انتخابات 2026.. الأشخاص في وضعية إعاقة يطالبون الأحزاب بالانتقال من الرعاية إلى التمكين
مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تعود قضايا الأشخاص في وضعية إعاقة إلى واجهة النقاش حول البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية وسط مطالب بأن يتجاوز التعاطي معها منطق الدعم والرعاية إلى ضمان الحقوق والمشاركة والاستقلالية.
وفي سياق الاستحقاقات المقبلة، تتجه قضية الأشخاص في وضعية إعاقة إلى أن تكون جزءا من النقاش المرتبط بالانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 23 شتنبر 2026، في ظل تفاوت واضح بين الأحزاب السياسية في طبيعة المقترحات التي خصصتها لهذه الفئة.
وبينما تتناول البرامج الانتخابية ملفات الاقتصاد والشغل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والأسرة والشباب حضرت الإعاقة بدورها ضمن عدد من التصورات الانتخابية سواء من خلال مقترحات مرتبطة بمساندة الأسر والرعاية المنزلية أو عبر الحديث عن تمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من حقوقهم.
وفي هذا الإطار، يرى رئيس الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب، الحسين أعيش، أن التعامل مع الإعاقة لم يعد منسجما مع اختزالها في الرعاية أو المساعدة بالنظر إلى التحولات التي عرفتها المقاربة الحقوقية للإعاقة على المستويين الوطني والدولي.
كما يطرح هذا التفاوت في المقاربة سؤالا أساسيا حول موقع الأشخاص في وضعية إعاقة داخل السياسات العمومية المقبلة، وما إذا كانت البرامج الحزبية تنظر إلى الملف باعتباره مجالا للخدمات الاجتماعية فقط أم باعتباره قضية مرتبطة بمجموعة متكاملة من الحقوق
من الرعاية إلى الحقوق
يقول الحسين أعيش، إن قضية الإعاقة وفق التحولات التي عرفها التعامل معها على المستوى الدولي، لم تعد مرتبطة فقط بفكرة الرعاية أو الإحسان فالشخص الذي في وضعية إعاقة ينظر إليه باعتباره صاحب حقوق له كامل الحق في المساواة والاستقلالية والمشاركة وعدم التمييز.
ويضيف أن هذا التصور ينص عليه الفصل 34 من الدستور، إلى جانب قانون الإطار رقم 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها والذي يقوم على حماية الحقوق والحريات وتعزيز الاستقلالية والمشاركة والإدماج.
هذا، إلى جانب الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي صادق عليها المغرب، والتي تشمل حقوقا متعددة من بينها التعليم والعمل والصحة وإمكانية الوصول والعيش المستقل والمشاركة في الحياة العامة والسياسية.
ويرى المتحدث في هذا الإطار أن الرهان الأساسي اليوم لا يتعلق فقط بإدراج الأشخاص في وضعية إعاقة ضمن البرامج الانتخابية وإنما بمضمون الالتزامات التي تقدمها الأحزاب لهذه الفئة بدل الاكتفاء بإعادة التأكيد عليها في الخطاب السياسي.
دعم الأسر.. حاجة قائمة لكنها ليست كافية
ويتوقف أعيش عند حضور دعم الأسر والرعاية المنزلية والمواكبة الاجتماعية في بعض البرامج الانتخابية، معتبرا أن هذه الخدمات تستجيب لحاجات حقيقية، “فالأسر التي تضم أشخاصا في وضعية إعاقة قد تتحمل أعباء مادية واجتماعية ونفسية كبيرة كما أن بعض الحالات تحتاج إلى دعم مستمر في الرعاية والمساعدة”.
لكن المقاربة، بحسب رئيس الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب، لا ينبغي أن تختزل الشخص في الأسرة التي تتولى رعايته لأن احتياجاته تتجاوز الرعاية إلى مجموعة من الحقوق والخدمات.
ويشمل ذلك التعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية والولوجيات والنقل الميسر، إضافة إلى التكنولوجيا والخدمات الرقمية القابلة للولوج والسكن والثقافة والرياضة والمشاركة السياسية والمدنية.
كما يشدد على أهمية تمكين الشخص في وضعية إعاقة من ممارسة هذه الحقوق باستقلالية وعلى قدم المساواة مع الآخرين.
برامج انتخابية متفاوتة
وتكشف القراءة الأولية لعدد من البرامج الانتخابية عن اختلاف في طريقة تناول الأحزاب لقضايا الأشخاص في وضعية إعاقة.
ففي برنامج حزب التقدم والاشتراكية، ترد قضية الإعاقة ضمن محور التنمية البشرية مع التزام بـ”تمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من حقوقهم كاملة”.
وتحمل هذه الصياغة دلالة على اعتماد مقاربة حقوقية، غير أن تنزيلها يطرح بدوره أسئلة مرتبطة بطبيعة الإجراءات العملية التي يمكن أن تترجم هذا الالتزام خصوصا في مجالات التعليم الدامج والتشغيل والولوجيات والنقل والحماية الاجتماعية والصحة والمشاركة السياسية.
في المقابل، يركز حزب الاستقلال ضمن برنامجه الانتخابي المعلن تحت شعار “وطني.. مستقبلي”، على دعم الأسر التي تتولى رعاية كبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة.
ويقترح الحزب في هذا الإطار إحداث وتأطير مهنة “المساعد الأسري” وتنظيم خدمات الرعاية والمساعدة المنزلية، إلى جانب توفير خدمات للمواكبة الاجتماعية بهدف تخفيف الأعباء عن الأسر.
وتستجيب هذه المقترحات بحسب أعيش، لحاجات اجتماعية حقيقية خاصة بالنسبة إلى الأسر التي تتحمل مسؤوليات الرعاية اليومية غير أن مقاربة الإعاقة تحتاج، في المقابل إلى أن تضع الشخص نفسه في صلب السياسات العمومية بما يضمن له الاستقلالية والحق في التعليم والعمل والخدمات والمشاركة.
أما حزب التجمع الوطني للأحرار، فقد تضمن برنامجه السابق محورا خاصا بـ”مواكبة الأشخاص في وضعية إعاقة”، شمل عدد من المجالات، من بينها التغطية الصحية والوقاية والكشف المبكر وتكوين مساعدين متخصصين في الرعاية فضلا عن دعم الجمعيات وآليات مرتبطة بالحركية والعمل.
ويطرح هذا المعطى، وفق المصدر نفسه، سؤالا حول مدى استمرار هذه الالتزامات ضمن البرامج الحالية وما إذا كانت المقترحات السابقة قد انتقلت من مستوى الوعود الانتخابية إلى سياسات وإجراءات ملموسة.
فبالنسبة إلى الأشخاص في وضعية إعاقة لا يتعلق الأمر فقط بإدراج القضية ضمن البرامج الانتخابية، “وإنما بمعرفة الإجراءات التي ستعتمدها الأحزاب لتنفيذ التزاماتها والموارد التي ستخصص لها، والجهات المسؤولة عن تنفيذها وآليات تقييم النتائج”، يقول المتحدث.
التعليم والتشغيل والولوجيات
وتتجاوز مطالب الأشخاص في وضعية إعاقة مجال الدعم الاجتماعي لتشمل مجموعة واسعة من الحقوق والخدمات.
ويأتي التعليم الدامج في مقدمة هذه المطالب إلى جانب توفير المقررات والموارد التعليمية بصيغ ميسرة وضمان الولوج إلى التعليم العالي والتكوين.
كما يحضر التشغيل والإدماج المهني، فضلا عن الصحة والوقاية والتأهيل وإعادة التأهيل والحماية الاجتماعية.
وتشكل الولوجيات والنقل العمومي والولوج إلى الخدمات الرقمية والأجهزة والمعدات المساعدة بدورها ملفات أساسية، إلى جانب الحق في السكن والثقافة والرياضة والمشاركة السياسية والمدنية.
وبحسب المقاربة التي يطرحها رئيس الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب فإن هذه الملفات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مطالب منفصلة وإنما كجزء من سياسة عمومية متكاملة تستهدف ضمان استقلالية الأشخاص في وضعية إعاقة ومشاركتهم الكاملة في المجتمع.
انتظارات الأشخاص في وضعية إعاقة من الأحزاب
مع اقتراب موعد الاستحقاق التشريعي يوم 23 شتنبر الجاري، لا يبدو الرهان بالنسبة إلى هذه الفئة مرتبطا فقط بحضور قضية الإعاقة في البرامج الانتخابية بل بمدى وضوح الالتزامات وقابليتها للتنفيذ والقياس.
فالدعوة المطروحة هي أن تحدد الأحزاب أهدافا واضحة وآجالا للتنفيذ وموارد مالية، وجهات مسؤولة ومؤشرات تسمح بتقييم ما تحقق فعليا.
وبذلك، يصبح معيار تقييم البرامج الانتخابية بالنسبة إلى الأشخاص في وضعية إعاقة مرتبطا بما إذا كانت هذه البرامج تتعامل معهم باعتبارهم مستفيدين من الرعاية فقط أم باعتبارهم مواطنين أصحاب حقوق وشركاء في صياغة السياسات العمومية وصناعة القرار.
وفي هذا السياق، يتمثل المطلب الأساسي في الانتقال من مقاربة تركز على “ماذا سنقدم للأشخاص في وضعية إعاقة؟” إلى مقاربة أكثر ارتباطا بسؤال “كيف سنضمن لهم ممارسة حقوقهم كاملة وعلى قدم المساواة؟”، وهو انتقال يجعل من الإعاقة قضية مواطنة وحقوق ومساواة وتنمية، وليس مجرد ملف اجتماعي مرتبط بالرعاية والمساعدة.