العروي ليس نبيّا للعزلة
فجأة، وفي عزّ لحظة الهزال الإعلامي التي اكتشفناها بعد استضافة تظاهرة من حجم “الكان”، وبينما كان المفروض أن ننكبّ فورا على تدارك العجز الفاضح في الدفاع عن صورتنا وفي تدبير نقاشاتنا الداخلية بالمعطيات والحجّة… “اكتشفنا” عبد الله العروي، أو بالأحرى أيقظناه في داخلنا على طريقة الاستدعاء الكسول.
لم نقرأ فكر الرجل. ولم نستحضره كفكر. ولم نأخذه كتمرين شاق على التاريخ والعقل. بل أخذنا منه جملة واحدة فقط: “المغرب جزيرة ويجب أن نتصرّف كجزيرة”. ثم وضعناها في فم الغضب، كما يضع مثيرو الشغب مقاعد المدرجات في أيديهم، لا للجلوس والتأمل، بل للتراشق وإيذاء الآخر.
أنا هنا لا أدافع عن العروي بوصفه “قدّيسا” فوق النقد. الرجل نفسه لا يطلب هذه المعاملة، ولا يحبّها. لكنني أرفض أن يُحوَّل الرجل إلى عكّاز أيديولوجي لتبرير انتحارنا البطيء.
العبارة التي قيلت في سياق معيّن، وبخلفية فكرية محددة، جرى بترها من جسدها، ثم استعملت كترخيص مجاني لرفض الآخر، وكأنها إذنٌ بالعودة إلى حياة بدائية جديدة، والانسحاب من الجغرافيا، ومن التاريخ، والغوص في “الإنسان المغربي” لا لاستخراج مكامن قوته، بل لإخراج أسوأ ما فيه تجاه نفسه وتجاه محيطه والعالم.
المفارقة أننا استدعينا مفهوم “الجزيرة” في اللحظة التي كان يفترض أن نكتشف فيها العكس تماما: أننا لسنا جزيرة إعلاميا. أننا عراة مكشوفون. أن خصومنا يتكلمون بلغات كثيرة، ونحن نردّ بعُقدة واحدة. أنهم يشتغلون بخطط وصور وبيانات، ونحن نشتغل بالارتباك والشتائم والثرثرة.
العروي، لمن يريد أن يفهمه لا أن يركبه، لا ينظر إلى علاقة المغرب بمحيطه بمنطق العزلة والانكفاء باعتبارهما “خيارا” قابلا للدفاع عنه على المدى الطويل. بل يتعامل مع الانكفاء بوصفه وضعا اضطراريا وقع في لحظات معينة، وكانت كلفته في الغالب هي التأخر وإعادة إنتاج الهشاشة.
في قراءته لمسار المغرب وكتاباته عن المغرب الكبير، يتكرر معنى واضح مفاده أن الناس حين يختارون الصعود إلى الجبال أو الاحتماء بالصحراء، فهم لا يربحون استقلالا حضاريا، بل يدخلون في ما يشبه المنفى داخل الجغرافيا نفسها. لأن العالم لا ينتظر المنعزلين. والتاريخ لا يربّت على كتف من قرر أن ينام في اللحظة التي اشتغل فيها الآخرون على أدوات القوة.
عندما يستحضر العروي شمال إفريقيا من منظور تاريخي، من الرومان إلى الفرنسيين، فأنه يفعل ذلك ليقول شيئا قاسيا: كل ضربة خارجية كانت تترك وراءها مجتمعا أقل قدرة على اللحاق، وأكثر قابلية لإعادة إنتاج نفس الضعف. وبالتالي فإن الانكماش في فكر العروي ليس مجدا، بل كلفة وفاتورة.
لاحظ العروي في بعض كتاباته في عقد السبعينيات، أننا قد نتحرر سياسيا كما حصل مع إنهاء عقد الحماية، لكننا نظل ننظر إلى أنفسنا بعيون الآخر. وبرهن كيف أن الاستشراق الفرنسي لم يكن وصفا لأحوالنا بقدر ما كان تجميدا للذات المغربية، وجعل مجتمعاتنا تقف في صورة ثابتة من الماضي، كما لو أن الحاضر ليس حقا لنا.
ويعتبر العروي ذلك أمرا شديد الخطورة لأنه يحافظ على بنيات عتيقة ويمنع التطور، بل يدفع نحو التراجع. لذلك كان يدعو إلى استعادة قوة تعريف الذات عبر الوعي التاريخي. أي أن نخرج من عقدة النقص تجاه الغرب، ومن وهم “الأصالة” الذي يتحول، عند الكسالى، إلى قيد يكبّل المجتمع بدل أن يكون رصيدا يُفهم داخل التاريخ.
هنا تصبح “الجزيرة” استعارة مضادة للانغلاق، لا ذريعة له. فالجزيرة عند العروي ليست دعوة لقطع الجسور، بل تنبيه إلى ضرورة بناء الذات بوعي، لأن من لا يملك أدوات العصر سيُستهلك، سواء انفتح أو انغلق.
ومعروف أن عبد الله العروي لا يحبّ الرومانسية، سواء رومانسية الذوبان في الآخر أو رومانسية “الخصوصية”. وهو من أكثر من شدّدوا على أن الاستلهام من الآخر ليس عيبا. الاستلهام المؤسَّس، الواعي، المنظم، هو الطريق لاختصار الزمن التاريخي بدل الدوران داخل حلقة الأعذار الثقافية.
الانسحاب في التاريخ المغربي كما قدّمه العروي لم يكن يوما بابا للنهضة. لذلك كان نداؤه أن كفانا منفى ذهنيا. وكفى من الإقامة في ما يعتبره “خيبة التقدميين”. وكفى تعلّقا بصورة مثالية عن المستقبل دون أدواته.
وانطلاقا من هذا النداء بالعودة إلى الحاضر، وبعد استحضار ماذا حدث عندنا بعد مباراة النهائي الإفريقي، نفهم كيف أن الهزيمة الأليمة هي التي جعلت كثيرين يبحثون عن تفسير سريع، وعن عدوّ جاهز، وعن جملة جاهزة، فوجدوا “جزيرة العروي”.
هكذا بدأنا نرى المعنى ينقلب من تحليل استراتيجي إلى شعار شوفيني. ومن استعارة للتفكير إلى رصاصة ضد إفريقيا، وضد العرب، وضد الجيران، وضد المهاجرين. أي ضد كل “آخر” يمكننا تحميله مسؤولية خيبة كروية.
هنا لا تصبح المشكلة في العروي، بل فينا نحن. وفي قابلية مجتمع كامل لأن يختزل فكرا معقدا في عبارة، ثم يضيف إليها ما يشاء من كراهية، ثم يمشي بها إلى حيث لا يريد العروي نفسه أن يذهب.
لا أحتاج أن أذكّر بأن المغرب لم يكن يوما جزيرة ولن يكون. بل نحن ملتقى بحرين وقارتين والكثير من الفضاءات. نحن مغاربيون ومتوسطيون وإفريقيون في الوقت نفسه. وأفضل طريقة لحماية هذا الموقع ليست أن نغلقه، بل أن نحسن استعماله. وأن نعرف كيف ندير علاقتنا بمحيطنا بعقل بارد لا بعاطفة. وأن ننفتح بمنطق المصلحة لا بمنطق التوسّل. ونختلف دون عنصرية. ونفاوض دون شعور بالدونية. ونواجه الاستهداف الخارجي بأدوات إعلام مهنية وقوية، لا بشتائم ضعيفة.
رجاء، لا تستعملوا عبد الله العروي ضد المغرب. ولا تجعلوا مفهوم “الجزيرة” خندقا للكسل. بل خذوا منها فكرة البدء من الذات، وفهمها، وبناء أدواتها، ثم الخروج إلى العالم برأس مرفوع، لأن الجزيرة الحقيقية ليست المغرب، بل هي عقلٌ قرر أن يفصل نفسه عن زمنه. وهذا النوع من الجزر لا يحمي أحدا، بل يغرق ببطء، ولوحده، وبصمت، وبأرقى الشعارات.