story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
افتتاحية رياضية |

المنتخب الوطني والتغيير الجذري!

ص ص
الذين يطالبون اليوم بالتغيير الجذري في الفريق الوطني، بإقالة وليد الركراكي، والإستغناء عن جل اللاعبين، وبدء مرحلة جديدة بوجوه جديدة، أتساءل هل نسوا ما كان يحدث سابقا عندما كانت الجامعة تخضع لضغط الشارع وتمسح كل ما تراكم وتبدأ من الصفر ؟
كان الفريق الوطني يدخل في متاهات عويصة من البحث عن الإنسجام واكتساب الخبرة والإستئناس بالأجواء، واكتشاف غرائب إفريقيا، ولم يكن يكاد يحصل على القليل من التناغم حتى يجد نفسه في النهائيات بمنتخب ضعيف، مفكك ومفتقد للتجربة، فيتعرض للبهدلة من طرف “من والا” ويقصى بعد ثلاث مباريات أو أربعة على أقصى تقدير، فتتم إقالة المدرب وتغيير نسبة كبيرة من التشكيلة، والبدء من الصفر مرة أخرى.
هكذا ضاعت على الفريق الوطني سنوات طويلة من الدوران في الحلقة المفرغة بسبب قرارات التغيير الجذري المتسرعة، والبحث عن أكباش فداء للهزائم والإقصاءات، فلا نحن كنا نجدد من الصفر من أجل انطلاق مخطط كروي طويل الأمد، ولا نحن حافظنا على ما كنا نملك وطورناه وأعطيناه الفرصة لكسب التجربة والتمرس على هوية لعب معينة.
الواقع يقول إن المنتخب المغربي اليوم لا يحتاج إلى ثورة كروية تمس كل شيء، بل إلى عملية تجديد ذكية، هادئة، ومدروسة. الفريق الوطني راكم تجربة مهمة في السنوات الأخيرة، سواء في كأس العالم أو كأس إفريقيا، وبنى مجموعة متماسكة، وهوية تكتيكية واضحة، وروح جماعية أصبحت من أهم نقاط قوته. تفكيك كل هذا بدافع الإحباط أو ردّ فعل عاطفي سيكون خطأً استراتيجيًا قد يدفع ثمنه المنتخب لسنوات.
التغيير يجب أن يكون تدريجيًا، يبدأ بتجديد بعض العناصر التي وصلت إلى نهاية دورتها الطبيعية، وإدماج لاعبين شباب قادرين على حمل المشعل في السنوات المقبلة، لأن كرة القدم الحديثة تقوم على الاستمرارية، وعلى انتقال سلس بين الأجيال، وليس على القطع المفاجئ مع الماضي. المنتخب المغربي يحتاج إلى دماء جديدة، نعم، ولكن داخل إطار مستقر يحافظ على ما تم بناؤه.
أما على مستوى الطاقم التقني، فإن تغيير المدرب قد يكون خيارًا مطروحًا، لكن بشرط أن يكون اختيارًا محسوبًا، لا قطيعة كاملة مع المشروع السابق. المدرب الجديد يجب أن يبني على ما تحقق، لا أن يبدأ من الصفر. وبالتالي عليه أن يحافظ على التلاحم داخل المجموعة، وعلى الهيكلة التكتيكية التي أثبتت فعاليتها، وعلى الثقافة الانضباطية التي زرعت في المنتخب خلال السنوات الأخيرة. التعديلات يمكن أن تكون طفيفة، تكتيكية، مرتبطة بتطوير الأداء وليس هدمه.
الاستعداد لكأس العالم 2026 يجب أن يبدأ من الآن، برؤية بعيدة المدى، لا بخيارات آنية تحت ضغط النتائج. المنتخبات الكبرى لا تعيد البناء كل أربع سنوات، بل تطور مشاريعها باستمرار، مع تغييرات مدروسة تحافظ على الاستقرار، والمغرب اليوم يملك قاعدة صلبة، من لاعبين محترفين في أعلى المستويات، وبنية تنظيمية تتطور، وجماهير تؤمن بالحلم، والمطلوب هو الحفاظ على هذا التراكم الإيجابي، وتعزيزه بدل تبديده بتجارب تغيير جذري أثبت التاريخ فشلها.
التغيير الحقيقي ليس في الأسماء فقط، بل في التفاصيل الصغيرة، من حيث تطوير طرق التحضير، تحسين التواصل بين الطاقم التقني واللاعبين، استبعاد الإختيارات العاطفية واتخاذ الجاهزية المعيار الوحيد للوجود في لائحة الفريق الوطني، والإدماج التدريجي للوجوه المتألقة مع منتخب الشباب في مونديال الشيلي. بهذه الطريقة فقط يمكن للمنتخب المغربي أن يصل إلى المونديال المقبل وهو في أفضل جاهزيته التقنية والذهنية.
أما الهدم من الأساس ومحاولة إعادة البناء من الصفر في كل مرة وحين، هي عادة مغربية سيئة يجب أن نتخلص منها.