story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

احتجاجات أزيلال تعيد طرح سؤال حصيلة صندوق التنمية القروية وأين ذهبت ملياراته؟

ص ص

عادت الاحتجاجات الاجتماعية بالمناطق الجبلية إلى الواجهة من جديد، بعدما شهدت عدد من القرى بإقليم أزيلال ثلاث مسيرات شعبية في أقل من أسبوع، مطالبة بتحسين البنيات التحتية والخدمات الأساسية، من طرق واتصالات ومرافق عمومية.

وبينما تتجدد المطالب نفسها التي رفعتها ساكنة الإقليم منذ سنوات، عاد النقاش حول حصيلة برامج التنمية الموجهة للعالم القروي، خاصة من خلال صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية، وحول مدى انعكاس الاعتمادات المالية المرصودة بها على الواقع المعيشي للسكان.

وفي هذا الصدد، ربط الحسين مسحت، عضو الائتلاف المدني من أجل الجبل، تجدد الاحتجاجات بالمناطق الجبلية بما اعتبره استمراراً لاختلالات بنيوية في تدبير التنمية القروية والترابية، معتبراً أن ما تشهده مناطق مثل أزيلال يعكس محدودية السياسات العمومية الموجهة للعالم القروي رغم الاعتمادات المالية المرصودة لهذا الغرض خلال السنوات الماضية.

وقال مسحت، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن المناطق الجبلية “كانت تحظى بالفتات عن طريق صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية حتى عن عندما كان اسمه موجهاً بشكل أوضح لهذه المجالات الترابية”.

وأوضح المتحدث أن الائتلاف المدني من أجل الجبل ظل يدافع منذ سنوات عن ضرورة إقرار إطار قانوني خاص بالمناطق الجبلية، على غرار ما هو معمول به في عدد من الدول، مشيراً إلى أن مقترحات قوانين “لم تر النور إلى حدود اليوم”، وما تزال، بحسب تعبيره، “في ثلاجة التشريع” بسبب غياب الإرادة السياسية الكافية لتبنيها.

واستنكر التراجع عن فلسفة الجهوية المتقدمة، معتبراً أن النموذج الذي تم التبشير به عند إطلاق ورش الجهوية “كان يقوم على منح الفاعلين الترابيين المنتخبين صلاحيات أوسع وإمكانيات مالية أكبر تمكنهم من الاستجابة لحاجيات السكان بحكم قربهم من الواقع المحلي”.

غير أنه يرى أن هذا التوجه “عرف تراجعاً مع إحداث ما يسمى ببرامج التنمية المندمجة”، معتبراً أن عدداً من الصلاحيات التي كان يفترض أن تمارسها الجهات جرى سحبها عملياً، الأمر الذي أضعف دور المؤسسات المنتخبة على المستوى الترابي.

وأضاف أن المجالس المنتخبة أصبحت، وفق تقديره، “عاجزة عن لعب دورها التنموي الكامل في ظل استمرار هيمنة الإدارة المركزية وآليات الوصاية”.

ودعا عضو الائتلاف المدني من أجل الجبل إلى مراجعة النموذج التدبيري المعتمد على المستوى الترابي، معتبراً أن “التجربة الحالية أبانت عن محدوديتها، وأن المطلوب هو تعزيز صلاحيات الجماعات الترابية والجهات وتمكينها من الوسائل الضرورية للقيام بأدوارها التنموية، بدل الاكتفاء بدور تدبير التوترات الاجتماعية الناتجة عن غياب التنمية”.

كما انتقد طريقة توزيع الاعتمادات العمومية، معتبراً أن جزءاً مهماً من الاستثمارات يتركز في المدن الكبرى والمشاريع المرتبطة بالتظاهرات الدولية، في وقت ما تزال مناطق واسعة “تعاني من خصاص في البنيات الأساسية، من طرق ومدارس ومستوصفات وخدمات عمومية”.

ووصف المتحدث الوضع بوجود “غياب صارخ للعدالة المجالية”، مشيراً إلى أن بعض المناطق وصلت إلى حد الاحتجاج بسبب غياب خدمات أساسية مثل التغطية الهاتفية وشبكات الاتصال، وهو ما يحد، بحسب قوله، “من قدرة السكان حتى على طلب المساعدة في الحالات الاستعجالية”.

وبخصوص صندوق التنمية القروية، استحضر مسحت الجدل الذي رافق تدبيره خلال السنوات الأولى من إطلاقه، خاصة الخلاف الذي نشب سنة 2013 بين رئيس الحكومة آنذاك عبد الإله ابن كيران ووزير الفلاحة والصيد البحري حينها، عزيز أخنوش، حول الجهة المخول لها الإشراف على الصندوق والتوقيع على برامجه.

واعتبر أن ذلك الخلاف كان مؤشراً مبكراً على اختلالات في الحكامة والتدبير.

وأضاف أن الحصيلة التنموية للصندوق تطرح “تساؤلات جوهرية حول مدى انعكاس الاعتمادات المالية الضخمة التي رُصدت للعالم القروي على واقع السكان”، معتبراً أن النتائج المحققة “ظلت دون مستوى الانتظارات، وأن العديد من المناطق التي استفادت نظرياً من هذه البرامج ما تزال ترفع اليوم المطالب نفسها المتعلقة بالطرق والصحة والتعليم والاتصال”.

وخلص مسحت إلى التشديد على أن الوضع الحالي لم يعد مقبولاً، “ويستدعي مراجعة شاملة لسياسات التنمية القروية والحكامة الترابية، بما يضمن تمكين المؤسسات المنتخبة من الاضطلاع بأدوارها التنموية الحقيقية وتحقيق شروط الكرامة والعدالة المجالية لفائدة سكان المناطق المهمشة”.

ويُذكر أن مشروع قانون المالية لسنة 2026 تضمن مقتضى جديداً في مادته السادسة عشرة يقضي بتغيير تسمية الحساب المرصد لأمور خصوصية من “صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية” إلى “صندوق التنمية الترابية المندمجة”.

وكان هذا الحساب قد عرف أول تعديل في تسميته بموجب قانون المالية لسنة 2012، حين اعتمد باسم “صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية”. كما شهد سنة 2016 تعديلاً آخر تم بموجبه إسناد مهمة الأمر بالصرف إلى وزير الفلاحة، مع الرفع من الاعتمادات المالية المخصصة له، وذلك في سياق تفعيل التوجيهات الواردة في الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش لسنة 2015، الذي دعا إلى إيلاء عناية خاصة للعالم القروي وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية بين المناطق القروية والحضرية.

ووفق المقتضيات المنظمة له، يتولى الصندوق تمويل برامج ومشاريع التنمية الترابية المندمجة، لاسيما تلك المرتبطة بدعم التشغيل عبر تثمين المؤهلات الاقتصادية للجهات، وتشجيع الاستثمار المحلي، وتقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية في مجالات التعليم والصحة، إلى جانب تمويل مشاريع التدبير المستدام للموارد المائية والتأهيل الترابي المندمج.

خلافات سياسية

وشكل صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية خلافات سياسية كبيرة، في عدد من المناسبات، أبرزها سنة بين وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات حينها عزيز أخنوش ووزير الاقتصاد والمالية محمد بوسعيد من جهة، ورئيس الحكومة آنذاك عبد الإله ابن كيران من جهة أخرى بخصوص صلاحية الآمر بالصرف الخاصة بالصندوق المذكور، بعدما أسند أخنوش صلاحية الأمر بالصرف الخاصة بالصندوق لنفسه.

وتجدد الخلاف حول صندوق تنيمة العالم القروي في الحكومة الحالية بين الحليفين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، إذ كان هذا الأخير يسعى لجعل الإشراف على صندوق تنمية العالم القروي يتم بين وزارة الفلاحة ووزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان التي تقودها الوزيرة فاطمة الزهراء المنصوري منسقة القيادة الثلاثية لحزب الجرار، بينما أصر حزب “الحمامة” على أن يظل الصندوق تحت تصرف وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات.

وفي نفس الإطار، كان مقترح ثالث لتجاوز الخلاف في تفويض مهمة الإشراف على موارد الصندوق لوزارة الداخلية من خلال عمال الأقاليم، باعتبار تدخلهم يهم العالم القروي، ووجود قسم للشؤون القروية؛ وذلك لإبعاده عن المزايدات السياسية وضمان النجاعة في التدبير.

هذا “الصراع” السياسوي حول صلاحية الآمر بالصرف الخاصة بالصندوق يبقى في نظر العديد من المتتبعين للشأن السياسي في المغرب، “دليلا على استغلال هذا الصندوق لحسابات سياسية وانتخابية بالدرجة الأولى”.