story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

السياسيون في الحملة و”مي حسبية في الكهف”.. قصة صادمة لمسنة من آسفي تسد جوعها بالتراب

ص ص

في الوقت الذي تتزاحم فيه الوعود الانتخابية على الجدران، وتتردد في الساحات كلمات الكرامة والعدالة الاجتماعية ومستقبل أفضل، تعيش حكايات أخرى بعيدا عن ضجيج الميكروفونات وأضواء الحملات. حكايات لا تحتاج إلى برنامج انتخابي طويل كي تروى، ولا إلى خطب كثيرة كي تفهم، لأن تفاصيلها تختصر السؤال كله: كيف يمكن لإنسان أن يعيش وحيدا، وقد تجاوز الثمانين من العمر، داخل مغارة في مغرب القرن 21؟

هناك، بعيدا عن المدن وصخبها، تقضي “مي حسبية”، سنواتها الأخيرة في فضاء لا يشبه البيوت إلا في كونه المكان الذي تأوي إليه. امرأة أثقلت السنون جسدها، وتركها الفقر والعزلة وجها لوجه أمام قسوة يومية صامتة، بينما يستمر العالم خارج كهفها في الحديث عن الوعود والأرقام والمستقبل.

ونحن نعيش على وقع مشهد الحملات الانتخابية لتشريعيات 2026 حيث تمتلئ شوارع المدن والقرى بصور المرشحين وتتواصل اللقاءات والتجمعات الانتخابية محملة بوعود بمستقبل أفضل وبحياة تضمن الكرامة والعدالة الاجتماعية، نشر موقع “آسفي كود“، قصة إنسانية مؤلمة تدور فصولها هناك في عمق دوار بجماعة الغيات بإقليم آسفي، حيث تعيش الأم حسبية، وهي امرأة تجاوزت عقدها الثامن داخل كهف اتخذته مسكنا منذ سنوات طويلة بعيدا عن أضواء المدن وعن الكلمات التي تملأ الحملات الانتخابية، بحيث تقضي أيامها في فضاء تغيب عنه أبسط شروط الحياة.

اختارت الأم حسبية الكهف مأوى لها أو ربما لم يكن الأمر اختيارا بالمعنى الكامل للكلمة، بقدر ما كان نتيجة لمسار طويل من العزلة والفقر والظروف الاجتماعية الصعبة. ومع مرور السنوات صار المكان جزءا من حياتها تعرف تفاصيله وتتحرك داخله بسهولة من اعتاد العيش في فضاء لا يشبه البيوت التي نعرفها غير أن الاعتياد لا يجعل المشهد أقل قسوة.

في الداخل تغيب تقريبا كل التفاصيل التي تجعل من المكان بيتا بالمعنى المتعارف عليه لا كهرباء تضيء جنباته المعتمة، ولا غاز يساعدها على إعداد الطعام إن وجد، ولا تجهيزات تقيها من قسوة الطقس. فقط بعض الأسمال والخرق والأشياء البسيطة، وموقد يعتمد على الحطب، هي ما يساعد “مي حسبية” على تدبير يومها فيما علمتها سنوات طويلة من العيش في المكان كيف تواجه قساوة الحياة بأقل الإمكانات.

تجاوزت “مي حسبية” الثمانين من عمرها لكن السنوات لم تمنحها الراحة التي يفترض أن تأتي بعد عقود من الحياة. جسدها الذي أثقلته السنون لا يزال مطالبا بمواجهة تفاصيل يومية شاقة.

تروي المرأة المسنة أن والديها توفيا فيما يعيش إخوتها في المدن لتبقى هي وحدها في هذا المكان، وحين سئلت عمن يوفر لها الطعام، لم تتحدث عن معاش أو مورد ثابت بل قالت بصوت يروي عقودا الفقر والفاقة، “المحسنين اللي كيشوفوا فيك إلا عندهم شي فليسات يعطوها”، كلمات قليلة، لكنها تختصر نمط شبه حياة قائمة على ما يجود به الآخرون في ظل غياب كامل ومتكامل لمقومات العيش.

قد يكون أكثر ما يلفت في قصة المرأة حسبية أنها لا تتعامل مع الكهف باعتباره مكانا عابرا في حياتها، فقد عاشت فيه لسنوات وأصبحت تعرف تفاصيله وتدبر شؤونها داخله إلى درجة تحول معها المكان من مأوى مؤقت إلى فضاء ارتبطت به الحياة وألم الذكريات.

ليست القدرة على الاستمرار دائما دليلا على أن الحياة تحتمل؛ ففي كثير من الأحيان، لا تكون سوى الوجه الآخر لوحدة طويلة اضطر الإنسان إلى التعايش معها.

وهكذا، فإن تأقلم هذه المرأة المسنة مع قسوة المكان لا يجعل من حياتها فيه أمرا طبيعيا، بل يكشف، خلف صبرها الصامت، عن حاجة ملحة إلى حياة أكثر أمنا واستقرارا.

فبينما اعتاد جسدها الكهل المكان، لا تزال ظروف العيش داخله تطرح أسئلة مؤلمة حول الرعاية التي تحتاج إليها امرأة مسنة تعيش بمفردها، ومدى توفر الحماية والرعاية الاجتماعية لأشخاص يقيمون بعيدا عن الخدمات ومراكز المدن.

“مي حسبية”.. خارج حسابات الحملات الانتخابية

تأتي قصة “مي حسبية” في لحظة مختلفة تماما، فخارج الكهف يعيش المغرب أجواء الحملات الانتخابية وتتنقل الأحزاب والمرشحون بين المناطق لتقديم برامجهم ومحاولة كسب ثقة الناخبين، وفي اللقاءات والخطب الانتخابية تحضر قضايا الفئات الهشة والسكن والحماية الاجتماعية وتقليص الفوارق بين المناطق وغيرها من الوعود الوردية، باعتبارها ملفات ترتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطنين.

غير أن ” مي حسبية” تبدو بعيدة عن هذا الصخب الانتخابي، إذ لا تحتاج إلى كثير من الشعارات حتى تختصر حاجاتها في تفاصيل بسيطة وأساسية: مكان آمن للعيش، ووجبة طعام تدفئ جسدها المنهك، ورعاية طبية تراعي سنها وظروفها.

من هنا تكتسب قصة هذا المرأة المسنة دلالة تتجاوز حدود وضعها الشخصي لأن الحديث عن العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق لا يكتمل داخل البرامج الانتخابية وحدها وإنما يقاس أيضا بمدى وصول أثرها إلى الأشخاص الذين يعيشون في أقصى درجات الهشاشة.

وما تبحث عنه “مي حسبية” ليس خطابا جديدا بقدر ما تبحث عن حل يراعي سنها وظروفها وارتباطها بالمكان الذي عاشت فيه سنوات طويلة، ومساعدة تحفظ إنسانيتها وتوفر لها الأمان والرعاية ولا تختزل قصتها في مشهد عابر تنتشر صوره ثم يتلاشى الاهتمام به.

*شيماء الحياني.. صحافية متدربة