المنع من النشاط
صدرت مؤخرا أحكام قضائية بمنع أشخاص أدينوا بجرائم ترتبط بنشرهم المحتوى عبر منصات رقمية، من استعمال هذه المنصات، وهو ما يفتح الباب واسعا أمام نقاش الحد الفاصل بين حماية النظام العام، والمساس بحقوق أساسية وحيوية مثل حرية الرأي والتعبير.
أشهر هذه الأحكام التي بلغت إلى علمنا بالنظر إلى شهرة المعنيين بها، ما صدر في حق كل من “مولينكس” و”أم آدم” في طنجة، من منع من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لمدة 10 سنوات بعد الحكم عليهما بالسجن 6 سنوات، مع “إغلاق” حساباتهما على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل نهائي، ومنعهما من مزاولة أي نشاط عبر هذه المنصات لمدة عشر سنوات.
بعد ذلك مباشرة، قضت المحكمة الابتدائية بمراكش، بقرار مماثل في حق “مول الحوت”، والذي أدين بخمسة أشهر حبسا موقوف التنفيذ، وغرامة مالية قدرها 1500 درهم. لتضيف المحكمة إلى هذه الإدانة حكما بمنع “مول الحوت” من مزاولة أنشطته بجميع مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية والقنوات الخاصة به لمدة خمس سنوات من تاريخ صدور الحكم، تحت طائلة غرامة مالية قدرها 200 درهم عن كل يوم تأخير.
وفي انتظار الحصول على نسخ كاملة من هذه الأحكام القضائية، تساءلت منذ تناهت إلى علمي عن السند القانوني الذي اعتمده القضاء المغربي، لإصدار أحكام تقع في منطقة تماس مباشر مع حقل حرية الرأي والتعبير، ليس لأن أفعال الأشخاص المعنيين سليمة أو إيجابية، بل لأن ميزانا دقيقا ينبغي أن يضبط التعاطي مع الجرائم المرتبطة بأشكال ممارسة الحقوق والحريات، حتى لا يتحوّل الفعل الرامي إلى حماية النظام العام إلى مدخل للمساس أو الإجهاز على الحقوق.
تفضّل الحقوقي والمحامي والصديق محمد الغلوسي، عليّ بإرشادي إلى المرجعية القانونية التي اعتمد عليها القضاء في هذه الحالات، والتي هي الفصل 87 من القانون الجنائي.
ينصّ هذا الفصل على أنه “يتعيّن الحكم بالمنع من مزاولة مهنة أو نشاط أو فن في حق المحكوم عليهم من أجل جناية أو جنحة، عندما يتبيّن للمحكمة أن الجريمة المرتكبة لها علاقة مباشرة بمزاولة المهنة أو النشاط أو الفن، وأنه توجد قرائن قوية يخشى معها أن يصبح المحكوم عليه، إن هو تمادى على مزاولة ذلك، خطرا على أمن الناس أو صحتهم أو أخلاقهم أو على مدّخراتهم”.
ويضيف النص نفسه أن الحكم بالمنع لا يمكن زن يتجاوز عشر سنوات، “ما لم ينص القانون على خلاف ذلك” و”تحسب هذه المدة من اليوم الذي ينتهي فيه تنفيذ العقوبة”. ويمكن أن يتضمن الحكم بالمؤاخذة الأمر بتنفيذ هذا التدبير مؤقتا، بالرغم من استعمال أية طريق من طرق الطعن، عادية كانت أو غير عادية.
ويبدو من خلال الأحكام الصادرة مؤخرا، أن القضاء قام بتأويل مفهوم “النشاط” ليسقطه على النشر عبر الوسائط الرقمية، ويقضي بالتالي بمنع المدانين أمامه من ممارسته. فيما يتعلّق الأمر في الواقع بجانب حيوي من جوانب حياة الإنسان المعاصر، أي الحضور والنشر الرقميين، بعدما بات جزء كبير من حياتنا يمرّ عبر الوسائط الرقمية، وبالتالي يصعب اعتبار الحضور الرقمي للإنسان مجرّد “نشاط” يمكن منعه من ممارسته.
وعندما طرحت هذا الموضوع مع المحامي والحقوقي والصديق فاروق مهداوي خلال حضوره معنا في برنامج “لقاء خاص”، تساءل ضيفنا عن السبيل القانوني لمراقبة وضمان تنفيذ مثل هذا القرار، بالنظر إلى صعوبة التحكم في النشر الرقمي، وإمكانية إخفاء الهوية كما تتيح ذلك جل المنصات.
وبالعودة إلى فصول القانون الجنائي، نجد أن الفصل 323 يحيل على هذه الحالة، أي مخالفة أحكام صادرة وفقا للفصل 87، لكنه يفعل ذلك بالقياس على مخالفة فصل آخر هو الفصل 86، فيما يحيل بالنسبة للعقوبة إلي تلك المنصوص عليها في الفصل 262.
يقول الفصل 323 حرفيا: “من كان قد حرم من مزاولة الوظائف والخدمات العمومية، ولو بصفة مؤقتة، تطبيقا لأحكام الفصل 86، ثم تهرّب من تنفيذ هذا التدبير، فإنه يعاقب بالعقوبات المقررة في الفصل 262.
وتطبّق نفس العقوبة على من يتهرّب من تنفيذ تدبير بالحرمان من مزاولة مهنة أو عمل أو فن متى كان هذا التدبير محكوما به، تطبيقا لأحكام الفصل 87″.
ويقول الفصل 86 أن من حق المحكمة التصريح “بعدم الأهلية لمزاولة جميع الوظائف والخدمات العمومية في الأحوال التي نص فيها القانون على ذلك أو إذا تعلق الأمر بجريمة إرهابية”.
ويضيف الفصل نفسه في الفقرة الموالية أنه يجوز الحكم بهذا التدبير في غير الأحوال المشار إليها، “عندما تلاحظ المحكمة وتصرح بمقتضى نص خاص بالحكم أن الجريمة المرتكبة لها علاقة بمباشرة الوظيفة أو الخدمة العمومية أو إذا تبين أن طبيعة الجريمة تقتضي ذلك لخطورة الفاعل. ويجب أن يكون هذا الحكم معللاً، ويطبق على كل من عهد إليه بوظيفة أو خدمة عمومية، ولو مؤقتاً أو عرضيا”.
فيما ينص الفصل 262، الذي يتضمّن العقوبة، أن على كل قاض أو موظف عمومي فصل أو عزل أو أوقف عن مزاولة وظيفته أو حرم من توليها، وأخطر بوجه رسمي بالقرار الصادر بذلك، ثم استمر في مباشرة أعمال وظيفته، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من مائتين إلى ألف درهم.
كما يعاقب بنفس العقوبات الموظفون العموميون المنتخبون أو المؤقتون، إذا استمروا في مباشرة مهامهم بعد زوال الصفة التي خولتهم إياها. “ويجوز علاوة على ذلك، أن يحكم على مرتكب الجريمة بالحرمان من مباشرة جميع الوظائف أو الخدمات العامة، مدة لا تزيد على عشر سنوات”.
لنلاحظ إذن أن الفصل 87 يستعمل كلمة “النشاط”، والتي تبدو أقرب إلى تفسير الأحكام الأخيرة، بما أن الأمر لا يتعلّق بمهنة أو فن، لكن الفصل 86 يتحدّث حصريا عن الوظائف والخدمات العمومية، تماما كما هو الحال في الفصل 323، بينما يتعلّق الفصل 262 بالقضاة والموظفين العموميين الذين فصلوا واستمروا في القيام بوظائفهم رغم ذلك.
أي أننا بكل وضوح أمام غياب لأي نص قانوني يجيز تقييد حرية من الحريات الأساسية للإنسان المعاصر، وهي حرية التعبير، خاصة أن المجال الرقمي بات يعتبر في الأدبيات القانونية الحديثة، امتدادا للفضاء العام. ووجود النص القانوني من أجل التقييد هو من القواعد التي تجمع عليها المرجعيات الدولية في هذا المجال، والتي يعتبر المغرب طرفا فيها أو ملتزما بها.
هذا الفراغ القانوني لا يسمح بأي اجتهاد أو توسّع في التأويل، لأن كلمة “النشاط” يمكن أن تشمل كل ما يقوم به الإنسان منذ استيقاظه حتى منامه، فهل يعقل أن نتصوّر مثلا منع شخص من تناول وجبة الإفطار، بمبرر أنها “نشاط”؟
صحيح أن التجارب الدولية المتقدمة تعترف بإمكانية المنع من النشر الرقمي، لكن هذه التجارب تحترم الشرط الأول لتقييد الحريات، وهو وجود نص قانوني، ولا تستند إلى تأويل موسّع لكمة “نشاط”. كما أن أن التقييد نفسه يخضع لقيود صارمة لمنعه من التحوّل إلى مطيّة للتضييق على حرية الرأي والتعبير.
بل إن المحكمة العليا الأمريكية أسقطت قانونا أصدرته ولاية “نورث كارولاينا” عام 2017، يقضي بمنع المدانين في جرائم جنسية من دخول مواقع التواصل الاجتماعي، واعتبرته منعا مفرطا ويمسّ بحقوق دستورية ما لم يتم تصميمه بشكل دقيق وعلي مقاس الحدّ من الخطر الذي يراد التصدي له.
وأنا أكتب هذا المقال، سمعت في إحدى المحطات الإذاعية تدخلات عديدة تكرر كلمة “المنع” في سياق مناقشة أحداث الشغب التي حدثت ليلة أمس بين جمهوري الجيش الملكي والرجاء البيضاوي. “المنع من التنقل” و”المنع من دخول الملعب” و”المنع من الجمهور”… وعقلية المنع هذه هي التي تقودنا نحو جعل التنمية الاقتصادية والاجتماعية اختصاصا حصريا لوزارة الداخلية، والتربية و”إعادة التربية” والتنشئة على السلوك المدني من صلاحيات الأمن… كأننا نبني مجتمعا لفاقدي الأهلية و”قلالين التربية” وعديمي المسؤولية الذين لا تنفع معهم سوي لغة الزجر.
تخليق وتهذيب وتأطير الفضاء الرقمي يمرّ أولا عبر سياسة عمومية تقوم على التربية الرقمية والتمكين للحقوق والتوعية بالمخاطر، ثم برفع اليد عن الصحافة وتركها تقوم بدورها ووظائفها في إخبار وتوعية وتنوير المجتمع، بما أن كل الدراسات الحديثة تؤكد أن الإنسان يلج العالم الرقمي بحثا عن المعلومة أولا، قبل أن يقضي وقتا طويلا في متابعة الترفيه و”التفاهة”. بدون ذلك، نحن سائرون على طريق سيّار نحو تحويل المغاربة إلي قطيع تحرسه العصا الغليظة.