الهركاوي للي فينا
قرأت تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول “السلوك المدني في الفضاءات العمومية”، وتصفّحته عدّة مرات، بنيّة “مبيّنة” لجمع عناصر تشكيل صورة عن “الهركاوي” المغربي ورسم بروفايله الكامل، وكدت أسقط في المحظور وأتسرّع بالحكم عندما طالعت الجزء الخاص بمعطيات كل من الأمن الوطني في المدن والدرك الملكي في البوادي؛ فكانت النتيجة أن “الهركاوي” المغربي ليس طبقة اجتماعية، ولا جيلا بعينه، ولا فئة يمكن عزلها في حي أو مدينة أو مستوى دراسي أو مجال حضري أو قروي.
إنه مزاج وطريقة في استعمال الفضاء العام كما لو كان خلاء لا ملكا مشتركا، ووعي ناقص بالمشترك ونزوع يومي إلى تحويل الحق إلى فوضى، والحرية إلى اعتداء، والذكاء إلى تحايل على القانون والناس والنظام.
الهركاوي هو ذلك المواطن الذي لا يكره الدولة بالضرورة، لكنه يريدها أن تحضر وبسرعة حين يكون ضحية، وتغيب كليا حين يكون هو المخالف. يطالب بالنظام في الشارع، لكنه يركن سيارته فوق الرصيف. يشتكي من الأزبال، لكنه يرمي علبة السجائر (بل وعقب السيجارة المشعلة) من نافذة السيارة. يحتج على تدهور المرفق العمومي، لكنه لا يجد حرجا في تلويثه، أو تخريبه، أو استعماله بعقلية الغنيمة بدل عقلية المواطن.
هذا هو تناقضنا الكبير ونصيبنا الجماعي من “تاهركاويت”. نريد فضاء عاما نظيفا، وآمنا، ومحترما، ومنظما؛ لكننا لا نتصرف دائما كما لو كنا شركاء في إنتاجه. ننتظر من الجماعة أن تنظف، ومن الشرطة أن تراقب، ومن الدولة أن تزجر، ومن الكاميرا أن تردع، ومن الخطيب والأستاذ والصحافي أن يَعِظوا، لكننا نهرب بشكل جماعي من سؤال ماذا يفعل المواطن حين لا يراه أحد؟
أخونا الهركاوي ليس مجرما بالضرورة، فهو لا يبدأ من ارتكاب الجريمة الكبرى. يبدأ من التفاصيل الصغيرة مثل تجاوز الواقفين في الصف، ورفع الصوت الصادر عن هاتفه في القطار أو المقهى، ورمي النفايات في الشارع، واحتلال الملك العمومي، والتدخين بالقرب من غير المدخّنين، وإحداث الضوضاء، وتخريب مصعد الإقامة، واحتقار الراجل عندما يكون سائقا، وشتم السائق عندما يكون راجلا، واعتبار الفضاء المشترك امتدادا فوضويا للبيت أو المقهى أو السيارة.
لا يعلن الهركاوي صراحة أنه ضد السلوك المدني. بالعكس، قد يكون أول من يلعن “قلة التربية” في الآخرين. لكنه يمارسها حين يشعر بأن المخالفة لن تكلفه شيئا. لذلك ف”تاهركاويت” ليست انحرافا أخلاقيا فقط، بل هي اقتصاد صغير للإفلات من العقاب. إذا لم تكن هناك غرامة، فلا بأس. وإذا لم تكن هناك كاميرا، فلا بأس. وإذا كان الجميع يفعلون ذلك، فلماذا أكون أنا الاستثناء؟
كثيرة هي الفضاءات التي يظهر فيها الهركاوي. قد نصادفه في الشارع العام، حيث يتعامل مع الممر والرصيف والطريق والحديقة كأنها فضاءات بلا ذاكرة ولا حق للآخرين فيها. أو في الإدارة، حين يريد أن يقفز على الدور، أو يبحث عن الوسيط، أو يرفع صوته بدل أن يقدم حجته. أو في المستشفى، حين يتعامل مع الضغط والألم باعتبارهما مبررا لإهانة الناس. أو في المدرسة، حين يطلب الانضباط من الأستاذ ولا يربي ابنه على احترام المؤسسة. أو في الملعب، حين يخلط بين التشجيع والعنف، وبين الانتماء للفريق والعداء للمجتمع. أو في الإقامة السكنية، حين ينسى أن المصعد والممر والمرآب والسطح ليست أملاكا سائبا، بل ملك مشترك.
لكن الطرق تظل المختبر الأوضح ل”تاهركاويت” المغربية. ففيها تنكشف علاقتنا بالقانون، وبالغير وبالزمن وبالحياة. حوادث السير تقدم الدليل القاسي على أن الدولة، وحدها، لا تكفي. هناك قوانين، ورادارات، ودرك، وشرطة، وحملات تحسيس، وغرامات، ومراقبة، ومع ذلك يظل يستمر النزيف.
حوادثنا كثيرة ومتزايدة، كما يبيّن التقرير، وحتى معدل الوفيات الناتجة عن حوادث السير مرتفع عندنا، ويفوق 10 وفيات عن كل مئة ألف نسمة، مقابل 3.4 في هولندا، و3.2 في السويد، و2.9 في إيرلندا، عن كل مئة ألف نسمة.
يعني ذلك أن جزءا من المشكلة ليس في النص القانوني، بل في المواطن الذي يتلقى القانون كعائق خارجي لا كقناعة داخلية. السائق الذي يخفف السرعة عندما يقترب من الرادار فقط، لا يحترم السلامة، بل يحترم العقوبة. والراجل الذي يقطع الطريق من حيث شاء لأنه مستعجل، لا يمارس حقا في التنقل، بل يشارك في إنتاج الخطر. وصاحب الدراجة الذي يغامر بين السيارات بلا خوذة ولا ضوء ولا احترام للإشارات، لا يواجه الدولة، بل يواجه جسده وحياة الآخرين.
طبعا، للدولة مسؤوليتها في جودة الطريق، والإنارة، والتشوير، والنقل العمومي، والمراقبة، والصرامة، ومحاربة الرشوة، وتطبيق القانون بعدل… ولا معنى لمطالبة المواطن بسلوك مدني في فضاء مهمل أو سيئ التدبير أو بلا تجهيزات كافية؛ لكن هذا لا يعفي المجتمع من مسؤوليته.
حين تكون الدولة حاضرة بقوة في مجال مثل السير الطرقي، ويظل عدد الحوادث كبيرا ومخيفا، فهذا يعني أن العطب يوجد أيضا في الثقافة اليومية، وفي التربية، وفي المزاج الجماعي، وفي ذلك الإحساس الخطير بأن المخالفة مهارة، واحترام القانون سذاجة.
من مشكلات “الهركاوي” المغربي الكبرى أنه لا يرى نفسه هركاويا. فهو يعتقد أن “تاهركاويت” توجد دائما عند الآخرين. عند “مول الطاكسي”، وصاحب “الموطور”، وطفل الآخرين “اللي ما مربّيش”، و”المشرملين”… أما هو، فله دائما مبرر خاص، وحالة استثنائية، واستعجال مفهوم، وغضب مشروع، أو ظرف قاهر.
لذلك لا ينبغي لنا أن نلعن “الهركاوي” كما لو كان شخصا خارجنا. في كل واحد منا احتمال صغير ل”تاهركاويت” حين يضع مصلحته فوق القاعدة القانونية، وسرعته فوق سلامة الآخرين، ومزاجه فوق حق الناس في السكينة، وبيته فوق بيت جاره، وسيارته فوق الرصيف، وفريقه فوق المدينة، وحريته فوق النظام العام.
الهركاوي المغربي ليس قدرا خارجيا نزل علينا من السماء. بل هو نتيجة تربية ناقصة، وردع غير منتظم، وقدوة مهزوزة، وفضاءات لا تساعد دائما على الاحترام، وثقافة تتسامح مع المخالفة الصغيرة حتى تكبر…
لكنه أيضا قابل للإصلاح، ليس بالوعظ وحده، ولا بالزجر فقط، بل بإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمشترك. وهذا الإصلاح ممكن عبر مدرسة تربي بالممارسة لا بالشعار، وإعلام لا يحول الفوضى إلى فرجة، وجماعات تعتني بالفضاء كما لو كان بيتا كبيرا، وقانون يطبق على الجميع، ومواطن يتوقف عن اعتبار الدولة خصما حين تمنعه من إيذاء الآخرين.
المدنية في النهاية ليست أن نكون ملائكة، بل أن نتذكر، في اللحظة التي لا يرانا فيها أحد، أن هناك دائما آخرين يتقاسمون معنا الطريق، والهواء، والرصيف، والمرفق، والحياة. وأن أسوأ ما في الهركاوي ليس أنه يخالف القانون، بل أنه ينسى أن المجتمع لا ينهار دفعة واحدة؛ بل ينهار بتفاصيل صغيرة يكررها مواطنون مقتنعون بأن ما يفعلونه لا يستحق كل هذا النقاش…
لننس الآخرين ولو للحطة، ولنبحث عن الهركاوي المختبئ في داخلنا.