story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

بين طلبات ساخنة وواقع بارد.. عمال التوصيل يطاردون لقمة العيش بالرباط

ص ص

خلف الخوذة البلاستيكية وصندوق التوصيل الملوّن، تختبئ قصص لا يراها الزبون وهو يتسلّم طلبه بابتسامة عابرة؛ قصص تُكتب بعرق الجبين على أرصفة الشوارع، حيث تحوّلت الدراجة من وسيلة تنقّل إلى أداة للصمود في وجه واقع اقتصادي متقلّب.

في إحدى محطات التوقف أمام مطعم بالرباط، كان يونس يتسلّم طلبية جديدة. دقائق قليلة كانت كافية لفتح نافذة على عالمه اليومي، حيث لا شيء ثابت سوى الحركة المستمرة.

يقول يونس، وهو يتابع حركة زملائه الذين ما زالوا في الميدان، إن طبيعة العمل “متباينة باستمرار”، مضيفًا: “أحيانًا تكون الأمور جيدة، وأحيانًا مخيّبة للآمال.. كل شيء مرتبط بالظروف”.

ولا تقف التحديات عند ضغط الوقت أو حركة السير، بل تمتد إلى العلاقة مع الزبائن. “هناك من يقدّر تعبك، وهناك من يصعب التعامل معه”، يوضح، مشيرًا إلى أن أخطاء بسيطة، مثل رقم هاتف أو موقع غير دقيق، قد تتحول إلى مجهود مضاعف لإنهاء مهمة تبدو بسيطة في ظاهرها.

غير بعيد عن هذا الواقع، يتذكر بدر انطلاقته الأولى سنة 2019؛ آنذاك كانت الظروف مجزية والآفاق واعدة، بحسب تعبيره. لكن مع مرور السنوات، تغيّرت ملامح المهنة.

سيف ذو حدين

يرى بدر، الذي التقته صحيفة “صوت المغرب” وهو يسلم إحدى الطلبيات، أن العمل في هذا القطاع “سيف ذو حدين”؛ فبينما يمنحك حرية شكلية، يفرض عليك مسؤولية كاملة عن أي خطأ بسيط. “أحيانًا قد تسقط من يدك طلبية، فتضطر للعمل يومين متواصلين فقط لتعويض ثمنها”، يقول بدر بمرارة.

ورغم أن الدخل اليومي قد يصل إلى 300 درهم في أيام الاجتهاد، فإن هذا الرقم خادع؛ فالعامل هو من يتحمّل تكاليف الوقود، وتعبئة الهاتف والأنترنيت، وصيانة الدراجة، ناهيك عن “ضريبة الوقت” الضائع في انتظار زبائن قد يختفون خلف هواتف مغلقة بعد وصول العامل إلى عتبة بيوتهم.

ويتحدث بدر بحرقة عما يعانيه مع بعض الزبائن: “يقول لك أحضر الطلبية، وعندما تصل لا يجيب. يضيع وقتك ووقودك سدى”. لكنه، رغم ذلك، يعتز بمهنته: “هي مصدر رزق شريف يعيل الأسرة بكرامة ويغنيك عن الحرام”، مشيرًا إلى أن المشكلة تكمن في المصداقية التي بدأت تفقدها بعض الشركات، وهو ما ينعكس مباشرة على العمل اليومي للعامل.

ولا تتوقف المعاناة عند غياب المصداقية، بل تمتد لتشمل تقلبات السوق الدولية، جراء الحروب التي وصلت شظاياها إلى “خزانات وقود” الدراجات.

كلفة الوقود

يضعنا يونس أمام لغة الأرقام القاسية؛ فقد قفزت المصاريف اليومية للبنزين من 45 درهمًا إلى 65 درهمًا، وهو فارق يلتهم جزءًا كبيرًا من الربح الصافي.

وفي محاولة للتخفيف من هذه التكاليف، أطلقت الشركة التي يعمل معها يونس برنامجًا للدعم، كما يوضح: “خصصوا 50 درهمًا على كل 100 طلبية كتضامن”. ويشرح لصحيفة “صوت المغرب”، ممسكًا بهاتفه من خلال التطبيق، حيث كُتب تحت عنوان “برنامج دعم الوقود الشهري”: “لضمان استمرارية أرباحكم وتخفيف هذه التكاليف”.

ورغم محاولات بعض الشركات، يظل الواقع الميداني مطبوعًا بعدم الاستقرار، خاصة مع غياب معايير واضحة للاحتساب، وأعطال التقنية التي تفرض على العامل جهدًا مضاعفًا لتصحيح أخطاء الموقع أو أرقام الهواتف.

بين الدراجة والمدرج

على متن دراجته بشارع محمد الخامس بالرباط، التقينا علي، الشاب الذي يختزل قصة فئة عريضة من الطلبة المغاربة الذين وجدوا في التوصيل جسراً لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتمويل مسارهم الجامعي. التقيناه وهو يسابق الزمن لتسليم طلبية، معتذراً بلباقة عن الكلام في تلك اللحظة، ليعاود التواصل معنا فور انتهاء دوامه.

يقضي علي قرابة ثماني ساعات يومياً في روتين “شبه عسكري” فوق الدراجة، محاولاً التوفيق بين ضجيج المحركات وهدوء المدرجات. بالنسبة له، ليست الدراجة مجرد وسيلة نقل، بل هي “المنحة الدراسية” التي يمنحها لنفسه، مستغلاً مرونة الوقت التي يتيحها التطبيق، خاصة في فترات التحضير للامتحانات.

ورغم التقدير الذي يلمسه أحيانًا من الزبائن، فإنه يواجه نفس المجهول الذي يواجهه رفاقه: “غياب الأمان المهني”، حيث لا جهة يلجأ إليها في حال “توقيف الحساب” أو التعرض لحادثة.

بالنسبة لعلي، الربح الصافي مرتبط بالكيلومترات وعدد الطلبيات. ويرى أنه لا يستطيع الحكم بشكل دقيق على مدى كفاية هذا الدخل لتغطية مصاريف أسرة أو العيش في مدن كبرى، نظرًا لكونه لا يتحمل حاليًا مسؤوليات كبيرة، إلا أنه يعتبره مربحًا في وضعه الحالي.

ويضيف، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”: “لا يمكنني الجزم بكفاية هذا الدخل لأسرة، لكنه في وضعي كطالب يغطي مصاريفي الدراسية بالكامل”.

“هذا العمل يمنحني حرية أكبر مقارنة بغيره”، يقول علي، مضيفًا أنه ينفق حوالي 50 درهمًا يوميًا على البنزين، بينما يبقى الربح مرتبطًا بعدد ساعات العمل ونشاطه خلال اليوم.

ورغم الطابع المهني البسيط للعلاقات مع الزبائن وأصحاب المطاعم، يلاحظ وجود نوع من التقدير المعنوي، ولو بكلمات عابرة.

المثير في قصة علي، الذي يدرس المحاسبة والتسيير، هو روتينه الليلي؛ فبمجرد ركن الدراجة وخلع الخوذة، يبدأ سباقاً من نوع آخر مع الأرقام والمعادلات المحاسبية. يضع صندوق التوصيل جانباً ليفتح كتبه، في محاولة منه لضمان مستقبل قد يحرره يوماً من ضغط “الخوارزميات” وضجيج الشوارع.

سلامتك أولا

في زاوية أخرى من شوارع الرباط، يقدم زياد زاوية نظر مختلفة تفسر تمسك الشباب بهذا القطاع رغم صعوبته. بالنسبة لزياد، العمل في التوصيل أفضل بكثير من وظائف سابقة برواتب لم تكن تتجاوز 1400 درهم.

يقول زياد: “الفرق الشاسع يكمن في راحة البال والحرية. هنا أنت رئيس نفسك، لست مقيداً بمدير أو بتوقيت صارم يضغط عليك نفسياً”. لكن هذه الحرية مشروطة بوعي حاد بالمخاطر، حيث يوجه نصيحة ذهبية لزملائه: “السلامة الجسدية هي رأس مالك، فبدونها لا يمكنك الاستمرار. كن حذرا في الطريق وحافظ على سلامتك”. وعن التعامل مع الزبائن، يلخص زياد التجربة بالمثل المغربي: “الناس، طوب وحجر، المهم هو الصبر وحسن التعامل”.

يشترك هؤلاء الشباب في شعور مبهم تجاه المستقبل؛ فعلاقتهم بالمنصة تنتهي بمجرد إغلاق التطبيق. لا توجد جهة واضحة يحتمون بها في حال الحوادث أو توقف الحسابات فجأة. هي مهنة الحرية كما يراها زياد وعلي، لكنها حرية محفوفة بمخاطر الطريق وأحوال الطقس، وحوادث العمل كما يراها آخرون.