story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

ارتياح شعبي للساعة القانونية.. متى تضع الحكومة حدا لـ”التوقيت المفروض” على المغاربة؟

ص ص

مع عودة عقارب الساعة إلى الوراء بمقدار 60 دقيقة يوم الأحد الماضي استباقًا لشهر رمضان المبارك، عاد الجدل المغربي القديم-الجديد حول “الساعة القانونية”. بين تدوينات تتغنى بـ “الراحة النفسية” وفرحة الاستيقاظ مع ضوء الشمس، وبين أصوات حقوقية وطبية تحذر من “اعتداء زمني” مستمر، يطرح السؤال نفسه: لماذا تصر الحكومة على توقيت يرفضه العلم والشارع معًا؟

ومع بداية أول أسبوع بعد اعتماد التوقيت القانوني، عبّر مواطنون عن شعورهم براحة نفسية أكبر وتحسُّن في جودة النوم والمردودية المهنية، مستنكرين استمرار العمل بالتوقيت الصيفي خلال السنة.

ويأتي هذا الجدل المحلي في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الطبية، على المستوى العالمي، من مخاطر هذا التوقيت على الصحة العامة.

الساعة والإنتاجية

في هذا الصدد، يرى الخبير الاقتصادي ياسين اعليا أن المنطق الذي بُني عليه قرار الإبقاء على التوقيت الصيفي (GMT+1) يفتقر إلى سند علمي متين. فالحجة الدائمة المتمثلة في “مواكبة الشركاء الأوروبيين” تظل بلا دليل ملموس في غياب دراسات اقتصادية تثبت نفعها الصافي على الناتج الداخلي الخام.

واعتبر اعليا، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن العودة إلى توقيت غرينيتش خلال هذه الفترة تُعد أكثر انسجامًا مع الوضعية البيولوجية والاجتماعية للمغاربة، مشيرًا إلى أن حاجيات الإنسان ترتبط أساسًا بالنوم والنظام الغذائي والإيقاع المجتمعي العام.

وأوضح الخبير الاقتصادي أن حركة الشمس تظل محددًا أساسيًا في تنظيم المواعيد الاقتصادية، كما أن لها ارتباطًا مباشرًا بالأنشطة الدينية، وعلى رأسها الصلوات الخمس، وهو ما يجعل التوقيت القانوني – بحسبه – أكثر ملاءمة للواقع المحلي.

وفي المقابل، شدد المتحدث على أن مبرر تقاطع التوقيت المغربي مع الساعة الأوروبية لا يستند، وفق تعبيره، إلى دراسة اقتصادية واضحة تُثبت جدواه، مضيفًا أن فرضية تحقيق وفورات في استهلاك الطاقة الكهربائية لم يتم تأكيدها بأدلة علمية حاسمة.

وخلص الخبير الاقتصادي إلى أن الإنتاجية ترتبط أساسًا بمدى ملاءمة الظروف البيولوجية والاجتماعية لليد العاملة، معتبرًا أن إضافة ساعة خلال الفترة الصيفية بدعوى مواكبة الدول الأوروبية تبقى جدواها الاقتصادية غير مثبتة بشكل دقيق.

ساعة مفروضة ومرفوضة

من زاوية حقوقية، يذهب المحامي ورئيس الفضاء المغربي لحقوق الإنسان، محمد النويني، إلى وصف الساعة الإضافية بأنها “إجراء مفروض لا يمت للشرعية بصلة”. ويستند النويني في طرحه إلى الفصل 22 من الدستور المغربي الذي ينص بوضوح على عدم جواز المس بالسلامة الجسدية والمعنوية لأي شخص.

واعتبر النويني، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن الساعة القانونية اسم على مسمى، على عكس الساعة الإضافية، التي وصفها بأنها إجراء حكومي “مفروض على المغاربة لا يمت للشرعية القانونية أو للفِطرة الطبيعية بصلة”.

وأوضح النويني أن اعتماد الساعة الإضافية له أضرار بليغة على السلامة الجسدية والنفسية للمواطنين، لاسيما الأطفال الذين يضطرون إلى الانتقال إلى المدارس في وقت مبكر قبل شروق الشمس، ما يعرضهم لمخاطر صحية ونفسية تشمل الإرهاق، وقلة التركيز، واضطرابات النوم. وأضاف أن لهذه الظروف آثارًا أمنية أيضًا، إذ تؤثر سلبًا على سلامتهم الشخصية أثناء تنقلاتهم.

وحذر رئيس الفضاء المغربي لحقوق الإنسان من أن هذا الإجراء يتعارض مع الفصل 22 من دستور المملكة المغربية، الذي ينص على أنه: “لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة.”

كما أشار النويني إلى أن الساعة الإضافية تناقض المبادئ المنصوص عليها في المواثيق والعهود الدولية التي صادق عليها المغرب في مجال حقوق الإنسان، معتبرًا أن فرض هذا التوقيت تم دون مراعاة دراسة أثر شاملة لتقييم إيجابياته وسلبياته.

وأكد المتحدث أن غالبية المغاربة يرفضون الساعة الإضافية، لأن أضرارها تتجاوز منافعها، مشيرًا إلى أنها تسبب أزمات صحية وتؤدي إلى ارتفاع في حوادث السير نتيجة اضطراب النوم وضعف التركيز، وهو ما يجعل استمرار العمل بها خطرًا على الصحة العامة والأمن الشخصي للمواطنين.

الأفضل لصحة الإنسان

ويأتي هذا الرفض في سياق عالمي متزايد للقلق من تأثيرات التوقيت الصيفي على الصحة. إذ لا يقتصر النقاش على المغرب فحسب، بل تشير الدراسات الدولية إلى أن تغيير الساعة، سواء بالتقديم أو التأخير، له آثار ملموسة على النوم، والإيقاع البيولوجي، والصحة النفسية والجسدية للإنسان.

على سبيل المثال، أظهرت دراسة أمريكية حديثة أن التحولات الزمنية المفاجئة تزيد من مخاطر اضطرابات النوم، والإجهاد النفسي، وحوادث السير، ما يعكس أبعادًا صحية متشابهة مع الملاحظات على المستوى المحلي بالمغرب ويؤكد الحاجة إلى تقييم شامل قبل أي تعديل في التوقيت القانوني.

ودعا ائتلاف من خبراء طب النوم إلى إنهاء العمل بالتوقيت الصيفي واعتماد التوقيت القياسي الدائم طوال السنة، معتبرين أنه الأكثر انسجامًا مع الساعة البيولوجية للإنسان.

ويقود هذا التوجه الأكاديمية الأمريكية لطب النوم، التي تؤكد أن التوقيت القياسي يتماشى بشكل أفضل مع حركة الشمس، وهي المنبه الأساسي لتنظيم الإيقاع اليومي للجسم.

وترى كارين جونسون، رئيسة ائتلاف التوقيت القياسي الدائم، أن التوقيت الصيفي يخلق اختلالًا بين الوقت الزمني والوقت الشمسي، مما يؤدي إلى اضطراب الساعة البيولوجية، ويرتبط بزيادة مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية، والاكتئاب، واضطرابات النوم.

كما يشير خبراء النوم إلى أن فقدان ساعة من النوم عند تغيير التوقيت ينعكس سلبًا على التركيز ويرفع من مخاطر الحوادث القلبية وحوادث السير خلال الأيام الموالية للتغيير.

نقاش دولي

وفي أوروبا، أعاد رئيس الحكومة الإسباني بيدرو سانشيز النقاش حول جدوى هذا النظام، معتبرًا أنه “متجاوز وضار بالصحة”. ويرى سانشيز أن “تغيير الساعة مرتين في السنة لم يعد له معنى، لأنه لا يحقق وفرًا فعليًا في استهلاك الطاقة ويؤثر سلبًا على حياة المواطنين”.

ولهذا السبب، اقترحت الحكومة الإسبانية خلال اجتماع مجلس الطاقة المنعقد في لوكسمبورغ في 20 أكتوبر 2025، إلغاء العمل بالتوقيتين الصيفي والشتوي في الاتحاد الأوروبي اعتبارًا من عام 2026.

وقد لقيت المبادرة الإسبانية دعمًا من دول أوروبية مثل فنلندا وبولندا، إلى جانب المفوضية الأوروبية، التي تعتبر أن “الوقت قد حان لإنهاء العمل بهذا التوقيت”، مستندة في ذلك إلى أبحاث علمية تشير إلى أن “تغيير الساعة يؤثر على الصحة الجسدية والنفسية للمواطنين”.

في المقابل، تشدد الحكومة المغربية على أن اعتماد التوقيت الصيفي بشكل شبه دائم منذ 2018 يهدف إلى “الاقتصاد في الطاقة وتعزيز الارتباط مع الشركاء الاقتصاديين الدوليين”. غير أن الجدل يتجدد كل سنة، خاصة مع اقتراب شهر رمضان، حيث تتقاطع الاعتبارات الصحية والاجتماعية مع الرهانات الاقتصادية.

وبين دعوات خبراء طب النوم في الولايات المتحدة والساسة الأوروبيين لاعتماد التوقيت القياسي الدائم، والأصوات المغربية المطالبة بمراجعة الساعة الإضافية، يبقى السؤال مطروحًا: متى يُؤخذ إيقاع الحياة البيولوجي للمواطنين بالمغرب بعين الاعتبار؟ إذ أن النقاش ليس مجرد “تذمر شعبوي”، بل هو ملف علمي وقانوني متكامل يؤكد أن “ساعة واحدة” قد تكون الفرق بين مجتمع منتج ومعافى، وبين مجتمع مرهق يعيش “خارج زمنه الطبيعي”.