story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

“البحر أقل قسوة من البقاء”.. لماذا يخاطر المغاربة بحياتهم للوصول إلى سبتة؟

ص ص

في تسعة أيام فقط، وصل أكثر من ألف مهاجر غير نظامي سباحة إلى مدينة سبتة المحتلة، في أكبر موجة عبور تشهدها المدينة منذ أزمة ماي 2021. وخلال الفترة نفسها، تضاعف عدد القاصرين غير المصحوبين بذويهم داخل منظومة الحماية المحلية، وامتلأ مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين، فيما افترش مئات الوافدين الأرض في انتظار مكان للإيواء، وسط تحذيرات من سلطات المدينة بأن الوضع بلغ “مرحلة خطيرة للغاية” وبات يقترب من حدود الانهيار.

ولا يفسر هذا الارتفاع بظروف الطقس وحدها، ولا بجرأة المهاجرين فقط ، حيث تزامنت الموجة مع حكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية غيّر طريقة تعامل السلطات مع المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر، بعدما ألزمها بإخضاعهم لإجراءات الإرجاع العادية بدل إعادتهم فورا إلى المغرب، وهو ما فتح نقاشا في إسبانيا حول ما إذا كان القرار قد ساهم في تشجيع محاولات العبور سباحة نحو سبتة.

لكن، بعيدا عن الجدل القانوني، يظل السؤال الأعمق: لماذا أصبح مئات الشباب المغاربة، وبينهم قاصرون وفتيات، مستعدين للمخاطرة بحياتهم في البحر، رغم إدراكهم أن الرحلة قد تنتهي بالغرق أو الاختفاء؟ وهل يتعلق الأمر بموجة موسمية سرعان ما تنتهي، أم أن ما يجري يعكس تحولا أعمق في دوافع الهجرة غير النظامية؟

البحر أقل قسوة من البقاء

في هذا الصدد يرى الحقوقي والأستاذ الجامعي خالد البكاري أن تفسير هذه الظاهرة لا يبدأ من البحر، و إنما من اليابسة، حيث تتراكم لدى جزء من الشباب مشاعر الإحباط وفقدان الأمل في تحسين أوضاعهم داخل المغرب.

ويقول البكاري، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، إن السبب الرئيسي الذي يدفع الشباب إلى خوض رحلات تهدد سلامتهم الجسدية وحقهم في الحياة هو “اليأس من إمكانية تحقيق شروط العيش الكريم داخل المغرب”، مضيفا أن هذا الشعور لم يعد يقتصر على الشباب أنفسهم، بل امتد إلى أسرهم التي أصبحت، في حالات كثيرة، تتعامل مع الهجرة غير النظامية باعتبارها فرصة أخيرة، بعدما كانت ترفضها حتى عندما كانت تتم بطرق قانونية.

ولا يربط البكاري الظاهرة بالعوامل الاقتصادية وحدها، حيث يعتبر أن السنوات الأخيرة أفرزت عاملا ثقافيا جديدا، يتمثل في الصورة التي تصنعها شبكات التواصل الاجتماعي عن الحياة في أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث تتحول قصص النجاح الفردية إلى نموذج يتطلع كثير من الشباب إلى تكراره.

اقرأ أيضا

فمقاطع الوصول إلى سبتة، والصور التي ينشرها مهاجرون تمكنوا لاحقا من تسوية أوضاعهم القانونية، تخلق، بحسب المتحدث، “متخيلا جماعيا” يجعل الهجرة تبدو طريقا مختصرا نحو حياة أفضل، حتى بالنسبة إلى شباب لا يعيشون بالضرورة أوضاعا اجتماعية متدهورة.

وتتقاطع هذه القراءة مع الانتشار المتزايد لمجموعات على منصات التواصل الاجتماعي تتبادل معلومات حول أماكن الانطلاق، وأفضل توقيت للسباحة، والمعدات المستعملة، وهو ما يمنح كثيرين شعورا بأن النجاح ممكن، بينما تغيب في المقابل قصص الذين انتهت رحلتهم في قاع البحر.

المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي

وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة النقاش حول حدود المقاربة الأمنية في التعامل مع الهجرة غير النظامية، في وقت تكثف فيه السلطات المغربية والإسبانية عمليات المراقبة والإنقاذ على طول السواحل المقابلة لسبتة.

ويؤكد البكاري لصحيفة “صوت المغرب” أن المنظمات الحقوقية تميز بين مكافحة شبكات الاتجار بالبشر وبين حماية المهاجرين أنفسهم، موضحا أن الدفاع عن حقوق المهاجرين لا يعني تشجيع الهجرة غير النظامية، وإنما المطالبة بضمان سلامتهم وإنقاذهم وصون كرامتهم خلال مختلف مراحل الرحلة.

ويضيف أن شبكات الاتجار بالبشر تستغل هشاشة المهاجرين وتعرضهم لأشكال مختلفة من الابتزاز والاستغلال، وهو ما يجعل تفكيك هذه الشبكات جزءا أساسيا من أي سياسة لمواجهة الظاهرة.

لكن، في المقابل، يرى المتحدث أن الاقتصار على تشديد المراقبة أو تعزيز الوجود الأمني لن يكون كافيا ما دامت الأسباب التي تدفع الشباب إلى المغادرة ما تزال قائمة.

ويشدد على أن الحد من الهجرة غير النظامية يمر، قبل كل شيء، عبر معالجة الاختلالات البنيوية المرتبطة بالفقر، التبعية التي تجعل دول الشمال تنهب ثروات دول الجنوب بتواطؤ مع حكوماتها، والتفاوتات الاجتماعية والمجالية، والفساد، وخلق فرص حقيقية تتيح للشباب بناء مستقبلهم داخل البلاد.

موجة موسمية بملامح جديدة

ورغم الزخم الذي رافق محاولات العبور خلال الأيام الأخيرة، يرى البكاري أن ما يحدث لا يخرج بالكامل عن النمط الموسمي الذي تشهده المنطقة كل صيف.

ويفسر ذلك بأن هدوء البحر وتحسن الرؤية خلال هذه الفترة يشجعان على الإقدام على السباحة نحو سبتة، كما أن المنطقة تعرف سنويا ارتفاعا في محاولات العبور، سواء عبر البحر أو من خلال السياجات الحدودية أو المعابر، تزامنا مع مواسم معينة ترتبط بحركة التنقل بين الضفتين.

اقرأ أيضا

إلا أن الموجة الحالية تحمل، بحسبه، مؤشرات جديدة تستحق التوقف عندها، وفي مقدمتها تزايد حضور الفتيات ضمن محاولات الهجرة، بما يعكس ما يصفه بـ”تأنيث” الظاهرة، إلى جانب استمرار هيمنة القاصرين على جزء مهم من محاولات العبور.

ويشير البكاري إلى أن عددا من هؤلاء القاصرين يقدمون على الهجرة بموافقة أسرهم، خاصة في المناطق التي فقدت أحد أهم مصادر دخلها بعد القضاء على التهريب المعيشي، دون أن تتوفر بدائل اقتصادية كافية تمكن الأسر من تأمين احتياجاتها الأساسية.

الحكم الإسباني

و تجدر الإشارة إلى أن موجة العبور الأخيرة تزامنت مع صدور الحكم رقم 814/2026 عن المحكمة العليا الإسبانية، الذي وضع قيودا على ما يعرف بـ”الإعادات الفورية” للمهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة أو مليلية سباحة.

ويقضي الحكم بأن الأشخاص الذين يُعثر عليهم في البحر لا يمكن إعادتهم مباشرة إلى المغرب، بل يتعين إخضاعهم لإجراءات الإرجاع المنصوص عليها في قانون الهجرة الإسباني، والتي تشمل تحديد الهوية، وتوفير المساعدة القانونية، والاستعانة بمترجم، مع إتاحة إمكانية التقدم بطلب للحماية الدولية إذا توفرت شروطها.

وأثار القرار نقاشا داخل إسبانيا بشأن تأثيره المحتمل على الارتفاع الأخير في أعداد الوافدين. وترى نقابات أمنية وجمعيات تمثل عناصر الحرس المدني أن الحكم غيّر طبيعة الحوافز أمام المهاجرين، إذ أصبحت كل عملية اعتراض في البحر تستلزم مسطرة قانونية أطول وإمكانات بشرية ولوجستية أكبر، وهو ما قد يكون شجع مزيدا من محاولات العبور سباحة.

في المقابل، تتحفظ حكومة سبتة المحتلة على الربط المباشر بين الحكم القضائي والموجة الحالية، معتبرة أن الظروف الجوية، ولا سيما هدوء البحر خلال فصل الصيف، تظل من العوامل الرئيسية التي تفسر تزايد محاولات العبور، إلى جانب الطابع الموسمي الذي تعرفه المنطقة كل عام.