بعد الإطاحة بهولندا.. خمس خلاصات من مباراة الأسود والطواحين
لم يكن التأهل الذي حققه المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم، إلى دور الثمن من بطولة كأس العالم 2026، أمام المنتخب الهولندي، أحد أقوى المنتخبات العالمية، مجرد انتصار عابر لعب فيه عاملا الحظ والصدفة دورهما في المرور على حساب واحد من المنتخبات المرعبة التي كانت مرشحة للذهاب بعيدة في البطولة العالمية، بل عكس حجم التطور الذي عرفه المشروع الكروي المغربي على مستوى المنتخبات، أمام أحد أبرز مدارس كرة القدم العالمية.
وبين التأهل الصعب الذي جعل المغاربة يعيشون ليلة بيضاء، أملا في رؤية منتخبهم يكرر إنجاز قطر سنة 2022، وما حملته المباراة من تفاصيل كثيرة، كانت حاسمة في فرز المتأهل للمرور للدور المقبل، تمة خلاصات مهمة كشفت عنها هذه المباراة، تعكس قيمة الشخصية التي بات يتحلى به المنتخب الوطني في السنوات الأخيرة، خاصة تحت قيادة محمد وهبي الذي تحمل المسؤولية ثلاثة أشهر فقط قبل انطلاق البطولة العالمية.
شخصية الأسود
بالعودة إلى تفاصيل مواجهة يوم الثلاثاء 30 يونيو 2026، بين أسود الأطلس والطواحين الهولندية، يتضح أن المنتخب الوطني المغربي لم يعد ذلك المنتخب الذي يكتفي بالمشاركة من أجل المشاركة، بل أصبح يدخل المباريات الكبرى بعقلية مختلفة عن السنوات الماضية، وبشخصية تنافسية تسمح له بمقارعة المنتخبات العالمية بثقة وهدوء.
ولعل طريقة لعبه أمام المنتخب الهولندي الذي يعتبر الأب الروحي لمفهوم الكرة الشاملة، يؤكد أن تصنيفه كسابع أحسن منتخب في العالم لم يأت بضربة حظ، بل بعمل قاعدي على مدى سنوات بدأ يعطي ثماره منذ مونديال 2022، وتأكد مع مونديال 2026.
وقد استحوذ المنتخب الوطني في مباراته أمام هولندا بشكل كبير على اللعب إذ بلغت نسبة استحواذه على الكرة 70%، فضلا عن التحكم في إيقاع المباراة، ومجريات اللعب، وخلق متاعب كبيرة للمنتخب الهولندي الذي ظهر باهتا أمام اللعب الشامل والأسلوب السلس للعناصر الوطنية، مكتفيا بالركون إلى الخلف والاعتماد على الهجمات المرتدة.
ولذلك، فإن الحضور المغربي في كأس العالم لم يعد مرتبطا بعامل المفاجأة كما حدث في نسخة قطر 2022، بل أصبح امتدادا لمشروع رياضي متكامل جعل “أسود الأطلس” رقما صعبا في المنافسات الدولية.

قراءة محمد وهبي
أبان المستوى الذي ظهر به المنتخب الوطني أمام الطواحين الهولندية، عن حجم العمل الذي يقوم به الناخب الوطني محمد وهبي وطاقمه المساعد، والذي عكسه العمل التكتيكي على أرضية الملعب، سواء من خلال الاختيارات البشرية الذي بدأ بها المباراة أو البدلاء الذي أعطوا نفسا جديدا لإيقاع اللعب، خاصة الجناح شمس الدين طالبي الذي كان وراء التمرية الحاسمة التي أثمرت هدف التعادل، وسفيان رحيمي، الذي عاكسه الحظ في هز الشباك للمرة الثانية خلال هذه البطولة، وسمير المواربيط الذي ضخ دخوله دماء جديدة وأعاد التوازن المطلوب لخط وسط أسود الأطلس.
وفي طريقة تدبيره للحظات اللقاء، حاول محمد وهبي إيجاد التوازن بين الصلابة الدفاعية بقيادة الثنائي عيسى ديوب وشادي رياض، والسرعة في التحول نحو الهجوم، معتمدا على لاعبي الوسط والأظهرة مع توظيف إمكانيات كل اللاعبين بما يخدم الخطة الموضوعة، وهو ما جعل المنتخب الهولندي يبدو ضعيفا أمام قوة العناصر الوطنية، وعكس بالمقابل التطور في قدرة المنتخب الوطني على تغيير أسلوبه حسب طبيعة المنافس.
وقد أثمرت هذه الخيارات وهذا النهج التكتيكي لمحمد وهبي أداء متوازنا لأسود الأطلس، الذين نجحوا في فرض شخصيتهم خلال المباراة، وهو ما مكنهم من شل حركة المنتخب الهولندي الذي لم يهدد مرمى الحارس ياسين بونو، إلا في مناسبات قليلة، أثمرت إحداها هدف التقدم، وخلقوا في المقابل فرصا حقيقية أكدت القيمة الكروية الكبيرة التي بات يتوفر عليها المنتخب الوطني.
تألق النجوم
يقال في عالم كرة القدم، “إن اللاعب الكبير هو من يظهر في المباريات الكبيرة”، ولعل هذه المقولة تجسدت خلال مباراة المغرب وهولندا في أكثر من لاعب مغربي، بحيث برز عدد من اللاعبين الذين حملوا حلم شعب بأكمله على أكتافهم، وجسدوا قتاليتهم وتضحيتهم من أجل القميص الوطني، بالعرق والدم فوق أرضية الملعب، سواء من خلال الحضور الفني أو الجانب القيادي.
ولعل من أبرز هؤلاء اللاعبين، أشرف حكيمي الذي أكمل حاليا مباراته الـ 100، رفقة أسود الأطلس، حيث قدم سخاء كرويا استثنائيا على غرار باقي المباريات، بالرغم من الموسم الكروي الشاق الذي قضاه رفقة فريقه باري سان جيرمان الفرنسي. إذ لعب دورا دفاعيا كبيرا في شل حركة الطواحين الهولندية، وفي نفس الوقت شكل مصدر إزعاج دائم للحارس بارت فيربروخن، الذي هدد مرماه في أكثر من مناسبة، وتبقى أبرزها تلك التي ارتطمت فيها الكرة بالعارضة بعد تسديدة قوية مع بداية الشوط الثاني.
ومن بين النجوم أيضا، نصير مزراوي، الذي قاتل بكل جوارحه، وكان مصدر أمان على الجهة اليسرى في مقابل الوحش دينزل دومفريس، والخطير كريسينسيو سومرفيل، الذي قاد الهجمة التي أثمرت الهدف الأول للهولنديين بقدم كودي خاكبو.
وبالرغم من قيمة وقوة الجهة اليمنى للمنتخب الهولندي، إلا أن مزراوي المقاتل الذي يجيد اللعب في مراكز متعددة داخل الملعب، وقفا سد منيعا أمام الهجمات الهولندية.
ويبقى مزاوي من طينة اللاعبين التي تعفي الطواقم التقنية من التفكير في البدائل المناسبة لكل مركز، إضافة إلى أنه يعطي هامشا للمدرب في ضم لاعبين إضافيين للمراكز التي تعرف ضعفا، وتوفر له التغييرات وسط المباريات، وهو ما حصل حينما تم تغيير مركزه من ظهير أيسر، علما أنه في العادة يشغل ظهير أيمن، إلى مدافع أوسط، بعد إصابة المدافع شادي رياض.
عيسى ديوب هو الآخر، أبلى البلاء الحسن في سهرة الثلاثاء، كبرج مراقبة يرصد حركات المهاجمين الهولندين، خاصة الوحش براين بروبي، الذي لم تفلح قوته ولا مهاراته في بلوغ شباك الحارس ياسين بونو.
إلى جانب ذلك، كان عيسى ديوب يقود في نفس الوقت خط دفاع الأسود باستماتة وقتالية كبيرتين، فضلا عن تسجيله لهدف التعادل في آخر دقائق المباراة، وهو الهدف الذي أعاد العناصر الوطنية إلى المواجهة، بعدما كان المنتخب الوطني متأخرا بهدف دون رد.
أداء ديوب استحق عليه التتويج بجائزة رجل المباراة في ليلة بصم خلالها على حضور لافت، وقاد منتخب بلاده إلى تقديم واحدة من أفضل مبارياته في البطولة العالمية.
وخلف هؤلاء، كان جدار الصد المنيع، ياسين بونو، الذي تألق كعادته في الدفاع عن مرماه، وساعد زملاءه بشكل كبير في خطف بطاقة التأهل من الهولنديين، خاصة خلال الضربات الترجيحية، التي ابتسم فيها الحظ لأسود الأطلس.
وإلى جانب هؤلاء، أبلى كل من نائل العيناوي، وأيوب بوعدي، وسمير المورابيط وبلال الخنوس، وعز الدين أو ناحي، وإسماعيل الصيباري، وباقي اللاعبين البلاء الحسن في الدفاع عن القميص الوطني، إذ أبانوا عن انضباط تكتيكي كبير، وروح قتالية عالية، وانسجام واضح بين الخطوط، ما مكن المنتخب المغربي من مجاراة نظيره الهولندي وفرض نفسه ندا قويا في مختلف أطوار المباراة.
الفعالية واستغلال الفرص
يرى المتتبعون لكرة القدم، أن المنتخب الوطني يعتبر من بين المنتخبات القوية في هذه البطولة، المتكاملة الصفوف التي تجيد اللعب الجماعي والسلس، والخروج بالكرة تحت الضغط وسرعة التحولات، مع خلق الفرص بكثرة، إلا أنه لا زال يعاني في ترجمة هذه الفرص إلى أهداف، إذ يعد المنتخب الوطني، خلال هذه البطولة، المنتخب الأكثر خلقا للفرص وفي نفس الوقت الأكثر تضييعا لها، وهذا الأمر قد ينعكس عليه بشكل سلبي في بعض المباريات، وهو ما كاد أن يحصل في مباراته أمام هولندا.
فقبل أن يسجل منتخب الطواحين هدفه الأول، الذي جاء عكس مجريات اللعب عبر هجمة مرتدة، سيطر أسود الأطلس بالطول والعرض على مجريات المباراة، وخلقوا العديد من الفرص الحقيقية، التي كان ينقصها شيء من التركيز والفعالية أمام المرمى لهز الشباك الهولندية، وهو ما لم يحصل.
ولولا الهدوء والعامل الذهني والنضج التكتيكي الكبير الذي أصبح يتميز به المنتخب الوطني، لاستطاع المنتخب الهولندي الحفاظ على تقدمه في النتيجة، وخطف بطاقة التأهل، خاصة وأن هدف التعادل جاء في الوقت الإضافي للمباراة.
ولذلك، فرغم الصورة الإيجابية التي ظهر بها المنتخب الوطني، فإن المباراة كشفت بالمقابل، عن بعض الجوانب التي تستوجب الاشتغال عليها خلال الأدوار المقبلة، وهي استغلال أنصاف الفرص والفعالية أمام المرمى، حتى يسهل عليه الأمر في المرور إلى الأدوار المقبلة، لأنه في مباريات خروج المغلوب، تصبح التفاصيل الصغيرة حاسمة في نتيجة المباراة.
الأدوار القادمة
بعد المستوى الكبير الذي ظهر به المنتخب الوطني، في المباريات الأربع التي خاضها لحد الآن ببطولة كأس العالم لكرة القدم 2026، لم يعد أسود الأطلس في حاجة إلى إثبات مكانتهم كأحد أبرز المنتخبات المرشحة للذهاب بعيدا في هذه البطولة، خاصة بعد تجاوزهم عقبة المدرسة الهولندية، في امتحان أظهر المستوى العالي الذي بلغه أبناء محمد وهبي.
ومع التأهل إلى دور الثمن وملاقاة المنتخب الكندي السبت المقبل، أحد البلدان المستضيفة للبطولة، تدخل المجموعة الوطنية مرحلة جديدة من الحلم نحو تكرار إنجاز قطر قبل أربع سنوات، خاصة وأن المنتخب الكندي ليس بتلك القوة التي يتميز بها المنتخب الهولندي أو المنتخب البرازيلي. غير أن هذا العامل قد يؤثر بشكل عكسي إذا تم التساهل مع الخصم، ولنا في مباراة هايتي، ورغم الفوز العريض بنتيجة 2-4، خير دليل، بالنظر للصعوبات التي خلقها منتخب “الرماة” للمنتخب الوطني بالرغم من تحقيق نتيجة الفوز.
وإذا ما تم استحضار حجم الفرص الضائعة سواء أمام هولندا أو خلال المباريات السابقة، سيكون لزاما على المنتخب الوطني التركيز على استغلال الفرص والرفع من منسوب الفعالية أمام المرمى من أجل ترجمة هذه الفرص إلى أهداف، مع تفادي بعض الهفوات التي قد تكلف غاليا (نموذج مباراتي هولندا، وهايتي) أمام منتخبات تمتلك من الخبرة والجودة ما يجعلها قادرة على استغلال أدق التفاصيل لحسم المباراة.
وفي ظل المعطيات والأداء العام الذي قدمه المنتخب الوطني إلى حدود اللحظة، يبدو أن أسود الأطلس يملكون من المقومات ما يؤهلهم لمواصلة هذه المغامرة المونديالية، وذلك بالنظر لما تزخر به المجموعة الوطنية من لاعبين بقيمة كبيرة، يجمعون بين المهارة والخبرة والطموح، إلى جانب طاقم تقني بقيادة محمد وهبي، أبان، منذ تسلم مهامه شهر مارس الماضي، عن قدرة كبيرة على قراءة المباريات والتكيف مع مختلف السيناريوهات.
وفي هذا السياق، سبق أن صرح وهبي قائلا، قبل مواجهة هولندا: “نملك خطة لكل شيء ولا نركز على لاعب بعينه”، مبرزا أن قوة الأسود تتجلى في قوة وانسجام المجموعة، وليس التركيز على لاعب بعينه.