وتساءلت المتحدثة: «هل الحرب فعلاً نتيجة لغياب الضمير الأخلاقي، أم لعدم توازن القوى وفقدان الانسجام والتكافؤ؟ أعتقد أن هناك شيئا من هذا وذاك»، مؤكدة أن «الحرب هي من أجل اصطياد المصالح الكبرى».
وشددت على أن «المغرب ليس بمنأى عن هذه الحرب؛ لأن الحرب لا تعرف الحدود، وآثارها وتداعياتها قوية على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، وتمس مختلف جوانب الحياة».
*المحفوظ طالبي