story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
تكنولوجيا |

الأرجنتين والجزائر في مونديال أمريكا.. هكذا صنع ميسي كابوس الجزائريين

ص ص

حقّق المنتخب الأرجنتيني، بقيادة ليونيل ميسي، فوزا عريضا وسهلا على نظيره الجزائري في أولي مباريات الفريقين ضمن الدور الأول من أطوار كأس العالم أمريكا 2026. ووقّع ميسي على أول ثلاثية في هذه المسابقة، مدشّنا رحلة الأرجنتين نحو الدفاع عن لقبها العالمي.
ولم يكن فوز الأرجنتين على الجزائر ضمن المجموعة العاشرة من كأس العالم 2026، مجرد بداية مثالية لحامل اللقب، بل كشفت المباراة، من الناحية التقنية، عن فارق واضح بين امتلاك الكرة والقدرة على حسم النتيجة.
دخل المنتخب الجزائري بنية واضحة للمنافسة، وحاول أن يفرض فترات من الاستحواذ، وأن يستعمل الطاقة البدنية والحركة بين الخطوط لإرباك الأرجنتين. لكن هذا الحضور لم يتحول إلى تهديد منتظم، ولا إلى قدرة حقيقية على كسر التنظيم الدفاعي الأرجنتيني.
في المقابل، لم تكن الأرجنتين في حاجة إلى سيطرة كبيرة أو ضغط هجومي دائم كي تحسم اللقاء. لعبت بهدوء، ودافعت بانضباط، وضغطت في لحظات مختارة، وتركت لميسي هامش الحرية الذي يعرف كيف يحوله إلى أهداف.
على المستوى الرمزي، كانت المباراة تاريخية لميسي، كونها صادفت ظهوره في مباراته رقم 200 مع الأرجنتين، وكونه أول لاعب يشارك في ست نسخ من كأس العالم، ثم تسجيله ثلاثية جعلته يعادل الرقم القياسي لهدّاف كأس العالم.

تحذير جزائري وتنظيم أرجنتيني
منذ الدقائق الأولى للمباراة، بدا أن الجزائر لا تريد الدخول بعقدة الاسم الأرجنتيني الكبير. قام محاربو الصحراء بمحاولة للعب بشجاعة، والبحث عن المساحات خلف الخط الدفاعي للأرجنتين، خصوصا عبر التحركات المبكرة في العمق.
هكذا جاء هدف فارس شايبي الملغى بداعي التسلل، بعد أقل من دقيقتين من فرصة أرجنتينية ملغاة أيضا لميسي، ليعطي إشارة مبكرة إلى أن المباراة لن تكون مجرد اتجاه واحد منذ البداية.
لكن تلك اللحظة بقيت أقرب إلى التحذير، فالجزائر لم تنجح بعد ذلك في تكرار هذا النوع من الاختراق بانتظام. كانت قادرة على نقل الكرة، وعلى تدويرها في بعض الفترات، لكنها اصطدمت بمنتخب أرجنتيني يعرف كيف يغلق العمق، وكيف يجعل الاستحواذ المقابل أقل خطورة مما يبدو. والنتيجة أن الجزائر امتلكت لحظات من الكرة، لكن الأرجنتين امتلكت السيطرة على نوعية الفرص.
في الجانب الأرجنتيني، قد يكون من السهل اختزال المباراة في ثلاثية ميسي، لكن سيظلم ذلك جزءا كبيرا من أداء الأرجنتين.
فحامل اللقب العالمي لم يعتمد على عبقرية قائده فقط، بل دخل المباراة بتنظيم واضح. كان دفاعه متماسكا، وخطوطه متقاربة بما يكفي لمنع الجزائر من إيجاد مساحات بين الوسط والدفاع، ولاعبوه تعاملوا مع فقدان الكرة بهدوء وانضباط.
لم تندفع الأرجنتين إلى ممارسة ضغط عال طوال الوقت، لكنها كانت تضغط عندما تكون شروط الضغط مناسبة، أي بعد تمريرة جزائرية سيئة، أو استقبال لاعب للكرة وظهره إلى الملعب، أو انتقال اللعب إلى الطرف… في مثل هذه اللحظات كانت الأرجنتين ترفع حدتها، وتدفع الجزائر إلى التمرير الأفقي أو التراجع.
منح هذا التنظيم رفاق ميسي قدرة على التحكم في إيقاع المباراة دون الحاجة إلى استحواذ دائم. فالأرجنتين كانت، في أحيان كثيرة، تسمح للجزائر بتدوير الكرة في مناطق لا تؤذي، ثم تنتظر اللحظة التي يمكن فيها افتكاك الكرة أو إجبار الخصم على خطأ. وعندما تستعيد الكرة، تبحث بسرعة عن ميسي أو عن لاعب قادر على نقل الهجمة من وضعية دفاعية إلى وضعية تهديد.

ميسي.. الحرية القاتلة
كان الهدف الأول، في الدقيقة 17، نقطة التحول الأولى في اللقاء. تلقى ميسي كرة من رودريغو دي بول في منطقة متقدمة نسبيا، ثم تحرك نحو المرمى قبل أن يسدد من حافة منطقة الجزاء كرة قوية لم يستطع الحارس لوكا زيدان التعامل معها بالشكل الكافي.
تقنيا، لم يكن الهدف مجرد تسديدة قوية من لاعب استثنائي، بل كشف خللا جزائريا في طريقة التعامل مع أخطر لاعب في الملعب. منح المنتخب الجزائري ميسي وقتا كافيا ليستقبل، ويتقدم، ويختار زاوية التسديد.
ومن خلال مراجعة لقطة هذا الهدف، نلاحظ أولا كيف أن الضغط لم يكن كافيا على حامل الكرة الأرجنتيني لمنع التمريرة الأولى. وثانيا، لم يكن هناك اقتراب سريع وحاسم من ميسي لحظة استلامه. وبين التمريرة والاستقبال والتسديد، حصل اللاعب الذي لا يحتاج إلى كثير من المساحة على ما يكفي لصناعة الفارق.
أصبحت المباراة أكثر ملاءمة للأرجنتين بعد الهدف. فحامل اللقب لم يعد مطالبا بالمجازفة، بينما صارت الجزائر مطالبة بالخروج أكثر، وبالبحث عن هدف التعادل دون أن تترك خلفها مساحات واسعة، وهذا ما يبحث عنه فريق يملك لاعبين قادرين على إدارة الإيقاع والتحول السريع.
رغم ذلك، لم تكن الجزائر سيئة في كل شيء. فقد امتلكت المنتخب، في فترات معتبرة، قدرة على تدوير الكرة ومحاولة إخراجها من الضغط، لكن الخلل كان في تحويل هذا التدوير إلى اختراق.
كانت الكرة تصل إلى الوسط، وأحيانا إلى الأطراف، لكنها نادرا ما كانت تصل إلى وضعيات تمنح المهاجمين أفضلية حقيقية داخل منطقة الجزاء.
دافعت الأرجنتين بشكل ضيق في العمق، وأجبرت الجزائر على البحث عن الأطراف أو عن تمريرات جانبية. وعندما كانت الجزائر تتحرك إلى الأطراف، كان الدفاع الأرجنتيني يعيد تنظيم نفسه بسرعة، مانعا التمريرة الداخلية الأولى، ومجبرا حامل الكرة على التراجع أو لعب كرة عرضية من وضع غير مثالي.
إحدى أبرز مشكلات الجزائر كانت غياب الربط المستمر بين لاعبي الوسط والخط الأمامي. لم يكن هناك عدد كاف من التمريرات التي تكسر الخطوط، ولا تحركات كافية خلف لاعبي الارتكاز الأرجنتينيين. لذلك بقي كثير من الاستحواذ الجزائري خارج منطقة الخطر، أو أمام كتلة أرجنتينية متماسكة ومنظمة.
برز ذلك بوضوح بعد بداية الشوط الثاني، حين حاولت الجزائر تدوير الكرة بحثا عن منفذ، لكنها وجدت نفسها في مواجهة دفاع أرجنتيني يترك لها الكرة لكنه لا يترك لها العمق.

كرة ميسي الثانية
جاء الهدف الثاني في الدقيقة 60 حين سدد أليكسيس ماك أليستر كرة قوية من مسافة بعيدة، ففشل الحارس لوكا زيدان في الإمساك بها، لترتد أمام ميسي الذي تابعها إلى الشباك.
قد يعتبر البعض هذا الهدف خطأ من الحارس، وهذا صحيح جزئيا. لكن القراءة التقنية تكشف أن الأرجنتين استفادت من تمركز جيد حول منطقة الجزاء، ومن حضور ذهني في متابعة الكرة الثانية.
دفعت الجزائر ثمن لحظة فقدان التركيز بعد التسديدة. كان على الدفاع أن يتوقع احتمال ارتداد الكرة، وأن يغلق المساحة الأقرب إلى الحارس، لكن ميسي كان الأسرع في قراءة اللحظة.
بعد هذا الهدف، حاول المدرب الجزائري ضخ دماء جديدة بإدخال لاعبين قادرين على تحسين الجودة الفنية والهجومية، من بينهم رياض محرز وحسام عوار ومحمد الأمين عمورة.
منحت هذه التغييرات الجزائر قدرا أفضل من الحيوية، خصوصا من حيث القدرة على الاحتفاظ بالكرة في مناطق أعلى، والبحث عن تبادل سريع بين الخطوط.
ظهرت إحدى أبرز الفرص الجزائرية بعد تفاعل فني بين محرز وإبراهيم مازة، انتهى بتسديدة لعوار مرت بجانب المرمى. وكانت تلك اللقطة مؤشرا على ما كان ينقص الجزائر منذ البداية: لاعبون قادرون على الجمع بين الاستلام تحت الضغط، والتمرير في المساحة، والتحرك قرب منطقة الجزاء.
رغم ذلك، بقي تحسن الأداء محدود الأثر. فالأرجنتين لم تفقد شكلها الدفاعي، ولم تمنح الجزائر فرصا متتالية. ظلت الأرجنتين تتحكم في مناطق الخطر، وتدفع الجزائر إلى حلول فردية أو تسديدات من وضعيات غير مريحة.
حسّنت التغييرات الجزائرية الأداء العام، لكنها لم تغير طبيعة المباراة. فالنتيجة كانت قد بدأت تميل نفسيا وتكتيكيا نحو الأرجنتين التي كانت تعرف كيف تخفض وترفع الإيقاع.

الثالثة ثابتة
جاء الهدف الثالث في الدقيقة 76 ليحسم المباراة نهائيا، ويقدم صورة مركزة عن الفارق بين المنتخبين. فقد تحولت الأرجنتين بسرعة، وتلقى ميسي الكرة في وضع يسمح له بالتحكم في إيقاع الهجمة. لم يندفع، بل قاد الحركة بهدوء، وتبادل الكرة، ثم سدّد بلمسة دقيقة من خارج المنطقة تقريبا، واضعا الكرة بعيدا عن متناول الحارس.
كان هذا الهدف “ميسيا” بالكامل، ليس فقط لأن ميسي سجله، بل لأنه جمع بين التحكم في الزمن، والقدرة على إبطاء الهجمة لحظة، ثم تسريعها لحظة أخرى، ثم اختيار الزاوية بأقل قدر من الاستعراض. وأمام دفاع بدأ يفقد توازنه، كان هذا النوع من الهدوء قاتلا.
بالنسبة للجزائر، عندما توسعت المسافات بحثا عن العودة، أصبحت الأرجنتين أكثر خطورة في التحول. ومع التعب، تراجعت قدرة لاعبي الوسط والدفاع على إغلاق زوايا التمرير والعودة بسرعة إلى مواقعهم. وهكذا تحولت محاولة العودة إلى باب لهدف ثالث.
والنظر إلى أطوار المباراة، تبدو نتيجة فوز رفاق ميسي منطقية، حتى لو كان حجمها قاسيا على الجزائر. فالأرجنتين كانت أكثر فعالية، وأكثر تنظيما في مناطق الخطر، وأكثر قدرة على استغلال أخطاء الخصم.
امتلكت الجزائر فترات من الحضور، لكنها لم تملك ما يكفي من الاختراق والنجاعة. فكانت المباراة، في جوهرها، مواجهة بين فريق يعرف كيف يحكم التفاصيل، وفريق ما زال يبحث عن تحويل حضوره إلى تهديد.
لذلك لم تكن الثلاثية مجرد مهرجان استعراضي لميسي، بل خلاصة مباراة سيطرت فيها الأرجنتين على ما هو أهم من الكرة: الإيقاع، والعمق، واللحظات التي تصنع النتيجة.