story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

المجلس الاقتصادي والاجتماعي يحذر: شيخوخة السكان تتسارع وضغوط الرعاية تتصاعد

ص ص

كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن تحولات ديموغرافية واجتماعية عميقة يمر بها المغرب، تتمثل أساسًا في زيادة متوسط العمر المتوقع، وتسارع وتيرة شيخوخة السكان، وانتشار الأمراض المزمنة، إضافةً إلى تغيّرات في بنية الأسر مع انخفاض نسبة الأسر الممتدة وارتفاع الأسر النووية، ما يضعف آليات التكافل التقليدية.

وجاء ذلك في رأي المجلس الذي قُدِّم يوم الأربعاء 28 يناير 2026، خلال لقاء تواصلي حول موضوع : “اقتصاد الرعاية بالمغرب: رهانات الاعتراف القطاعي والتنظيم المؤسساتي”.

وأشار المجلس إلى أن هذه التحولات من شأنها زيادة الضغط على منظومة الرعاية، لافتا إلى أنها ستُمثل تحديًا كبيرًا في توفير الرعاية والدعم للأشخاص في وضعية هشاشة.

وقالت مقررة تقرير الإحالة الذاتية، زهرة الزاوي، إن النقص في خدمات الرعاية يشكل ضغطًا على النظام الصحي ويؤثر على التغطية الصحية، مشددة على ضرورة إعادة هيكلة هذه الخدمات.

وأوضحت أن اقتصاد الرعاية مرتبط مباشرة بحياة الإنسان، مشيرةً إلى أن كبار السن لا يحتاجون فقط إلى التغذية والعلاج، بل أيضًا إلى الرعاية والدعم اليومي، لافتةً إلى أن هذا الاقتصاد يمثل اقتصاد الرفاه وحقًا أساسيًا للإنسان.

وأضافت الزاوي أن اقتصاد الرعاية يساهم في تعزيز التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية، ويتيح فرص شغل مستدامة للنساء والشباب في مجالات المساعدة المنزلية ورعاية الأطفال وكبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة.

وأحال المجلس إلى بيانات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، والتي أظهرت ارتفاع نسبة الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق من 9.4% سنة 2014 إلى 13.8% سنة 2024، أي حوالي 5 ملايين شخص مقارنة بـ 3.2 ملايين سنة 2014، بمعدل نمو سنوي متوسط 4.6%، وهو أعلى بكثير من معدل نمو السكان العام البالغ 0.85%.

ويُعزو المجلس هذا التغير إلى انخفاض معدل الخصوبة الذي بلغ 1.97 طفل لكل امرأة سنة 2024، وارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى 77 سنة (78.8 للنساء و75.3 للرجال). ويتوقع أن يصل شخص من بين كل أربعة مغاربة إلى سن 60 سنة أو أكثر بحلول 2050، مع تجاوز نصف هذه الفئة سن 70.

كما سجل المجلس زيادة في معدل الإعالة الديموغرافية، أي نسبة السكان غير النشطين (الأطفال دون 15 سنة وكبار السن فوق 59 سنة) مقارنة بالسكان في سن العمل، متوقعًا أن يصل إلى نحو 70% بحلول 2050. ويشير المجلس إلى أن أكثر من نصف كبار السن (52.4%) يفتقرون إلى مصدر دخل، مع تأثر النساء والسكان القرويين بشكل أكبر.

وارتفع عدد الأسر في المغرب ليصل إلى 9,275,038 أسرة سنة 2024، بينما انخفض متوسط حجم الأسرة من 4.6 أفراد سنة 2014 إلى 3.9 سنة 2024. وشهدت البلاد تراجع الأسر الممتدة وارتفاع نسبة الأسر النووية، إضافةً إلى زيادة نسبة الأسر التي ترأسها نساء من 16.2% سنة 2014 إلى 19.2% سنة 2024، وهو مؤشر على تغير الأدوار الاجتماعية والاقتصادية للنساء.

وأكد المجلس أن الأمراض غير المعدية مسؤولة عن 85% من الوفيات بالمغرب، مع تزايد حالات تعدد الأمراض والإعاقات الناتجة عنها، ما يستلزم رعاية طويلة الأمد وعلاجات منتظمة غالبًا ما تُقدَّم في المنزل.

وأشار المجلس إلى أن النظام الصحي الحالي يركز على الاستشفاء بالمراكز الصحية، بينما تظل خدمات الرعاية المجتمعية ضعيفة، مع ندرة الرعاية المنزلية المأجورة وارتفاع تكلفتها، ونقص الموارد البشرية المؤهلة، فضلاً عن الخضوع لضريبة القيمة المضافة، ما يزيد العبء على الأسر.

استنادًا إلى هذه المعطيات، شدد المجلس على أهمية اعتماد استراتيجية وطنية شاملة لاقتصاد الرعاية، تعمل على دعم الأسرة دون استبدال دورها، وتقاسم مسؤوليات الرعاية بين الأسرة والدولة والجماعات الترابية والمهنيين والمجتمع المدني.

تركز توصيات المجلس على أربعة محاور رئيسية. أولها، جعل أعمال الرعاية رهناً وطنياً من خلال إحداث آلية وطنية للحكامة، وإرساء إطار قانوني موحد، وإدماج الرعاية في الاستراتيجيات القطاعية والترابية، إضافة إلى تثمين مهن الرعاية والاعتراف بالمهنيين عبر تنظيم المهن وضمان العمل اللائق والحماية الاجتماعية، ودعم المساعدين العائليين.

وأوصى المجلس بضمان توزيع منصف لأعمال الرعاية من خلال الاستثمار في البنى التحتية الاجتماعية، وتوسيع معايير الاستفادة، وإرساء آليات التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية، إلى جانب الاستثمار في تطوير اقتصاد الرعاية عبر دعم آليات الرعاية التضامنية، وتطوير تمويلات مبتكرة، وتشجيع الابتكار التكنولوجي في الخدمات الاجتماعية.

ودعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى الاعتراف بمهن الرعاية وتنظيمها، معتبراً أن هذا القطاع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً أسرياً محضاً، بل يبرزه المجلس كأحد المكونات البنيوية للسياسات الاجتماعية والاقتصادية.

وشدد المجلس على أن الرعاية تمثل “مجموع الأنشطة والعلاقات التي تنشأ عند تقديم الدعم، وتهدف إلى تلبية الاحتياجات الجسدية والنفسية والعاطفية للأفراد”، سواء داخل الأسرة أو في الفضاءات المؤسساتية.

وأوضح رئيس المجلس عبد القادر اعمارة أن أعمال الرعاية تمتد من المجال الأسري، حيث “أم تواكب طفلها في سنواته الأولى، أو ابن يعتني بوالده المسن، أو أخت تسهر على أخيها في وضعية إعاقة”، إلى مجالات مؤسساتية تشمل المستشفيات، ودور رعاية المسنين، ومراكز الأشخاص في وضعية إعاقة، ورياض الأطفال، والجمعيات الاجتماعية.

ورغم هذا الامتداد الواسع، يلاحظ المجلس أن مهن الرعاية ما تزال تعاني من ضعف التنظيم وغياب الاعتراف المهني، في ظل عرض مؤسساتي “غير كافٍ للاستجابة للحاجيات المتنامية”، وتفاوتات مجالية واضحة، فضلاً عن تجزؤ البرامج الموجهة للأطفال، والمسنين، والنساء، والأشخاص في وضعية إعاقة.

وسلط رئيس المجلس الضوء على الكلفة غير المرئية لأعمال الرعاية غير المأجورة، مؤكداً أن النساء يتحملن الجزء الأكبر منها “في شكل رعاية غير مأجورة، تظل لامرئية وغير معترف بها”، وهو ما ينعكس سلباً على مساراتهن المهنية ومشاركتهن في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وفي هذا السياق، أشار إلى معطيات المندوبية السامية للتخطيط، التي تفيد بأن إدماج العمل غير المأجور في الحسابات الوطنية من شأنه أن يرفع الناتج الداخلي الإجمالي بحوالي 19 في المائة، منها 16 في المائة تعود إلى أعمال الرعاية التي تقوم بها النساء، وهو ما يبرز حجم الإسهام الاقتصادي “غير المعترف به” الذي تؤديه هذه الأعمال.

وانطلاقاً من هذا التشخيص، شدد اعمارة على أن تطوير اقتصاد الرعاية “ليس مجرد التزام للدولة الاجتماعية، وإنما يمكن أن يشكل ركيزة حقيقية للتنمية الاقتصادية الدامجة”. وفي صلب هذا التوجه، تبرز الدعوة إلى تثمين مهن الرعاية والاعتراف بالمهنيين باعتبارهم الضامنين لاستدامة هذا القطاع الحيوي.

كما أكد المتحدث ضرورة اعتماد استراتيجية وطنية لاقتصاد الرعاية، “منظمة ومندمجة وطموحة، كفيلة بتحويل الرعاية إلى رافعة حقيقية للتنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية”.

وفي هذا الإطار، أوصى المجلس بالاعتراف بمجموع أعمال الرعاية وتنظيمها وإضفاء الطابع المهني عليها، عبر إعداد مصنف وطني موحد لمهن الرعاية، معزز بخريطة ترابية، وإرساء إطار وطني للتكوين والتأهيل والتصديق على الخبرات المكتسبة، إلى جانب ضمان شروط العمل اللائق والحماية الاجتماعية الشاملة.

كما دعا إلى الاعتراف بمهن المساعدين العائليين، سواء كانوا مهنيين أو من الأقارب، وتمكينهم من “إجازات خاصة، وبرامج للتكوين، وتعويضات مادية ملائمة”، وإدماجهم في منظومة الحماية الاجتماعية.

وتعزز نتائج الاستشارة المواطنة التي أطلقها المجلس عبر منصة “أشارك” هذا التوجه، حيث أظهرت أن 60 في المائة من المشاركين يعتبرون أن المساعدين الأسريين “لا يحظون بالاعتراف الكافي”. كما تصدر مطلب الاعتراف القانوني والاجتماعي بهذه المهن، ووضع نظام أساسي موحد، وتحسين ظروف العمل، قائمة المقترحات المقدمة.

وتكشف هذه المعطيات، بحسب المجلس، عن وعي مجتمعي متزايد بأهمية الرعاية، مقابل قصور السياسات العمومية في تأطير هذا القطاع وتأمين شروط اشتغاله العادلة.

ويؤكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن الرهان على اقتصاد الرعاية من شأنه أن يحقق مكاسب متعددة، من بينها تحسين التقائية السياسات العمومية، ودعم التنمية الترابية عبر مرافق القرب، وخلق فرص شغل مستدامة، خاصة لفائدة النساء والشباب.

وشدد عبد القادر اعمارة على أن الهدف من الاستراتيجية الوطنية المقترحة “لا يتمثل في التخلي عن التضامن الأسري”، الذي يظل ركيزة أساسية للتماسك الاجتماعي، بل في دعمه وتعزيزه عبر تقاسم أكثر إنصافاً لأعباء الرعاية بين الأسرة والدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يخرج مهن الرعاية من دائرة الهشاشة واللااعتراف إلى فضاء التنظيم والاعتبار المؤسساتي.