story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

تجاوزت ربع مليون توقيع.. هل يمكن لعريضة الساعة الإضافية فرض تغيير أم تصطدم بالقوانين؟

ص ص

في الآونة الأخيرة، تحول الفضاء الرقمي المغربي إلى ساحة مفتوحة للاحتجاج بـ”جمع التوقيعات الإلكترونية”؛ فبمجرد ظهور قضية تثير الرأي العام، تسارع فعاليات مدنية ومواطنون إلى إطلاق عرائض إلكترونية تحصد آلاف التوقيعات في ساعات قليلة.

وفي مثال بارز على ذلك، تجاوزت التوقيعات على عريضة الساعة الإضافية ربع مليون توقيع، حيث بلغ عدد الموقعين 283 427 شخصًا، ما يعكس تعبئة جماهيرية واسعة، ويؤكد حجم الاستياء المجتمعي من استمرار هذا التوقيت وآثاره على الحياة اليومية والصحة النفسية للمواطنين.

وبقدر ما تعكس هذه الأرقام قوة التعبئة المجتمعية، فإنها تفتح باب التساؤل: هل تملك هذه العرائض سلطة قانونية تجبر المؤسسات على التغيير؟ أم يتم التعامل معها كونها مجرد صرخة افتراضية؟.

فمن منظور دستوري يشدد الحبيب استاتي زين الدين، الخبير في القانون الدستوري على أن “الأثر القانوني للعريضة مرتبط بمدى احترام المسار القانوني المحدد، وأن القوة العددية وحدها لا تحول التعبئة الرقمية إلى أثر مؤسسي ملزم”، وفي المقابل، يرى المحامي والحقوقي فاروق المهداوي أن “العرائض الإلكترونية تكتسب شرعية واقعية مستمدة من قوة المطالب التي تتضمنها، حتى وإن لم تحترم بالضرورة المساطر القانونية”.

بين قوة التعبئة والأثر القانوني

في هذا الصدد، يقدم الحبيب استاتي زين الدين، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، قراءة قانونية دقيقة لهذه الظاهرة، مشيرا إلى أن “الإجابة تقتضي التمييز بين مستويين؛ مستوى التعبير الرقمي الحر، ومستوى العريضة بوصفها آلية قانونية مؤطرة ضمن الديمقراطية التشاركية”.

وأوضح زين الدين، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن “تنامي ظاهرة العرائض الرقمية في الفضاء العمومي يطرح سؤال طبيعتها القانونية ومدى قدرتها على التأثير الفعلي في القرار العمومي داخل النظام القانوني المغربي”.

وأضاف أن راهنية هذا النقاش تتجدد مع قضايا مثيرة للجدل، مثل موضوع الساعة الإضافية، حيث “تجاوز عدد الموقعين على عريضة رقمية تطالب بالعودة إلى التوقيت القانوني عتبة 200 ألف توقيع”.

ويرى أن هذا الرقم “يعكس قوة التعبئة المجتمعية”، لكنه في المقابل “يطرح حدود هذا النوع من المبادرات من حيث الأثر القانوني”، مشددًا على أن “القوة العددية، على أهميتها، لا تتحول تلقائيًا إلى أثر مؤسسي ملزم”.

يندرج حق تقديم العرائض ضمن ما ينص عليه دستور المملكة المغربية 2011، الذي أقر آليات الديمقراطية التشاركية، غير أن تفعيل هذا الحق يخضع لقوانين تنظيمية.

غير أن هذا الحق، كما يوضح زين الدين، “لم يُترك دون تنظيم، بل أحيل إلى قوانين تنظيمية تضبط شروط ممارسته وحدوده، ضمانًا لنجاعته وحسن توظيفه”.

وعلى مستوى السلطات العمومية المركزية، ينظم هذا الحق القانون التنظيمي 44.14 المتعلق بالعرائض كما تم تعديله بالقانون التنظيمي 70.21.

ويفصل استاتي زين الدين هذه الشروط موضحًا أن “العريضة، لكي تكتسب صفة قانونية، يجب أن تستوفي جملة من الشروط الدقيقة”، من أبرزها أن تكون صادرة عن المواطنات والمواطنين فقط، دون الجمعيات كشخص معنوي، وأن ترتبط بالمصلحة العامة، فضلا عن صياغتها بشكل واضح ومعلل، ودعمها بعدد كافٍ من التوقيعات الموثقة بهويات أصحابها.

ويضيف أن القانون يشترط “حدًا أدنى يبلغ 4000 توقيع مدعم بمعطيات تعريفية دقيقة”، مع “التقيد بمسطرة الإيداع لدى الجهة المختصة عبر القنوات المحددة، بما في ذلك الإمكانية الإلكترونية الرسمية من خلال البوابة الوطنية للمواطنة التشاركية”.

كما يؤكد على ضرورة “ألا تمس العريضة بالثوابت الدستورية أو النظام العام، وألا تتعلق بقضايا معروضة على القضاء أو تدخل في مجالات مستثناة كالأمن والدفاع”.

ويشدد الأستاذ الجماعي على أن “العرائض الرقمية التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذا لم تحترم هذه الشروط والمساطر، لا تعتبر عرائض بالمعنى القانوني”، مهما بلغت أهميتها.

ويضيف أنها “تظل تعبيرًا جماعيًا أو وسيلة تعبئة وضغط رمزي أو سياسي”، وقد “يكون لها أثر في توجيه النقاش العمومي أو التأثير غير المباشر في القرار”، لكنها “لا تلزم السلطات العمومية قانونًا بدراستها أو التفاعل معها وفق مسطرة العرائض”.

وفي هذا السياق، يستشهد بحالة العريضة الرقمية المتعلقة بالساعة الإضافية، معتبرا أنها “تجسد هذا الوضع بشكل جلي”، إذ رغم “تجاوزها مئات الآلاف من التوقيعات، أي ما يفوق بكثير العتبة القانونية المطلوبة”، فإنها تظل “في غياب احترام المسطرة القانونية (تشكيل لجنة، والتحقق من الهوية، الإيداع عبر القنوات الرسمية)، خارج نطاق العريضة القانونية”.

ويخلص استاتي زين الدين إلى أن “الأثر القانوني للعريضة لا يقاس بانتشارها الرقمي أو عدد التفاعلات حولها، بل بمدى احترامها للمسار القانوني المحدد”. فالعريضة التي تستوفي شروطها “تدرج ضمن آلية مؤسساتية تلزم الإدارة أو المجلس التداولي بدراستها والرد عليها”، بينما تبقى غيرها “في حدود التأثير السياسي أو الإعلامي”.

وفي ضوء ذلك، يشدد المتحدث ذاته على أن المغرب انتقل “دستوريًا من منطق الاحتجاج غير المؤطر إلى منطق الاحتجاج المؤسسي”، غير أن تفعيل هذا التحول “يظل رهينًا بمدى وعي المواطنين والفاعلين المدنيين بهذه الآليات، وقدرتهم على ممارستها بشكل صحيح”.

ويؤكد على أن “التدرب على استعمال العرائض وفق الشروط القانونية، والانخراط في مساراتها الإجرائية، يشكلان مدخلًا أساسيًا لتحويل التعبئة الرقمية إلى تأثير فعلي داخل دوائر القرار”، بما يجعل العريضة “أداة حقيقية في صناعة السياسات العمومية، لا مجرد وسيلة للتعبير”.

شرعية واقعية مقابل تعقيد قانوني

من زاوية أخرى، يقدم فاروق المهداوي، المحامي ونائب رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، قراءة موازية، مشيراً في نفس الوقت إلى أن “دستور 2011 أسس لاعتماد المغرب لأسلوب الديمقراطية التشاركية في تدبير وإنتاج السياسات العمومية”.

غير أنه يسجل في المقابل أن “القانون المنظم لتقديم العرائض جاء معقدًا من حيث المساطر، مما جعل تفعيل هذه الآلية والاستفادة منها في الواقع المغربي أمرًا صعبًا”.

ويرى المهداوي أن هذا التعقيد ساهم في بروز بدائل، موضحًا أنه “لذلك برزت بدائل لهذه الآليات المعقدة، إذ أصبحت بعض الفئات تلجأ إلى تقديم عرائض محلية بهدف تغيير أو تحسين أوضاع تهم المصلحة المشتركة”.

مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، يؤكد المهداوي أن “العرائض الإلكترونية ظهرت كوسيلة جديدة للتعبير”، مضيفًا أنه “رغم أنها لا تستند دائمًا إلى إطار قانوني مضبوط ولا تحترم بالضرورة المساطر القانونية، فإنها تكتسب شرعية واقعية مستمدة من قوة المطالب التي تتضمنها”.

ويستدل بدوره بحالة الساعة الإضافية، مشيرًا إلى أن “عددًا كبيرًا من المغاربة، دون استثناء تقريبًا، عبّروا عن استيائهم من اعتماد هذا التوقيت”، خاصة بسبب “آثاره النفسية والصحية وانعكاساته على الحياة اليومية”.

كما يبرز أن هذه العريضة “حظيت بدعم واسع، حيث بلغ عدد الموقعين عليها، حسب بعض التقديرات، حوالي 200 ألف توقيع”، وهو رقم “يعكس بوضوح قوة المطلب المجتمعي، ولا يمكن اعتباره مجرد رقم غير ذي دلالة”.

انطلاقًا من ذلك، يرى المهداوي أن “هذه الآليات الرقمية يمكن اعتبارها وسائل ضغط جديدة ومهمة في المشهد السياسي والحقوقي”، كما تشكل “فرصة لمطالبة الحكومة والبرلمان بإعادة النظر في المساطر المنظمة لتقديم العرائض”.

ويشدد على أن الهدف يجب أن يكون “تفعيل مبدأ الديمقراطية التشاركية على أرض الواقع، وليس الاكتفاء بالنص عليه في الدستور فقط”.