المغاربة ينتقدون السلوك المدني في الفضاءات العمومية.. 86% يؤيدون العقوبات و77% يستنكرون مظاهر التلوث والتخريب
كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في دراسة قدمها الأربعاء 10 يونيو 2026 بالرباط ضمن رأيه الاستشاري حول السلوك المدني في الفضاءات العمومية، عن صورة عامة يغلب عليها الطابع النقدي، تعكس إدراكات واسعة بوجود اختلالات في احترام قواعد العيش المشترك داخل الفضاء العام، خاصة ما يتعلق بالنظافة والسلوكيات العنيفة والالتزام بالقواعد اليومية.
وتستند هذه الدراسة إلى بحث ميداني أنجزه المجلس، شمل 1012 مستجوبا يمثلون المغاربة البالغين 15 سنة فما فوق، بهدف استجلاء تمثلات المواطنين وقياس مستوى وعيهم وتقييمهم للسلوك المدني، إلى جانب رصد أهم الممارسات اليومية والفضاءات الأكثر تأثرا بهذه السلوكيات، وكذا تحديد أبرز الآليات الكفيلة بتحسين الوضع.
وتبرز النتائج أن 52 في المائة من المستجوبين يعتبرون أن مستوى السلوك المدني “مرتفع نسبيا”، مقابل 32 في المائة يرونه “ضعيفا”، في حين لا تتجاوز نسبة من وصفوه بـ”مرتفع جدا” 7 في المائة، ما يعكس تقييما يميل إلى الاعتدال النقدي أكثر من الإيجابية، مع انتشار شعور عام بأن الوضع يحتاج إلى تعزيز أكبر لقواعد الانضباط داخل الفضاء العمومي.
وفي ما يتعلق بتطور هذا السلوك، يرى 59 في المائة من المشاركين أنه في تحسن، مقابل 24 في المائة يعتبرونه مستقرا، و18 في المائة يرونه في تراجع، وهو ما يعكس وجود مفارقة بين الاعتراف بتحسن نسبي وبين استمرار الإحساس بوجود اختلالات يومية ملموسة، خصوصا لدى فئات الشباب والرجال وذوي المستويات التعليمية العليا الذين يظهرون قدرا أقل من التفاؤل.
وعلى مستوى تفاصيل الممارسات، تكشف الدراسة عن تفاوت واضح في احترام قواعد العيش المشترك، حيث تسجل أعلى نسب الاحترام في مساعدة الأشخاص في وضعية هشة (66 في المائة)، يليها احترام الغير (57 في المائة) واللباقة (54 في المائة)، بينما تتراجع المؤشرات المرتبطة بالنزاهة (43 في المائة) واحترام المواعيد (45 في المائة)، بما يعكس هشاشة نسبية في السلوكيات اليومية الأكثر ارتباطا بالثقة الاجتماعية والانضباط.
أما بخصوص السلوكيات غير المدنية الأكثر انتشارا في الفضاء العام، فتتصدر مشاهد النظافة والتلوث وتخريب التجهيزات بنسبة 77 في المائة، تليها السلوكيات العنيفة والعدوانية والتحرش والتصريحات العدائية بنسبة 74 في المائة، ثم السلوكيات المرتبطة بالطرق العمومية وعدم احترام قانون السير بنسبة 40 في المائة، ما يعكس تركز الإشكاليات في المجالين البيئي والاجتماعي على وجه الخصوص.
وتشير المعطيات كذلك إلى أن الفضاءات الأكثر عرضة لهذه السلوكيات تشمل الطرق العمومية والفضاءات الحضرية بنسبة 67 في المائة، ووسائل النقل العمومي والمرافق العمومية بنسبة 61 في المائة لكل منهما، في حين تسجل المواقع الطبيعية والشواطئ 37 في المائة، والفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي 26 في المائة، ما يبرز اتساع نطاق الظاهرة عبر مختلف المجالات اليومية.
وفي ما يتعلق بروافع التغيير، يضع المستجوبون التحسيس والتوعية في الصدارة بنسبة 70 في المائة، تليها العقوبات والزجر بنسبة 63 في المائة، ثم القدوة والمثال بنسبة 47 في المائة، والمشاركة المواطنة بنسبة 45 في المائة، إلى جانب البنية التحتية والتجهيزات بنسبة 36 في المائة، ما يعكس مقاربة تجمع بين البعد التربوي والردعي في آن واحد.
كما يظهر البحث تأييدا واسعا لتفعيل العقوبات في مواجهة السلوكيات غير المدنية، إذ يؤيد 86 في المائة من المشاركين هذا التوجه، مقابل معارضة 9 في المائة فقط، مع تسجيل دعم أكبر لهذه المقاربة لدى النساء وذوي المستويات التعليمية الابتدائية، مقابل تراجع نسبي لدى الرجال وكبار السن.
وتخلص الدراسة إلى أن 26 في المائة فقط من المغاربة يمنحون أنفسهم تقييما مرتفعا جدا في ما يتعلق بالتزامهم بالسلوك المدني، مقابل 59 في المائة يعتبرون التزامهم جيدا نسبيا، و15 في المائة يقيمونه بشكل ضعيف، ما يعكس في المجمل فجوة بين التقييم الذاتي والتقييم العام للواقع، ويشير إلى استمرار الحاجة إلى تعزيز الوعي الفردي بمسؤولية السلوك داخل الفضاء العمومي.