بعد أكثر من عقد على دسترتها.. سياسيون وأكاديميون يشخصون أعطاب تنزيل الجهوية المتقدمة
شكل موضوع الجهوية المتقدمة محور نقاش بين عدد من الفاعلين السياسيين والأكاديميين والمنتخبين، خلال مائدة مستديرة نظمها “منتدى المتوسط للتبادل والحوار”، يوم الخميس 25 يونيو 2026 بالرباط، خُصصت لتقييم حصيلة هذا الورش الاستراتيجي بعد أكثر من عقد على دسترته، والوقوف عند أبرز الإكراهات التي ما تزال تحد من تنزيله على أرض الواقع.
وأجمع المتدخلون، خلال هذا اللقاء، رغم اختلاف زوايا المقاربة، على أن تعثر التنزيل يرتبط باستمرار عدد من الإكراهات المؤسساتية والقانونية والمالية، في مقدمتها محدودية الاختصاصات، وبطء اللاتمركز الإداري، وضعف الموارد، إلى جانب الحاجة إلى إرادة سياسية أقوى لإنجاح هذا الورش.
وشكل هذا الحدث مشاركة عدد من الفاعلين السياسيين والأكاديميين والمنتخبين الذين راكموا تجارب في تدبير الشأن الجهوي، من بينهم امحند العنصر وزير الداخلية والأمين العام السابق لحزب الحركة الشعبية، الحبيب الشوباني، الرئيس السابق لجهة درعة تافلالت، عبد الصمد حيكر النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، إلى جانب كل من حسن العرفي أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط ، عبد العالي دومو رئيس جهة مراكش آسفي سابقا، ثم رشيد روكبان الرئيس السابق لفريق التقدم والاشتراكية وعزيز هلالي رئيس رابطة المهندسين الاستقلاليين .
لا جهوية سياسية دون جهوية اقتصادية
وفي سياق تشخيص أعطاب التنزيل، خاصة ما يتعلق بتعثر اللاتمركز الإداري ومحدودية الاختصاصات الفعلية للجهات، استعاد امحند العنصر، الأمين العام السابق للحركة الشعبية، المسار التاريخي للجهوية بالمغرب، معتبرا أن تجربة سنة 1997 شكلت الانطلاقة المؤسساتية الأولى للجهات، رغم ما شابها من اختلالات.
وقال وزير الداخلية السابق، إن “الحديث عن جهوية سياسية حقيقية يظل غير ممكن دون إرساء جهوية اقتصادية تمنح الجهات القدرة على إنتاج الثروة وتدبير مواردها باستقلالية أكبر”.
وسجل العنصر خلال مداخلته أشكال التفاوت الهوياتي الذي عرفه التقسيم الترابي للجهات بالمغرب سابقا، موضحا أن “التقسيمات الجهوية السابقة لم تكن تراعي دائما الهوية التاريخية والثقافية للمجالات الترابية، وهو ما أثر على قدرتها على بناء دينامية تنموية متجانسة”. كما اعتبر أن “الجهوية لم تنجح إلى حدود اليوم في تلبية طموحات الملك ولا انتظارات المواطنين، بسبب محدودية الاستقلالية الاقتصادية للجهات وضعف الصلاحيات المخولة لها”.
إلى جانب ذلك، اعتبر المتحدث، أن تعثر تنزيل ميثاق اللاتمركز الإداري “شكل أحد الأسباب الرئيسية وراء محدودية نتائج هذا الورش”، مؤكدا أن “هناك حالة من خيبة الأمل لدى المواطنين نتيجة بطء التنزيل وعدم انعكاسه على واقع التنمية الترابية”.
تعدد المتدخلين وغموض الاختصاصات
من جهته، ركز عبد العالي دومو، الرئيس السابق لجهة مراكش آسفي باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، على الإشكالات البنيوية التي تطبع التنظيم الترابي المغربي.
وقال في هذا الصدد إن “تعدد المتدخلين بين الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص يؤدي إلى تشتت الجهود وإهدار الموارد، في ظل غياب وضوح كاف في توزيع الاختصاصات”.
واعتبر دومو أن “المنتخب الجهوي يتحمل مسؤولية سياسية مباشرة أمام المواطنين بشأن مختلف المطالب الاقتصادية والاجتماعية، في حين تبقى صلاحياته الفعلية محدودة مقارنة بالسلطات الواسعة التي تمارسها الإدارة المركزية وممثلوها”.
وأشار المتحدث، إلى أن “غموض الصلاحيات وتداخل الأدوار ينعكسان سلبا على فعالية التنمية الجهوية ويؤديان إلى ضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين”.
وفي استحضارٍ لتجربته التدبيرية السابقة لجهة مراكش آسفي، انتقد دومو المقاربة التنموية القائمة على منطق التنافسية بين المجالات الترابية، مستشهدا بنموذج جهة مراكش آسفي، “حيث استطاعت مدينة مراكش تحقيق طفرة اقتصادية”، على حد وصفه، بفضل السياحة والصناعة التقليدية، بينما ظلت مناطق مجاورة مثل شيشاوة واليوسفية عاجزة عن تحقيق النتائج نفسها بحكم اختلاف خصوصياتها وإمكاناتها.
ودعا في هذا النطاق إلى اعتماد سياسات تنموية تراعي خصوصيات كل مجال ترابي، مع تعزيز الانسجام الوطني، خاصة في أفق تنزيل مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية.
الإصلاح المالي مدخل أساسي
ومن جانب آخر، تناول حسن العرفي الاستاذ الجامعي والمتخصص في المالية العمومية زاوية التمويل الجهوي، معتبرا أن “إصلاح الدولة يظل مرتبطا بإصلاح ماليتها، وأن البعد المالي يمثل المدخل الأساسي لإنجاح أي مشروع ديمقراطي أو تنموي”، لافتا إلى أن “الاهتمام الملكي المتواصل بورش الجهوية، والذي تجسد في عشرات الرسائل والخطب الملكية، يعكس المكانة الاستراتيجية لهذا الخيار”.
وأكد العرفي في مداخلته، أن الجهوية أصبحت “خيارا استراتيجيا لا رجعة فيه، ولم تعد اختيارا”، إلا أنه ربط نجاحها بتنزيل اللاتمركز الإداري بشكل حقيقي يواكب نقل الاختصاصات على مستوى النص والتطبيق.
وانتقد الأستاذ الجامعي، “منح الجهات اختصاصات لا تتوفر حاليا على الوسائل الكافية لتفعيلها، في الوقت الذي تعي الدولة ذلك العجز، وتتجه إلى استعادة هذه الاختصاصات عبر باب الاختصاصات المشتركة”، معتبرا أن هذا الأمر يضعف دور الجهة ويحد من فعاليتها.
وشدد المتحدث على “ضرورة توجيه المشاريع نحو الأولويات الحقيقية للمجالات الترابية، وضمان الاستدامة المالية، وتعزيز الحكامة والشفافية في تدبير الشراكات والتمويلات، فضلا عن الاستثمار في الكفاءات التدبيرية والتقنية القادرة على مواكبة تعقيدات التنمية الترابية الحديثة”.
مواكبة الدولة
اختار الحبيب الشوباني، الرئيس السابق لجهة درعة تافيلالت، مقاربة موضوع الجهوية من خلال تجربة التدبير الجهوي، إذ أوضح أن نجاح هذا الورش يتطلب “تعاقدا سياسيا جديدا يعيد الثقة للمواطنين في تدبير الشأن الترابي”.
واستحضر الشوباني تجربة البث المباشر لجلسات مجلس جهة درعة تافيلالت باعتبارها “تجربة عززت الشفافية ومكنت المواطنين من متابعة كيفية اتخاذ القرارات المتعلقة بتدبير شؤونهم المحلية، وبالتالي تقدير مجهود المنتخبين والعملية التدبيرية لشؤونهم” على حد تعبيره.
غير أن الرئيس الجهوي السابق، سجل وجود مجموعة من الكوابح التي تحد من استقلالية القرار الجهوي، من بينها “تدخل السلطة المركزية بشكل متكرر في مراجعة البرامج والخطط الجهوية، بشكل لا يسمح باكساب التجربة، أو الحق في إعطاء فرصة للخطأ من أجل التعلم” على حد قوله.
وبالتالي اعتبر الشوباني أن مواكبة الدولة لمسار صناعة القرار الديمقراطي على المستوى الجهوي والمحلي أكثر أهمية على المدى الاستراتيجي من إنجاز بعض المشاريع المادية، لأنها تساهم في بناء مؤسسات جهوية قوية وقادرة ومتمكنة من تدبير شؤونها وفق خصوصياتها الترابية.
من جانبه، تناول النائب البرلماني والمستشار الجماعي بجماعة الدار البيضاء، عبد الصمد حيكر، مستجدات القوانين التنظيمية المرتبطة بالجماعات الترابية والجهات، مشددا على أن أي مراجعة للقانون التنظيمي للجهات لا يمكن أن تتم بمعزل عن باقي القوانين المؤطرة للجماعات الترابية.
وأكد حيكر خلال مداخلته على أن “الجهوية المتقدمة ينبغي أن ترتكز على تعميق اللامركزية وتعزيز الديمقراطية المحلية عبر انتخابات حرة ونزيهة، داعيا إلى القطع مع حالة التردد التي ما تزال تطبع تنزيل اللاتمركز الإداري”.
كما أشار المتحدث إلى أن” نجاح هذا الورش كان يقتضي منذ البداية توفير موارد بشرية مؤهلة قادرة على مواكبة حجم الاختصاصات والتحديات المطروحة على الجهات”.
ضعف النخب السياسية
أما رشيد روكبان، الرئيس السابق لفريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، فقد حمّل الأحزاب السياسية جزءا من المسؤولية في الاختلالات التي تعرفها التنمية الجهوية، معتبرا أن طبيعة النخب التي يتم الدفع بها لتدبير الشأن الجهوي “تشكل عاملا حاسما في نجاح أو فشل التجربة الجهوية”.
ودعا روكبان إلى “الارتقاء بمعايير اختيار المرشحين وتوفير نخب قادرة على تحمل مسؤولية تدبير المجالات الترابية بكفاءة وفعالية”، معتبرا أن أهم مدخل لإنجاح هذا الورش الجهوي الترابي، هو المدخل الدستوري، يليه توفر إرادة سياسية وطنية قوية تتجسد في قوانين واضحة وآليات تنفيذ فعالة.
وفي نقطة أخرى، شدد المصدر على “ضرورة التمييز بين الاستقلال المالي النظري والاستقلال المالي الفعلي للجهات”، موضحا في هذا الصدد “أن الاعتراف القانوني بالاستقلالية المالية لا يعني بالضرورة قدرة الجهات على ممارستها على أرض الواقع”.
موقع الجهوية داخل الأجندة الحزبية
وفي مقابل التركيز المتكرر على إشكالات الاختصاصات والتمويل، دعا عزيز هلالي عن حزب الاستقلال إلى فتح نقاش سياسي حول موقع الجهوية داخل الأجندة الحزبية الوطنية، متسائلا عن أسباب ضعف الترافع السياسي من طرف الأحزاب لفائدة هذا الورش الاستراتيجي والمهم وطنياً.
كما طرح سؤالا حول مدى حضور قضية الجهوية المتقدمة ضمن البرامج الانتخابية للأحزاب وحجم الاهتمام الذي تخصصه لها في خطابها وممارستها السياسية.
وقال هلالي إن “نجاح الجهوية المتقدمة لا يرتبط فقط بتطوير الإطار القانوني أو نقل الاختصاصات والموارد، بل يتطلب أيضا انخراطا سياسيا وحزبيا قويا يجعل من هذا الورش أولوية وطنية دائمة”.
وخلص المتحدث إلى أن “الأحزاب السياسية تتحمل بدورها جزءا من المسؤولية في التعثرات التي يعرفها مسار التنزيل، إلى جانب الإكراهات التشريعية والمؤسساتية التي ما تزال تحد من فعالية الجهات وقدرتها على الاضطلاع بأدوارها التنموية”.