الساعات الأخيرة قبل الحملة الانتخابية.. كيف تستعد مقرات الأحزاب للانطلاق؟
لم يعد يفصل عن انطلاق الحملة الانتخابية سوى ساعات قليلة، لكن داخل مقرات الأحزاب السياسية تبدو عقارب الساعة وكأنها تسير بوتيرة أسرع. في الرباط، حيث تتقاطع الاستعدادات المركزية مع ما يجري في الدوائر الانتخابية، تتواصل الترتيبات الأخيرة قبل أن تنتقل الحملة من الأوراق والاجتماعات واللوازم داخل المقرات إلى الشوارع واللقاءات الميدانية.
في هذه الساعات، لا تقتصر الاستعدادات على وضع اللمسات الأخيرة على المواد التي ستظهر في الميدان، بل تمتد إلى سلسلة من الترتيبات التنظيمية واللوجستية والتواصلية التي تسبق الحملة نفسها. وفيما تتحرك المقرات المركزية لتأمين حاجيات الدوائر وتنسيق العمل مع المرشحين، تستعد الفرق المحلية بدورها للانتقال إلى أولى الأنشطة واللقاءات بمجرد دخول الحملة حيزها الرسمي.
ولرصد أجواء هذه الساعات، انتقلنا إلى مقري حزب الاستقلال والحركة الشعبية بالرباط، كنموذجين من بين الأحزاب المتنافسة في هذه الانتخابات، لمعاينة طبيعة الاستعدادات التي تسبق انطلاق الحملة، وما يجري خلف أبواب المقرات قبل أن تبدأ اللقاءات والأنشطة في الدوائر الانتخابية.
تجهيز اللوازم قبل الانطلاق
في المقر المركزي لحزب الاستقلال، كانت بعض الترتيبات المتعلقة بالحملة الانتخابية جارية عند وصولنا. عدد من أعضاء الحزب كانوا منشغلين بترتيب وتجهيز بعض الحاجيات واللوازم التي يفترض توزيعها على الدوائر خلال الحملة.
وفي تلك اللحظة، لم يكن هناك داخل المقر من يمكنه التواصل معنا، قبل أن نتمكن لاحقاً من ربط الاتصال بمصطفى تاج، عضو اللجنة المركزية لحزب الاستقلال، الذي قدم لنا تفاصيل عن طبيعة الاستعدادات الجارية في المركز العام للحزب.
ويقول تاج إن المركز العام يضطلع بدور حلقة وصل بين المقر والدوائر الانتخابية، موضحاً أن اللوازم التي يجري توزيعها تشمل “القمصان والقبعات والأوراق”، إلى جانب كتب تتضمن حصيلة الفريق البرلماني وكتباً تتعلق بحصيلة الوزراء، على أن توجه هذه المواد إلى مختلف الدوائر.
الهدف من هذه العملية، بحسب تاج، هو توحيد الصورة المرتبطة بالحزب في مختلف الدوائر الانتخابية، في وقت تستعد فيه الفرق المحلية لخوض الحملة كل من موقعها.
المشهد داخل المقر يعكس جانباً من هذا العمل؛ تجهيز، وترتيب، وتوزيع واستعداد لإرسال اللوازم إلى الخارج. فالمركز لا ينتظر انطلاق الحملة حتى يبدأ العمل، وإنما يحاول أن ينهي ما يمكن إنهاؤه قبل اللحظة الرسمية.
لكن التحضير للحملة، داخل حزب الاستقلال، لا يقف عند حدود المواد التي ستصل إلى الدوائر. فهناك أيضاً ترتيبات لمواكبة المرشحين، خصوصاً في الجوانب المرتبطة بالقواعد القانونية والتقنية.

ويشير تاج إلى “إنشاء مركز للاستماع والإنصات في الرباط، يهدف إلى الإجابة عن التساؤلات التي قد يطرحها المرشحون، وتقديم استشارات قانونية وتقنية لهم”. كما يتحدث عن دورات تكوينية وأدلة أُعدت لمساعدة المرشحين على التعامل مع الجوانب القانونية والمالية المرتبطة بالحملة.
في هذه المرحلة، تبدو الحملة الانتخابية بالنسبة إلى المقر المركزي عملية تحتاج إلى شبكة من التنسيق، لا مجرد برنامج لقاءات ميدانية. فالمركز، وفق ما يشرحه تاج، يتولى أيضاً التنسيق مع مسؤولي الحملات على مستوى الجهات، في محاولة لإبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين المركز والدوائر.
وبالتوازي مع هذا العمل، يستعد المرشحون للانتقال إلى التواصل المباشر مع الناخبين، مع حضور مواز للتواصل الرقمي. ويوضح تاج أن وكلاء اللوائح والمرشحين مبرمجون للقاءات تواصلية ميدانية مع بداية الحملة، إلى جانب الاعتماد على المنصات الرقمية.
من قلب هذا المشهد، تبدو الساعات الأخيرة مرحلة تسبق الحركة التي ستظهر في الخارج. ما يجري داخل المقر الآن هو إعداد لما سيحدث في الدوائر خلال الأيام المقبلة؛ إذ يتم تجهيز الموا، وتوزيع التجهيزات، ومواكبة المرشحين، في حين يتولى مسؤولون التنسيق بين مستويات مختلفة من التنظيم.
آخر اللمسات
ومن مقر الاستقلال قرب باب الأحد إلى مقر الحركة الشعبية في حسان. عند الوصول كان محمد الدريسي، رئيس لجنة الإعلام والتواصل في حملة الحزب، منهمكاً في بعض اللمسات على واجهة مدخل المقر، فيما كان عدد من مناضلي الحزب متواجدين في المكان.
كانت الواجهة نفسها جزءاً من الاستعداد. فقد تغيرت الصورة البصرية للمبنى بإضافة سنابل قمح، في إحالة إلى هوية الحزب وشعاره، بينما كانت آخر التفاصيل توضع أمام المقر.

لا يتعلق الأمر هنا بمشهد تعبئة صاخب كما كان في مقر الاستقلال، بقدر ما تكشف التفاصيل عن مرحلة استكمال اللمسات الأخيرة. الدريسي كان يتابع بنفسه بعض هذه الترتيبات إلى جانب مناضلي الحزب.
وعن طبيعة الاستعدادات، يقول الدريسي إن الحزب يصل إلى الساعات الأخيرة وهو يستكمل ما يحتاجه لوجستيكياً وإعلامياً، موضحاً أن اللوازم الموجهة إلى الأقاليم تشمل القبعات والسترات والأوراق، مع وجود تنسيق بين المركز والجهات ومديري الحملات.
وكما هو الحال في مقر الاستقلال، تظهر مسألة التنسيق كجزء أساسي من التحضير. فالحملة التي ستجري في عشرات الدوائر تحتاج، بالنسبة إلى التنظيم المركزي، إلى آلية تسمح بمتابعة ما يحدث في الميدان والاستجابة لما يطرأ من حاجات أو تساؤلات.
الدريسي يتحدث في هذا السياق عن تخصيص أعضاء على مستوى الجهات للتواصل مع مديري الحملات، بينما يظل المركز المركزي، بحسب وصفه، في حالة استعداد للاستجابة للطلبات ومواكبة سير الحملة.
مواكبة رقمية
غير أن جزءاً من التحضير في الحركة الشعبية يأخذ، كما يشرح الدريسي، منحى رقمياً واضحاً. فالحزب لا يريد أن يظل التواصل مع المناضلين والمرشحين محصوراً في الوسائل التقليدية، بل أدخل أدوات رقمية إلى عملية المواكبة.
ومن بين هذه الأدوات نظام للرد على استفسارات المناضلين أطلق عليه الحزب اسم “بوت حركي”، وهو رقم مخصص للإجابة عن الأسئلة، إلى جانب العمل على مواكبة أعضاء الحزب في استخدام منصات مثل يوتيوب وفيسبوك وإنستغرام.
بالنسبة إلى الدريسي، “يمثل هذا الجانب أحد أوجه التغيير في طريقة العمل التنظيمي للحزب خلال هذه الحملة”. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد، وفق ما يصفه، مجرد واجهة لنشر المحتوى، وإنما أصبحت جزءاً من عملية التواصل والمواكبة.
ولا تنفصل هذه الرقمنة عن الاستعدادات اللوجستية والتنظيمية. فالحزب، بحسب الدريسي، نظم أيضاً دورات تكوينية للمناضلين وأعد دلائل مرتبطة بالجوانب القانونية والمالية، بهدف مساعدة الفرق الانتخابية على التعامل مع مختلف تفاصيل الحملة.
وهكذا، تكشف الجولة بين المقرين جانباً من الساعات التي تسبق الانطلاق الرسمي للحملة: في مقر حزب الاستقلال، حركة لوجستية كثيفة وتوزيع للتجهيزات بين المركز والدوائر، إلى جانب مركز لمواكبة المرشحين؛ وفي مقر الحركة الشعبية، استكمال للترتيبات اللوجستية والإعلامية، بالتوازي مع أدوات رقمية جديدة للمواكبة والتواصل الداخلي.
وبينما تظل هذه التفاصيل بعيدة عن أعين الناخبين الذين ستصل إليهم الحملة خلال الأيام المقبلة، فإنها تشكل جزءاً أساسياً من الآلية التي تقف خلف اللقاءات والأنشطة التي ستظهر في الميدان.
في الخارج، لم يبدأ السباق بعد. أما داخل المقرات، فقد بدأت الحملة فعلياً منذ وقت سابق، في صورة اجتماعات وترتيبات واتصالات وتوزيع للوازم، وفي ساعات أخيرة يحاول فيها كل تنظيم أن يتأكد من أن ما يحتاجه موجود في مكانه قبل أن تبدأ المرحلة التي لا يعود فيها العمل خلف الأبواب، وإنما أمام الناخبين.