العفو الذي يحرّر الدولة
ذكّرتني الزفرة الحارة التي أطلقتها الخالة زليخة، والدة ناصر الزفزافي، وما أعقبها من هجوم أرعن شنّه بعض محترفي التشهير والتأزيم، بسؤال قديم لا يريد أن يغادرنا: من يخدم الوطن حقا؟ هل من يفتح الطريق أمام الإنصاف وتضميد الجراح، أم من يستثمر في الألم، ويفرح باستمرار الشروخ، ويعتبر كل دعوة إلى العفو والمصالحة خيانة للدولة؟
ما جرى بعد عيد الأضحى الأخير لم يكن مجرد جدل عابر حول عبارة صدرت من فم أم مكلومة. بل كان امتحانا أخلاقيا وسياسيا. أم فقدت زوجها قبل وقت قريب، وافتقدت ابنها لما يربو عن تسع سنوات، في قضية سياسية-اجتماعية يعرف الجميع طبيعتها وسياقها، خرجت في العيد وقد خاب أملها مجددا في عفو ملكي يشمل ابنها ورفاقه، فقالت ما تقوله الأمهات حين تضيق بهن الأرض، وحين لا يبقى بينهن وبين الله غير الدعاء.
لكن بعضهم لم ير أما. ولم ير امرأة أنهكها الانتظار، ولا أرملة لم يكد يجف حزنها على رفيق دربها، ولا بيتا يدخل عليه العيد وفي قلبه زنزانة. رأى هذا البعض فرصة جديدة للنهش، والتأويل الرديء، والزج باسم الملك في صرخة لم تذكره ولم تقصده. وكأن مهمة هؤلاء في الحياة العامة تحويل كل وجع إلى معركة قذرة، وكل دعاء إلى تهمة، وكل أمل في العفو إلى عدوان على الدولة.
والحقيقة أن الذين يحاولون إنهاء هذا الملف، ولو بعفو ملكي، هم من يحبّون الوطن حقا. هم من يفهمون أن الدول لا تبنى بالضغائن، وأن الاستقرار لا يصنعه الانتقام، وأن الشرعية لا تقوى حين تترك جرحا اجتماعيا وسياسيا مفتوحا إلى ما لا نهاية.
ذكّرني ما وقع بحديث الفقيه القانوني ووزير العدل السابق محمد الإدريسي العلمي المشيشي، حين حل ضيفا علينا في برنامج “ضفاف الفنجان”، عن درس بليغ من تاريخ الدولة المغربية نفسها. فقد روى أن الملك الراحل الحسن الثاني، حين عيّنه وزيرا للعدل بداية التسعينيات، كلفه شخصيا بإيجاد حل لملف المعتقلين السياسيين والمنفيين، وخاطبه بما معناه: “ستزيل لي شوكة من قدمي”.
هذه ليست حكاية أسطورية من الماضي. إنها درس في المعنى الحقيقي للدولة. فالملك الراحل، بكل ما يمثله عهده من صرامة وقسوة سياسية يعرفها المغاربة، أدرك أن بقاء ملف المعتقلين السياسيين شوكة في قدم الدولة ليس انتصارا لها، بل عبء عليها. وأدرك أن العفو لا يحرر المعتقل وحده، بل يحرر الدولة نفسها من ثقل ملف لا يمكن أن يبقى إلى الأبد عنوانا للتوتر والخصومة.
لهذا تبدو اليوم دعوة العقلاء إلى عفو ملكي عن معتقلي حراك الريف امتدادا لمنطق الدولة العاقلة، لا خروجا عنه. من يريد إزالة هذه الشوكة من قدم الوطن لا يعادي الدولة. ومن يسعى إلى تصفية الأجواء الحقوقية لا يهدد الاستقرار. ومن يطالب بعودة ناصر الزفزافي ورفاقه إلى أمهاتهم وأسرهم لا يهين الملك، بل يفعل عكس ذلك تماما. يحاول أن يفتح بابا رحبا أمام خطوة شجاعة، تعيد الاعتبار لفكرة الإنصاف، وتمنح الوطن فرصة عبور جديدة، بمرارة أقل.
لم يجد الذين خرجوا لمهاجمة الخالة زليخة وتخوين من تضامنوا معها، من حجة سوى الحديث عن “ضحايا” مفترضين لمعتقلي الحراك. وهم لا ينتبهون، أو يتظاهرون بعدم الانتباه، إلى أنهم بهذا المنطق يوجهون اتهاما ضمنيا إلى مؤسسة العفو نفسها. ذلك أن جل المستفيدين من العفو الملكي، في مختلف المناسبات، يكونون مدانين في قضايا تنطوي على أطراف مدنية أو ضحايا أو متضررين.
فهل يعني ذلك أن الملك يعمد في كل مناسبة دينية أو وطنية إلى الاعتداء على حقوق هؤلاء؟ أم أن العفو، في فلسفته الدستورية والسياسية والإنسانية، آلية تسمو فوق منطق الزجر، وتفسح مجالا للتصحيح والمصالحة؟
لا يفهم هؤلاء العدالة إلا كعقاب، ولا يفهمون العقاب إلا انتقاما، ولا يفهمون العفو إلا تنازلا وإذلالا للدولة. كأن الإنسان إذا أخطأ يوما، حتى لو افترضنا أن الأمر يتعلق بقضايا حق عام فقط، لا يمكنه أن يراجع، ويتعلم، ويصحح، ويبدأ من جديد. وكأن الدولة لا ينبغي أن ترى في لحظات التوتر والاحتجاج والاضطراب سوى مناسبة للكسر والتركيع.
لقد عشنا في هذا البلد لحظات صعبة، بينها ما ارتبط بما سمي “محاربة الإرهاب”، والملك محمد السادس نفسه قال، في حوار صحافي نادر، بوقوع تجاوزات في حق متهمين ومعتقلين. وكان الإقرار بتلك التجاوزات مدخلا إلى التصحيح والعفو، لا إلى إنكار أبدي.
المتصدّرون للهجوم على الخالة زليخة لا يعرفون إلا الاستثمار في التشنج. ولا يرون في أي صوت مخالف سوى هدف مشروع لكل الحقارات. ولا يرون في كل داع إلى العفو والمصالحة سوى “معارض” أو “منشق”. بينما الدولة التي يتوهّمون الدفاع عنها لا توجد إلا في خيالاتهم المريضة.
الدولة الحقيقية أعقد من الشتائم، وتحتاج إلى من يطفئ النار، لا إلى من يصب الزيت. تحتاج إلى من يُجسّر، لا إلى من يُفجر. تحتاج إلى من يقول لها: هذا الجرح طال، وهذه الأم تعبت، وهذا الملف صار أثقل من كل الحسابات.
لعل هؤلاء لا يعرفون أننا، في هذ الجريدة مثلا، “صوت المغرب”، كنا وما زلنا وسنبقى حريصين على المساهمة في التجسير والتقريب والمصالحة، ونعتبر هذا من صميم وظيفتنا كصحافة مهنية ومسؤولة.
حين فهمنا أن بإمكاننا أن نساهم في تهييء الأجواء لخطوة عفو بدت ممكنة عن صحافيين ومدونين ونشطاء، لم نتردد في “التواطؤ” الإيجابي، واستضفنا وزير الدولة ووزير حقوق الإنسان السابق، السيد المصطفى الرميد، في حوار مطول اخترنا فيه معا، ضيفا ومستضيفين، أن نكون بنائين، لا مفتعلين للتشنج وناكئين للجراح.
ثم خرج السيد الرميد، بعد شهور، في مقابلته المتسلسلة مع الزملاء في “آشكاين”، ليقول إنه تلقى اتصالا من مستشار ملكي بعد تلك المقابلة، بما يفيد أن الرسالة الخاصة بالمعتقلين من الصحافيين والمدونين قد وصلت. وفهمنا حينها، بأثر رجعي، تلك العبارة المشفرة التي ودعنا بها الرميد يوم الجمعة الذي سبق صدور العفو الملكي عن زملائنا.
كنا، أنا وزميلتي مديرة النشر حنان بكور، نحتفظ بدعوة كريمة من الوزير السابق إلى تناول “الكسكس الدكالي” في بيته. وبشيء من “النية” وقليل من “المكر الإيجابي”، لبينا الدعوة في الجمعة الأخيرة قبل عيد العرش الذي سيصدر فيه قرار العفو الملكي.
بعدما انتهى الغداء وهممنا بالانصراف، دون أن نثير الموضوع لوجود ضيوف آخرين، رافقنا الرميد إلى باب بيته، وكما لو أنه يريحنا من سؤال كان يعرف أنه يشغل بالنا، نطق وهو يفتح لنا الباب بالآية القرآنية: “قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها”.
فهمنا حينها أن أملا كبيرا صار ممكنا. مازحته قائلا: دعنا نعود للجلوس كي تقول أكثر. فضحك ودعانا إلى الانصراف، متمنّيا أن “يجعل الله خيرا”.
هذه التفاصيل ليست لتزكية ذات ولا لادعاء بطولة صغيرة. إنها فقط لتوضيح منطق آخر في التعامل مع الأزمات، لابد من تفسيره وشرحه، بينما يبدو أن الأصوات الطارئة على المشهد لا تعرفه. منطق من يريد أن يساهم في فتح كوة، لا إغلاق الباب. ومنطق من يعرف أن الصحافة ومواقع “التأثير” والتأطير، حين تستطيع أن تكون جسرا، عليها ألا تختار دائما أن تكون مطرقة. ومنطق من يرى أن العفو، حين يكون ممكنا، يجب أن يجد من يهيئ له اللغة والمناخ، لا من يفخخ الطريق إليه.
حتى عندما توفي الراحل أحمد الزفزافي، وشاهدنا كيف تمكّن ابنه ناصر من مغادرة الزنزانة وحضور الجنازة بأريحية كبيرة، اعتبرنا ذلك بارقة أمل وإشارة إلى إمكانية انفراج أكبر. لذلك بادرنا، إلى استضافة الصديقين نوفل البعمري وخالد البكاري في حلقة خاصة من برنامج “من الرباط”.
ودعوني أعترف مجدّدا أنهما كانا مستعدّين ل”التواطؤ”، وجعل الحلقة جسرا نبنيه فوق ذلك الأمل، لتقويته وتكثيفه والمساهمة في تغليب الروح الإيجابية، ومواصلة الانفراج، والمساهمة في إزالة هذه “الشوكة” من قدم الوطن، لا من قدم الملك أو الدولة وحدهما.
هذا هو المنطق الذي لا يريد أن يفهمه محترفو “التشيار” والتأزيم والتلغيم. هؤلاء الذين باتوا يعلنون، بكل وقاحة، تعطشهم إلى الدماء، ورغبتهم في رؤية رصاص الدولة يطلق ضد من يعتقدون أنهم “أعداء” للوطن؛ لا يدركون أن الدولة التي يزعمون الدفاع عنها لم تجد، في لحظات تاريخية حاسمة، إلا من كانوا يوما معارضين لها، ليساعدوها على تجاوز المنعطفات.
عندما تحدث الراحل الحسن الثاني عن “السكتة القلبية”، لم يكن أمام الدولة إلا أن تنفتح على جزء من قواها الوطنية الحية، بينها يساريون ونقابيون وحقوقيون كانت قد خاصمتهم وحاربتهم وعذبت بعضهم وزجت بهم في السجون. ومع ذلك، حين دقت ساعة الخطر، ساهم هؤلاء في تأمين الانتقال وتجاوز المرحلة، لسبب بسيط: لأنهم وإن عارضوا فإنهم وطنيون.
وعندما اهتزت الأرض من حولنا خلال ما عرف بالربيع العربي، لم تجد الدولة أفضل من الإسلاميين، الذين كان ناعقو الموت والخراب يعتقدون أنهم “يجاهدون” فيهم، ليساهموا معها في تجاوز المطب، والحفاظ على الاستقرار، ومنع تسلل أجندات التخريب والاضطراب. وبالفعل ساهم هؤلاء إلي جانب آخرين، والسبب بسيط أيضا، كونهم عارضوا دون أن يفقدوا وطنيتهم.
هذه هي الدولة كما يعرفها العقلاء: لا تختزل في صراخ المزايدين، ولا تبنى على كراهية المخالفين أو المختلفين، ولا تحيا بلا مصالحة مع جزء من أبنائها.
أما دولة المتزلفين، فهي كائن عصبي لا يعرف إلا العقاب، ولا يرى في المواطن إلا مشتبها به، ولا في المعارض إلا عدوا، ولا في الأم المكلومة إلا خصما يجب تأديبه.
الخالة زليخة ليست خصما لأحد. هي أم معتقل في سياق أحداث اجتماعية. وهذه وحدها تكفي كي نخجل من مهاجمتها. هي أم تقول إن عيدها ناقص لأن ابنها سجين. أمّ لم يمرّ عام واحد على ترمّلها، بعد أن رحل زوجها حاملا معه غصة اعتقال ابنه ورفاقه وإدانتهم بتلك الطريقة القاسية.
أم حملت فوق كتفيها، سنوات طويلة، وجع ابنها ووجع بيتها ووجع الريف ووجع بلد لم يستطع بعد إغلاق هذا الملف.
من يهاجم هذه السيّدة لا يدافع عن الملك. من يهاجمها يسيء إلى الملك، لأنه يجره إلى خصومة مع دمعة أم. ومن يهاجم من يدعو إلى العفو لا يحمي الدولة، بل يصورها عاجزة عن الرحمة، وخائفة من المصالحة، لا ترى في نفسها إلا أداة عقاب. وهذا أبشع ما يمكن أن يفعله المتزلفون، بالدولة التي يزعمون الدفاع عنها.
لقد قلنا هذا مرارا في هذا الركن، ونعيده: إن العفو عن معتقلي حراك الريف لن يكون هزيمة لأحد. سيكون انتصارا للمغرب كله. سيكون اعترافا بأن الملفات السياسية والاجتماعية لا ينبغي أن تبقى مفتوحة إلى الأبد. سيكون رسالة إلى الأمهات قبل الأبناء، وإلى الريف قبل غيره، وإلى المغاربة جميعا، بأن الدولة التي تملك سلطة العقاب تملك أيضا شجاعة التجاوز.
أما الخالة زليخة، فليس مطلوبا منها أن تشرح وجعها للمتزلفين. ولا أن تصوغ دعاءها بلغة المتملّقين. وليس مطلوبا منها أن تسكت كي لا يضيق صدر من لا يعرفون من الوطن إلا التهديد باسمه.
من حقها أن تتألم، وأن تبكي، وأن تدعو، وأن تقول إن العيد في بيتها لم يكن عيدا. ومن واجبنا أن نسمع فيها صوت أم لا صوت مؤامرة، وأن نرى في ألمها فرصة للإنصاف لا مناسبة للتشهير.
عباد الله، كلما طال هذا الملف، كبرت الشوكة. وكلما اشتد الهجوم على أمهات المعتقلين، انكشف بؤس الذين يعيشون من الجراح. وكلما ارتفع صوت العفو والمصالحة، اقتربنا خطوة من المعنى الحقيقي للوطن.
ذلك المعنى الذي يجعله بيتا يتسع للاختلاف، ودولة تعرف متى تعاقب، لكنها تعرف أيضا متى تعفو، ومتى تقول لأبنائها: هذا “يكفي”، لقد طال الألم أكثر من اللازم!