story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
برلمان |

الدفع بعدم دستورية القوانين.. كيف يتيح القانون الجديد للمغاربة الطعن في النصوص التشريعية؟

ص ص

دخل القانون التنظيمي رقم 35.24 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون مرحلة جديدة بعد نشره في الجريدة الرسمية، مستكملا بذلك أحد أبرز الأوراش الدستورية التي نص عليها دستور 2011، وتفتح لأول مرة الباب أمام المتقاضين لإثارة عدم دستورية قانون يرون أنه يمس بحقوقهم أو بحرياتهم الدستورية أثناء نظر القضاء في النزاعات المعروضة عليه.

ورغم صدور القانون، فإن العمل به لن يبدأ إلا بعد مرور أربعة وعشرين شهرا على تاريخ نشره، أي ابتداء من فاتح يوليوز 2028، وهو أجل بررته وزارة العدل بالحاجة إلى استكمال مختلف التدابير القانونية والتنظيمية والتقنية والتكوينية اللازمة لضمان التطبيق الأمثل لهذه الآلية الدستورية الجديدة، فيما اعتبرت المحكمة الدستورية أن المشرع يملك سلطة تقديرية في إرجاء نفاذ القوانين متى كان ذلك متناسبا مع متطلبات تفعيل آلية دستورية جديدة وإرساء الشروط القانونية والتقنية اللازمة لممارستها.

ويعد هذا القانون التنظيمي من أبرز النصوص المكملة للفصل 133 من دستور 2011، الذي أقر لأول مرة مبدأ الدفع بعدم دستورية القوانين، بما يسمح للمتقاضين بإثارة أمام القضاء عدم دستورية نص تشريعي يطبق في قضاياهم إذا تبين أنه يمس بحق أو بحرية يكفلها الدستور.

ورش دستوري طال انتظاره

وأعلنت وزارة العدل أن صدور القانون التنظيمي رقم 35.24 يشكل محطة دستورية بارزة، باعتباره ثمرة مسار تشريعي امتد لسنوات، ويجسد التزامها باستكمال تنزيل الأوراش الدستورية الكبرى التي أقرها دستور 2011، وعلى رأسها تفعيل الفصل 133.

وأوضحت الوزارة في بلاغ أعقب نشر القانون بالجريدة الرسمية أن اعتماد هذا النص التنظيمي يمثل خطوة مهمة في تعزيز دولة الحق والقانون، من خلال تمكين المتقاضين من إثارة عدم دستورية أي مقتضى قانوني يرون أنه يمس بحقوقهم أو بحرياتهم الدستورية أثناء نظر القضاء في النزاعات المعروضة عليه.

وأضافت أن هذه الآلية تنقل الرقابة على دستورية القوانين من نطاقها التقليدي إلى المجال القضائي العملي، بما يعزز مكانة القضاء في حماية الحقوق والحريات، ويكرس مبدأ سمو الدستور باعتباره المرجعية العليا للتشريع.

كما أبرزت أن القانون يمنح، لأول مرة في تاريخ المنظومة الدستورية المغربية، لكل مواطن ومواطنة الحق في الدفع بعدم دستورية نص قانوني يطبق في قضيته إذا تبين أنه يمس بحق أو بحرية يكفلها الدستور “الأمر الذي يعزز الضمانات المرتبطة بالمحاكمة العادلة، والمساواة أمام القانون، وصون الكرامة الإنسانية”.

واعتبرت الوزارة أن هذه الآلية تمثل إحدى الركائز الأساسية لدولة المؤسسات، لما توفره من رقابة دستورية على التشريعات، وتسهم في ترسيخ استقلال السلطة القضائية، وتعزيز ثقة المواطنين في العدالة، فضلا عن دعم ثقافة حقوق الإنسان داخل المنظومة القضائية، انسجاما مع المقتضيات الدستورية والالتزامات الدولية للمملكة.

بداية المسار

ورغم أن القانون خرج إلى حيز الوجود في صيغته الحالية، فإن مساره التشريعي يعود إلى سنة 2018، حين صادق البرلمان بغرفتيه على مشروع قانون تنظيمي سابق، قبل أن يحال على المحكمة الدستورية التي أصدرت قرارها رقم 70/18 م.د بتاريخ 6 مارس 2018، وقضت فيه بمطابقة الجزء الأكبر من مقتضياته للدستور، مع التصريح بعدم مطابقة بعض المقتضيات، خاصة المرتبطة بمسطرة التصفية.

واستجابة لملاحظات المحكمة الدستورية، أعادت وزارة العدل، بتنسيق مع الأمانة العامة للحكومة والقطاعات المعنية، إعداد مشروع جديد يراعي التفسيرات الدستورية ويعالج الإشكالات التي أثارها القرار السابق، قبل أن يصادق عليه المجلس الوزاري المنعقد في 19 أكتوبر 2025.

ما الذي سيتغير بالنسبة للمواطن؟

يقوم القانون التنظيمي على إرساء توازن بين حماية الحقوق والحريات الدستورية وضمان حسن سير العدالة واستقرار المراكز القانونية، ويحدد لأول مرة الإطار القانوني الذي يمكن المتقاضين من الدفع بعدم دستورية قانون أثناء نظر المحاكم في نزاعاتهم.

ويتكون القانون من 31 مادة موزعة على ستة أبواب، تشمل الأحكام العامة، وشروط وإجراءات إثارة الدفع بعدم الدستورية أمام المحاكم وأمام المحكمة الدستورية بمناسبة المنازعات الانتخابية، ومسطرة البت في الدفع، وآثار القرارات الصادرة بشأنه، إلى جانب الأحكام الختامية.

أبرز المقتضيات

يتضمن القانون مجموعة من المقتضيات التي تحدد كيفية ممارسة هذا الحق الدستوري، ومن أبرزها التنصيص صراحة على أن النيابة العامة تعد طرفا في الدعوى العمومية، وفي القضايا المدنية التي تكون طرفا أصليا أو منضما إليها وفق القوانين الجاري بها العمل.

كما يتيح إثارة الدفع بعدم دستورية القوانين أمام مختلف محاكم المملكة، مع حصر إثارته أمام محكمة النقض في الحالات التي ينعقد لها الاختصاص باعتبارها محكمة موضوع، فضلا عن إمكانية إثارته مباشرة أمام المحكمة الدستورية بمناسبة الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان.

ونظم القانون شروط إثارة الدفع لأول مرة خلال مرحلة الاستئناف، حيث قصر ذلك على حالتين استثنائيتين، الأولى إذا صدر حكم غيابي في المرحلة الابتدائية في حق مثير الدفع، والثانية إذا صدر مقرر قضائي في المرحلة الابتدائية استنادا إلى نص تشريعي لم يثره الطرف الآخر، بما حال دون إمكانية إثارة الدفع خلال تلك المرحلة.

ومن أجل ضمان جدية الدفوع، نص القانون على أن تكون مذكرة الدفع موقعة من محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، وأن تتضمن بيان الحق أو الحرية التي يضمنها الدستور والتي يدعى أنها تعرضت للخرق أو الانتهاك.

كما عزز دور محكمة النقض في تصفية الدفوع غير الجدية، من خلال تخويلها صلاحية التحقق من وجود صلة بين المقتضى التشريعي محل الدفع والحق أو الحرية الدستورية المدعى انتهاكها، إلى جانب التأكد من أن المحكمة الدستورية لم يسبق لها أن بتت في مطابقة ذلك المقتضى للدستور.

وفي المقابل، منح القانون المتقاضين الذين صدرت في حقهم أحكام نهائية استنادا إلى نصوص تشريعية قضت المحكمة الدستورية لاحقا بعدم دستوريتها، إمكانية رفع دعوى جديدة، بما يهدف إلى تحقيق الإنصاف ورفع الضرر.

كما كرس مبدأ الأمن القانوني، من خلال التنصيص على عدم إمكانية إثارة مسؤولية الدولة عن تطبيق نص تشريعي كان نافذا قبل أن تصرح المحكمة الدستورية بعدم مطابقته للدستور، وذلك حفاظا على استقرار المراكز القانونية والمعاملات.

وراعى القانون خصوصية هذا النوع من المنازعات، بالنص على عدم علنية الجلسات المتعلقة بقضايا الدفع بعدم دستورية القوانين.

ونص كذلك على أن يدخل القانون التنظيمي حيز التنفيذ بعد مرور أربعة وعشرين شهرا من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، وهي المهلة التي اعتبرها المشرع ضرورية لتهيئة الأطر القانونية والتنظيمية والمؤسساتية الكفيلة بتنزيل هذا الورش الدستوري.

قرار المحكمة الدستورية

وكانت المحكمة الدستورية قد قضت في قرارها رقم 264/26 م.د بمطابقة القانون التنظيمي لأحكام الدستور، مع إبداء تفسيرين ملزمين يتعلقان بالبند الأول من المادة 9 والفقرة الأخيرة من المادة 29، فيما اعتبرت أن عددا من المقتضيات سبق أن بتت في دستوريتها، ولا محل لإعادة فحصها.

وأوضحت المحكمة أن القانون التنظيمي يتكون من 31 مادة موزعة على ستة أبواب، تشمل الأحكام العامة، وشروط وإجراءات إثارة الدفع بعدم الدستورية أمام المحاكم، وأمام المحكمة الدستورية بمناسبة المنازعات الانتخابية، ومسطرة البت في الدفع، وآثار القرارات الصادرة بشأنه، إلى جانب الأحكام الختامية.

وفيما يخص الفقرتين الثانية والثالثة من المادة الثالثة، اللتين تحددان شروط إثارة الدفع لأول مرة خلال مرحلة الاستئناف أو أمام محكمة النقض، رأت المحكمة أن المشرع نظم ممارسة هذا الحق بصورة لا تمس جوهره، وأن القيود الواردة فيهما تستند إلى أسباب موضوعية ومبررة، ولا تشكل تقييدا غير متناسب للحق في الدفع بعدم الدستورية.

ومن أبرز ما تضمنه القرار، التفسير الذي قدمته المحكمة للبند الأول من المادة 9 المتعلق بدور محكمة النقض في فحص الدفع بعدم الدستورية.

وأكدت المحكمة أن الدستور لا يمنع المشرع من تخويل محكمة النقض صلاحية التحقق من استيفاء مذكرة الدفع لشرط وجود صلة بين المقتضى التشريعي محل الدفع وبين الحق أو الحرية موضوع الخرق أو الانتهاك، غير أنها شددت على أن هذه الصلاحية يجب أن تظل محصورة في مجرد التثبت من وجود سند دستوري للحق أو الحرية موضوع الدفع، سواء في نص الدستور أو في قرارات القضاء الدستوري.

وأوضحت أن محكمة النقض لا تملك، في هذه المرحلة، صلاحية تقدير دستورية المقتضى التشريعي محل الدفع، أو تحديد طبيعة الحق أو الحرية المدعى انتهاكها أو نطاقهما، لأن هذه الاختصاصات تبقى حصريا للمحكمة الدستورية.

وفي ما يتعلق بالفقرة الأخيرة من المادة 29، الخاصة بإجراءات التبادل والإيداع والتبليغ الإلكتروني للوثائق والمذكرات المرتبطة بالدفع بعدم الدستورية، اعتبرت المحكمة أن هذا المقتضى لا يخالف الدستور، شريطة أن يتم تطبيقه بما يضمن سلامة المعطيات وسريتها وموثوقيتها، ويوفر الضمانات القانونية الكافية للمتقاضين في إطار الولوج إلى العدالة الدستورية.

كما وقفت المحكمة عند المادة 31، التي تنص على دخول القانون التنظيمي حيز التنفيذ بعد انصرام أربعة وعشرين شهرا من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية، وقضت بمطابقتها للدستور، معتبرة أن للمشرع سلطة تقديرية في إرجاء نفاذ القوانين متى كان ذلك متناسبا مع متطلبات تفعيل آلية دستورية جديدة وإرساء الشروط القانونية والتقنية اللازمة لممارستها.

ويشكل القانون التنظيمي رقم 35.24 إحدى أهم حلقات استكمال تنزيل دستور 2011، باعتباره يفعل مقتضيات الفصل 133 ويؤسس لآلية تسمح للمتقاضين بالدفع بعدم دستورية قانون يمس بحقوقهم أو بحرياتهم أثناء نظر القضاء في نزاعاتهم.