story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

اغتيال سيف الإسلام القذافي.. الهدف لم يكن الرجل بل المشروع

ص ص

لم يكن اغتيال سيف الإسلام معمر القذافي حدثًا عابرًا في مسلسل العنف الليبي، بل كان لحظةً كاشفةً لطبيعة الصراع الحقيقي في البلاد. فالرجل لم يُستهدف بصفته شخصًا فحسب، بل بصفته فكرةً ومشروعًا سياسيًا كان يمكن أن يُشكّل مخرجًا ليبيًا–ليبيًا من نفق الفوضى.

لم يكن سيف الإسلام نسخةً مكرّرة من النظام السابق، ولا امتدادًا تقليديًا لخطاب والده. كان رجلًا متعلّمًا، مدركًا لتعقيدات الدولة الحديثة، وحاملًا لرؤية إصلاحية تقوم على المصالحة الوطنية، ودمج القبيلة في الدولة بدل تحويلها إلى عدوٍّ لها. مشروعه، الذي عُرف بـ«ليبيا الغد»، لم يكن مثاليًا أو منزّهًا عن النقد، لكنه كان ـ على الأقل ـ مشروعًا سياسيًا في زمن اللامشروع.

بعد عام 2011، دخلت ليبيا مرحلة تصفية الحسابات لا مرحلة بناء الدولة. سقط نظام العقيد، وسقطت معه المؤسسات، وتعدّدت الولاءات، وتحولت الشرعية إلى سلاح يُستخدم للإقصاء. في هذا المناخ، أصبح سيف الإسلام خطرًا على الجميع: على قوى داخلية تعيش على الفوضى، وعلى أطراف خارجية لا ترى في ليبيا سوى ساحة نفوذ. فوجوده كان يعني إمكانية المصالحة، والمصالحة كانت ـ ولا تزال ـ تهديدًا لمصالح كثيرة.

ولا يمكن فصل استهداف الدكتور سيف الإسلام، كما يحب أنصاره مناداته، عن البعد القبلي، خصوصًا قبيلة القذاذفة. فليبيا ليست دولة يمكن حكمها بمنطق الإلغاء، ومن يتجاهل تركيبتها الاجتماعية يحكم عليها بصراع دائم. وقد فهم سيف الإسلام هذه الحقيقة، وسعى إلى التعامل مع القبيلة باعتبارها جزءًا من الحل، لا أصل المشكلة.

في هذا السياق، تفرض سيرة أبناء القذافي نفسها بقوة. فالمعتصم بالله، وسيف العرب، وسيف الإسلام؛ جميعهم اختاروا البقاء في ليبيا حتى النهاية. لم يختاروا المنفى، ولم يساوموا على الانتماء. وهو خيار لا يطلب التقديس، لكنه يستحق الاعتراف، لأنه عبّر عن وفاء نادر في زمن الهروب الجماعي.

إن اغتيال سيف الإسلام، في جوهره، إعلانٌ عن هزيمة السياسة أمام السلاح، وعن انتصار الإقصاء على الحوار. وهو رسالة مفادها أن كل من يحاول بناء جسر بين الماضي والمستقبل في ليبيا، قد يُقصى قبل أن يُمنح فرصة المحاولة.

لكن الأفكار لا تُدفن مع أصحابها. قد يُغتال الإنسان، وقد يُسكت الصوت، لكن السؤال الذي شكّله سيف الإسلام سيبقى مطروحًا بإلحاح:

هل تستطيع ليبيا أن تتصالح مع نفسها دون أن تمزّق ذاكرتها؟

والأسئلة التي تُطرح بعد اغتيال سيف الإسلام:

هل انتهى الوجود السياسي لعائلة القذافي وقبيلة القذاذفة؟ خصوصًا أن ابنه البكر محمد ابتعد بنفسه عن السياسة قبل كل ذلك، وبقية أبنائه ـ خميس، والمعتصم بالله، وسيف العرب ـ قُتلوا إبان أحداث عام 2011؟

أم أن الكابتن هانيبال، المفرج عنه، أو اللواء الساعدي اللاجئ، سيختار أحدهما العودة إلى ليبيا؟

وهل انتهى مشروع «ليبيا الغد» باغتيال سيف الإسلام؟

وهل انتهى «الزحف الأخضر» كما كان يسميه العقيد؟

وما مستقبل ليبيا بعد كل هذا؟