انتخابات 2026.. عدم ترشح ابن كيران ينعش الجدل حول “غياب” الوجوه القيادية التقليدية
حُسم بشكل نهائي مستقبل مشاركة عبد الإله ابن كيران في الانتخابات التشريعية المقبلة من عدمها، بعدما قررت الأمانة العامة لـحزب العدالة والتنمية عدم ترشيحه للاستحقاقات البرلمانية المقررة في 23 شتنبر 2026، واختيار كمال الكوشي وكيلا للائحة الحزب بدائرة سلا-المدينة، التي ظلت لسنوات معقلا انتخابياً لابن كيران.
وبحسب مصدر مطلع من داخل الحزب، فإن هذا القرار يأتي في سياق اعتبارات متعددة، من بينها الجانب الصحي الذي “بدأ ينزل بثقله”، دون أن يعني ذلك غياب ابن كيران عن المشهد السياسي أو تراجعه عن أدواره داخل الحزب.
وأوضح المصدر، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن الأمين العام للحزب “ما يزال حاضرا كفاعل سياسي ويواصل التعبير عن مواقفه بالطريقة التي يختص بها”، مضيفاً أن حضوره السياسي والتنظيمي لا يرتبط بالضرورة بعضوية البرلمان أو تقلد المناصب المنتخبة.
وشدد المصدر ذاته أن ابن كيران ظل يعتبر نفسه فاعلا سياسيا من موقعه التنظيمي والفكري، مشيرا إلى أن تأثيره داخل الحزب “لا يتوقف على الترشح أو عدمه”، بقدر ما يرتبط بدوره في توجيه الحزب وتأطير قواعده.
ويأتي هذا القرار بعد مسار انتخابي طويل لابن كيران داخل دائرة سلا-المدينة، حيث انتُخب نائبا برلمانيا عنها خمس مرات خلال استحقاقات 1999 و2002 و2007 و2011 و2016. وتمكنت اللائحة التي قادها في انتخابات 2011 من حصد ثلاثة مقاعد، قبل أن يتراجع تمثيل الحزب إلى مقعدين خلال اقتراع 2016.
وبحسب المعطيات المتداولة داخل الحزب، فإن ابن كيران يركز في المرحلة الحالية على هدف أساسي يتمثل في “تصدر الحزب للانتخابات المقبلة، أكثر من تركيزه على أي موقع حكومي محتمل”. وقال المصدر: “إذا جاء الحزب أولا، فالملك له الصلاحية الدستورية في اختيار من يراه أهلا لرئاسة الحكومة من داخل الحزب”.
وأشار المصدر إلى أن ابن كيران كان قد دافع سنة 2011 عما اعتبره “الآلية الديمقراطية” القاضية بتعيين المسؤول الأول عن الحزب المتصدر لنتائج الانتخابات، رئيسا للحكومة، غير أن موقفه اليوم يبدو أكثر مرونة، بعدما “ترك الباب مفتوحا”، في إشارة إلى أنه لم يعد متشبثا شخصيا بأي منصب، بقدر ما يراهن على عودة الحزب إلى صدارة المشهد السياسي.
وشدد، في هذا الإطار، على أن عدم ترشح ابن كيران “لن يكون له تأثير سلبي على الحزب”، معتبرا أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تطبعها المنافسة الشريفة والشفافية والتدافع السياسي الطبيعي، مع الأمل في أن تكون الساحة السياسية مهيأة لانتخابات تعكس الإرادة الشعبية وتضمن تكافؤ الفرص بين مختلف المتنافسين.
“غياب” الوجوه القيادية التقليدية
ولايبدو قرار عدم ترشح عبد الإله ابن كيران للانتخابات المقبلة، معزولا عن توجه سياسي أوسع، عنوانه “تراجع حضور الأمناء العامين للأحزاب تحت قبة البرلمان”. فبين اعتبارات صحية وحسابات انتخابية ورهانات مرتبطة بإعادة تشكيل المشهد الحزبي، تلوح ملامح برلمان قد يغيب عنه عدد من الوجوه القيادية التقليدية لأول مرة منذ سنوات.
وفي هذا الإطار، اعتبر الأستاذ الجامعي والقيادي الاشتراكي السابق، عبد الصمد بلكبير أن حضور رؤساء والأمناء العامين للأحزاب داخل البرلمان يظل “مفيداً جدا”، موضحا أن المؤسسة التشريعية، “كيفما كانت أوضاعها، من الأفضل أن تكون مكوّنة ولو جزئيا من الأمناء العامين للأحزاب، بما يضمن نوعا من التزكية الشعبية للقيادات الحزبية المنبثقة عن المؤتمرات الوطنية”.
وأضاف بلكبير، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن وجود الأمناء العامين تحت قبة البرلمان من شأنه أن يساهم في “تقليص الخلافات المصطنعة والصراعات الجدلية”، باعتبار أنهم “قادرون على حسم الخلافات بشكل سريع”، وهو ما قد ينعكس على تسريع وتيرة العمل البرلماني سواء على مستوى التشريع أو المراقبة أو الدبلوماسية البرلمانية.
ويرى بلكبير، في هذا الإطار، أن “هناك توجها عاما نحو عدم ترشح الأمناء العامين”، مبرزا أن هذا الأمر قد يرتبط بعدة اعتبارات، منها وجود إحاءات تفيد “بعدم امتلاكهم حظوظا انتخابية كافية، أو في إطار الدفع نحو التشبيب”.
ومن جانب آخر استحضر المتحدث قضية الصحراء المغربية، التي دخلت مرحلة حاسمة نحو التسوية النهائية لهذا الملف، موضحا أنه “ربما هناك أيضا من يريد برلمانا ضعيفا، في ظل تأثر المرحلة السياسية الحالية بدينامية التوصل إلى حل في قضية الصحراء المغربية، بحيث أنه ينتظر الإعلان عن دستور جديد وهو ما يعني حل البرلمان”.
وداخل هذا المشهد، تبدو الاستحقاقات الانتخابية المقبلة مرشحة لإعادة رسم ملامح المشهد الحزبي والسياسي بالمغرب. بحيث أن السؤال لم يعد مرتبطا فقط بالأسماء التي ستقود الأحزاب، بل أيضا بطبيعة التوازنات الجديدة التي ستفرزها صناديق الاقتراع، ومدى قدرة النخب السياسية على استعادة ثقة الناخبين في مرحلة توصف بأنها من أكثر المراحل حساسية وتحولا في الحياة السياسية الوطنية.