بين “الغضب الهوياتي” و”العنصرية”.. قراءة في الجدل الرقمي بعد نهائي “الكان”
أعادت الأحداث التي شهدها نهائي كأس إفريقيا لكرة القدم المغرب 2025، يوم الـ 18 يناير 2026 بالرباط، تسليط الضوء على الجدل الرقمي الذي أعقب المباراة وما رافقه من خطاب وُصف، في بعض الأحيان، بـ “العنصري”، على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي الوقت الذي يدعو فيه المختصون في علم النفس الاجتماعي إلى فهم جذور الانفعال الشعبي بدلا من شيطنته، تشدد المنظمات الحقوقية على أن القوانين الوطنية والمواثيق الدولية تظل السقف الذي لا يبرر تجاوزه أي انفعال، أكان رياضيا أم غيره.
وفيما تنطلق الرؤية السيكولوجية من ضرورة تفهّم بواعث الغضب لتجنب الانفجارات غير المحسوبة، تؤكد المنظمات الحقوقية ضرورة تفعيل القانون والتطبيق الصارم للمقتضيات الزجرية ضد مروجي خطاب الكراهية، صونا للكرامة الإنسانية وحماية للمكتسبات الحقوقية للمملكة.
“صدمة كاشفة”
في هذا الصدد، يذهب الباحث في علم النفس الاجتماعي، فؤاد يعقوبي، إلى أن الجدل الذي أعقب نهائي كأس إفريقيا بين المغرب والسنغال كشف عن انقسام “نفسي-وظيفي” داخل الشخصية المغربية، يتجاوز كونه مجرد صراع أخلاقي عابر.
وفي الوقت الذي اعتبر فيه البعض الخطاب الذي أعقب المباراة “عنصرية”، يرى يعقوبي أن هذا الأمر يصنف ضمن سياق “الصدمة الكاشفة” أو “الغيرة الجريحة” التي تستوجب التحليل العلمي لا الشيطنة الأخلاقية؛ موضحا في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن التفاعلات الرقمية بعد النهائي لم تكن تعبيرا عن انقسام أخلاقي بسيط بين “أخيار” و”أشرارد”، بل جسدت انقساما نفسيا-وظيفيا داخل البنية الاجتماعية المغربية.
ويستعرض الباحث ملامح هذا الانقسام؛ حيث برزت فئة تعتقد أن الوطن قيمة عليا وأن القيم الكونية مهما بلغت نبلها تفقد حيادها حين يصبح الوطن مستهدفا، بينما في المقابل، تشبثت فئة أخرى بخطاب حقوق الإنسان، متبنية موقفا يرى في أي تبرير للغضب المنفلت انزلاقا نحو الهمجية.
“ازدواجية المعايير”
وفي السياق، تساءل الباحث في علم النفس الاجتماعي حول ما أسماه “ازدواجية المعايير الكونية”، مبرزا أن بعض وجهات النظر تطالب بضبط الانفعالات، في الوقت الذي تُعلّق فيه المجتمعات الغربية قيمها الإنسانية بمجرد شعورها بتهديد وجودي.
ويرى في هذا الإطار، أن الخطاب الذي يدين “الغضب الوطني” باسم القيم الكونية يتناسى حقيقة نفسية أساسية، وهي أن “القيم لا تمارس في الفراغ”؛ موضحا أن المجتمعات التي تُصدّر خطاب حقوق الإنسان تُعلّقه عمليا عندما تشعر بتهديد كينونتها، والفرق الوحيد هو أنها “تقنّن هذا التعليق”.
وأكد المتحدث ذاته، “أننا، من منظور علم النفس الاجتماعي، أمام آليتين دفاعيتين: آلية الحماية الهوياتية، حيث يستدعي الغضب وتُعلّق الأخلاق مؤقتا دفاعا عن الكرامة والسيادة؛ وآلية الضبط القيمي، حيث يقمع الانفعال ويستدعى القانون والأخلاق خوفا من الفوضى الرمزية”.
وشدد المصدر على أن كلتا الآليتين مفهومة، غير أن “تجاهل الآلية الأولى وشيطنتها يعد خطأ تحليليا جسيما”.
ومن جانب آخر وضع فؤاد يعقوبي حدا فاصلا بين مفهومين يقع بينهما خلطٌ وصفه بـ”الكسل العلمي” وهما: العنصرية والغضب.
وفسر أن العنصرية خطاب إقصائي بنيوي ودائم تجاه الآخر، بينما “الغضب الهوياتي”، وفقاً لتعبيره، هو حالة انفعالية ظرفية، ورد فعل طبيعي على الإحساس بالإهانة وازدواجية المعايير.
وشدد على أن “إنكار الغضب الوطني أو محاولة اختزاله في الهمجية هو خطأ تحليلي”، مؤكدا أن المجتمعات القوية هي التي تناقش غضبها وتفهمه كأداة للدفاع عن الذات، بدلا من كبته وتحويله إلى انفجارات غير محسوبة.
تفعيل القانون
وفي مقابل ذلك، أعرب حقوقيون عن قلقهم البالغ إزاء الأحداث المؤسفة التي شهدها نهائي كأس إفريقيا 2025 بملعب مولاي عبد الله بالرباط، وما أعقبها من انتشار واسع لدعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تتضمن خطابا تمييزيا وعنصريا ضد المهاجرين الوافدين من الدول الإفريقية المقيمين بالمغرب.
وفي هذا السياق، أشارت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان إلى أن المغرب تبنى منذ سنة 2013 الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، التي شكلت تحولا حقوقيا وسياسيا في تدبير قضايا الهجرة، وكرست مقاربة إنسانية ترتكز على الحقوق والحماية والاندماج.
كما أضافت أن الدستور المغربي لسنة 2011 ينص على تجريم التحريض على العنصرية والكراهية والعنف، وتمتيع الأجانب بالحريات الأساسية المعترف بها للمواطنين وفق الشروط التي يحددها القانون، وحظر كل أشكال التمييز، مؤكدا كذلك التزامات المغرب الدولية، وخاصة الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.
وقد أعلن المكتب التنفيذي للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان رفضه القاطع وإدانته لكل الدعوات والمحتويات الرقمية التي تم ويتم الترويج لها، والتي استهدفت المهاجرين القادمين من الدول الإفريقية بخطاب عنصري تمييزي وتحريضي يخالف التشريعات الوطنية والتزامات المغرب الدولية.
وفي هذا الإطار، طالبت المنظمة الحقوقية بتفعيل القانون والتطبيق الصارم للمقتضيات القانونية ضد كل الصفحات والأشخاص الذين شجعوا أو بثوا خطاب العنصرية والكراهية والعنف، نظرا لما تشكله هذه الدعوات من تهديد للكرامة الإنسانية.