إلى 2026.. أما بعد
ها أنتِ تدخلين علينا اليوم، كضيف جديد في بيت قديم.
بيت ما زالت جدرانه تحتفظ برائحة سنة لم تكن سهلة. سنة كانت تُضحكنا بقدم لاعب يركض، ثم تُفجعنا بماء يبتلع مدينة، ثم تُربكنا بجدل لا ينتهي حول الخبز والكرامة والحقّ في أن نعيش دون أن نعتذر عن رغبتنا في الحياة.
نستقبلك يا 2026 ونحن لا نُخفي ارتجافة الداخل. تلك التي تُولد حين نتذكّر أن 2025 لم تكن فقط سنة إنجازات تلمع في الشاشات، بل كانت أيضا سنة شظف يُدبّره المغربي بما تبقّى من الصبر، وسنة خوف يتخفّى وراء تفاصيل صغيرة:
صمت المستشفيات حين تضيق، وحيرة المدارس حين تتعب، وغضب الشباب حين يكتشف أن المستقبل لا يأتي وحده، وأنه يحتاج إلى دولة تُصغي بدل أن تُحصي.
لكنني لا أريد أن نبدأكِ بالشكوى وحدها. لا أريد أن نراكِ كامتداد للعتمة. نحن نعرف، من تجربة 2025 نفسها، أن المغرب قادر على أن يصنع الضوء حين يصرّ عليه.
في 2025، كان المغرب يُشبه لاعبا يركض على حافة الإرهاق، ومع ذلك يختار أن يُسجّل. كانت كرة القدم، بكل ما فيها من فرح جماعيّ نادر، تقول لنا شيئا بسيطا: يمكن للحلم أن يتحول إلى حقيقة إذا وُجدت يدٌ تدبّر، وعينٌ تُراكم، وصبرٌ لا يبيع الطريق عند أول منعطف.
حدث تتويجٌ هنا، وملحمةٌ هناك، وصعودٌ يعلّمنا أن الإتقان ليس صدفة، وأن الفرح ليس خطأ ينبغي الاعتذار عنه.
وفي 2025 أيضا، لم تكن الانتصارات رياضية فقط. كان هناك معنى آخر يتقدّم في الخلفية، معنى القضية التي يضعها المغاربة في القلب قبل العناوين: قضية الصحراء.
كان هناك قرارٌ دوليّ جعل الناس، ولو للحظات، يتنفسون براحة تشبه الاعتراف. لا لأن السياسة تُطعم الجائع مباشرة، بل لأن الرمزية حين تكون في صالحك تُرمم شيئا من الثقة.
ومع ذلك.. يا 2026، نحن لا نريد أن نعيش على “النشوة” وحدها. لأن 2025 علّمتنا درسا قاسيا. بلد التناقضات لا يكفيه أن يفرح في الملعب كي ينام في الشارع مطمئنا.
يمكن أن تُرفع الكؤوس والألقاب بينما تُرفع الأسعار. ويمكن أن تُلتقط صور التنظيم البهيّ بينما هناك بناياتٌ تتداعى بهدوء، ووديانٌ تنتظر مطرا واحدا لتتحوّل إلى مقبرة مفتوحة.
عرفنا في 2025 وجها آخر للبلاد. شبابٌ يخرج من الإنترنت إلى الشارع، لا لأنه يحب الفوضى، بل لأنه تعب من الانتظار داخل القنوات التي لا تُجيب.
جيل خرج لا يحمل مفردات الأحزاب القديمة ولا صبر النقابات الهرمة. بل خرج لأن اللغة تغيّرت، ولأن الزمن تغيّر، ولأن الكرامة حين تتأخر تصبح غضبا.
ثم رأينا كيف يمكن لأي احتجاج أن ينزلق، وكيف يمكن لأي انزلاق أن يتحول إلى حصيلة ثقيلة من القتلى والاعتقالات والأحكام، وكيف يمكن للبلاد أن تخسر مرتين: حين لا تُنصت، وحين تتعامل مع الصراخ كأنه جريمةٌ لا كمؤشر يدلّ على وجع عميق.
وكان هناك العيد… ذلك العيد الذي دخل علينا بلا نحر، وبلا سكاكين تُشحذ في الأزقة، وبلا رائحة “الشواء” التي كانت تسكن ذاكرة الأحياء الشعبية، ولا عبق “الدوّرة” وهي تستحيل “تقلية” ولا “ديّالة” ولا “قدّيد”.
كان قرارا له منطقه في مناخ يضيق وقطيع يتراجع وجفاف يمد لسانه للسنوات.
لكنّ العيد كشف شيئا آخر أيضا: هشاشة الثقة حين يُقال للناس “اصبروا” بينما يسمعون في الخلفية قصصا عن دعم لا يصل لمن يستحقه، وعن وسطاء يربحون من تعب الفلاح ومن جيب الفقير.
وفي 2025، قوانين كبرى خرجت من الأدراج، بعضها قيل إنه إصلاح، وبعضها قيل إنه تضييق. والمغرب هنا أيضا كان يُشبه نفسه: خطوة إلى الأمام تُفرح من ينتظر، وخطوة جانبية تُقلق من يخاف على الحريات.
في النهاية، تبقى القوانين، يا 2026، مجرّد أوراق إذا لم تتحول إلى إنصاف في الواقع، إلى حماية للضعيف، إلى محاكمة عادلة، إلى حق في الاحتجاج دون أن يصبح الاحتجاج تهمة جاهزة.
ثم كان هناك من رحلوا. أولئك الذين كانوا معنا ولم يعودوا. رحيلُ أسماء من الفنّ والذاكرة والكرة، كأن 2025 كانت تُنقّص من رصيدنا الإنساني وتقول: انتبهوا، الزمن لا يرحم، والبلد الذي لا يحفظ رموزه يشيخ بسرعة.
الرحيل لا يحزننا فقط. بل يختبرنا. يختبر وفاءنا، وقدرتنا على الاعتراف، وعلى أن نقول شكرا قبل أن تُغلق الأبواب وتُزيّن القبور.
لهذا أكتب إليكِ، يا 2026، وفي القلب رجاء.
رجاءٌ عمليّ، يريد أن يرى النتائج على الأرض لا في البلاغات. نريدكِ سنة لا تتكرر فيها الفواجع بنفس السهولة. سنة لا يبتلع فيها الماءُ الناس لأن مجرى صرف تعِب أو لأن مدينة تُدار بمنطق الترقيع. سنة لا ينام فيها المواطن على قلق دائم من الغد المجهول، ومن ثمن الدواء، ومن رسوم المدرسة، ومن فاتورة لا تتناسب مع راتب، ومن عمل لا يأتي.
نريدكِ، في المقابل، أن تكوني سنة تتمّم ما بدأته 2025 من نجاحات. أن يتحول إشعاع الرياضة من فرح عابر إلى سياسة للكرامة. ملاعب جميلة، نعم، لكن أيضا مستشفيات لا تُذلّ الناس، ومدارس لا تُطفئ الحلم مبكرا، وقرى لا تُعامل كأنها خارج الخريطة، وشباب لا يُدفع إلى الحافة ثم يُلام على أنه وقف هناك.
نريدكِ سنة تُعيد للسياسة معناها. أن تصبح جسرا لا جدارا. أن تكون إنصاتا لا محاضرة. أن تكون شجاعة في الاعتراف بالأخطاء قبل شجاعة الدفاع عنها. سنة تُقنع الناس أن الدولة الاجتماعية ليست بطاقة دعم تُديم الفقر، بل مشروع كرامة يُنهي أسبابه. لأن المساعدة حين تتحول إلى قدر دائم، تُصبح نوعا من الإقامة الجبرية داخل الحاجة.
أكتب إليكِ يا 2026، ونحن لسنا ملائكة. نحن شعبٌ يفرح بسرعة، ويغضب بسرعة، ويحب الرموز حين تنتصر، ثم يقسو عليها حين تُصبح بشرا. لكننا، رغم كل ذلك، نملك شيئا يستحق أن يُراهن عليه: القدرة على الوقوف من جديد. والقدرة على تحويل الخسارات إلى درس إذا وُجدت إرادة التعلم. والقدرة على حماية الحلم حين لا نقتله بالتشاؤم ولا نبيعه بالأوهام.
فلتكوني، يا 2026، سنة لا تتغذى من ضجيج الشعارات، بل من هدوء النتائج. سنة لا تُخدّرنا بالفرجة وحدها، بل تُعطينا
أسبابا لنحب الحياة خارج الفرجة. سنة نخرج منها أقل خوفا، وأكثر عدلا، وأكثر وضوحا، وخصوصا: أكثر إنسانية.
أما بعد…
إذا كانت 2025 قد أعطتنا ما يثبت أننا نستطيع، فقد أعطتنا أيضا ما يثبت أننا لا نملك ترف التكرار.
لا نريد كوارث أخرى لنفهم.
ولا نريد دموعا أخرى كي نُصلح.
نريد فقط وطنا أكبر من مجرّد نشيد قبل المباراة.
نريده كلمة طمأنة بعد الفاجعة.
وخبزا بكرامة.
وأملا… لا يهرب عند أول قطرة مطر.
والسلام.