story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

إفريقيا بلا أوهام

ص ص

في كرة القدم، يمكن أن تخسر مباراة نهائية لأنك أضعت ضربة جزاء، أو لأن خصما كان أقوى في لحظة بعينها، لكن ما وقع في الرباط ليلة الأحد 18 يناير 2026، لم يكن من هذا الصنف البسيط الذي تُنهيه صافرة الحكم وتطويه الإعادة البطيئة. بل كان هناك شيء آخر تسلل بين الدقائق: محاولة لتحويل قرار تحكيمي مشروع إلى أزمة، ولتحويل ملعب ممتلئ بالحلم إلى حافة شغب محتمل، ولجعل بلد كامل يدفع ثمن لحظة كان يفترض أن تُحسم داخل المستطيل الأخضر لا خارجه.

من هنا بالضبط يبدأ الكلام، ليس عن كأس ضاعت فقط، بل عن معنى ما حدث حين صار الاحتجاج أداة ضغط، وصار الجمهور مادة قابلة للاستعمال كما تستعمل المواد القابلة للاشتعال، وصارت الرياضة ستارا رقيقا لشيء أثقل وأخطر.

ما قام به مدرّب منتخب السنغال لحظة حصول المغرب على ضربة جزاء كاملة الشرعية، وثابتة بعد مراجعة حكام الـVAR، لا يمكن اختزاله في خانة سوء السلوك الرياضي، ولا في قائمة المخالفات التي تُسوّى عادة بغرامة أو إيقاف أو اعتذار متأخر. نحن أمام فعل يحمل في جوهره معنى التحريض، ويستحضر في لحظته الدقيقة كل ما يجعل الملاعب فضاءً خطِرا حين تتحول الكرة إلى ذريعة، والجمهور إلى مادة قابلة للاشتعال.

ما حدث لم يكن احتجاجا عاديا على قرار تحكيمي. بل كان محاولة كسر إيقاع المباراة بالتهديد الجماعي، ودفعُ مشاعر الآلاف نحو العنف المحتمل، داخل الملعب وخارجه، في المغرب وفي السنغال معا. كان يكفي أن تتطور تلك الدقائق في اتجاه خاطئ، حتى نسقط في سيناريوهات تخرج من الرياضة إلى الدم.

وفي لحظة مثل هذه، يصبح من الطبيعي تماما أن نفكر في الأمر بمنطق جنائي لا رياضي فقط: فتح تحقيق قضائي تحت إشراف النيابة العامة لجمع وتوثيق المعطيات، ثم دراسة الإمكانيات التي يتيحها القانون المغربي ومعه التعاون القضائي المغربي-السنغالي لترتيب المسؤوليات اللازمة.

لا أقول هذا لأننا نبحث عن الثأر، بل لأننا نبحث عن ترسيم الحدود بين المنافسة المشروعة وبين العبث بأمن الناس. فهناك احتمال وجود تخطيط لما يتجاوز مجرد إثارة الشغب في الملعب، والله وحده يعلم ماذا كان سيقع لو لم تُهدر ضربة الجزاء تلك، وكيف كان سيُؤوّل المشهد لو خرج عن السيطرة.

في هذا السياق، لا يمكن المرور مرور الكرام على الخطوة التي قامت بها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، حين بادرت إلى مباشرة المساطر القانونية الضرورية للاحتجاج على سلوك المنتخب السنغالي وما قام به مدربه من ابتزاز واضح لبلد محتضن للتظاهرة.

الابتزاز هنا ليس كلمة حماسية ولا انفعالية، بل وصف دقيق لما وقع. لقد أخذ هذا الرجل منتخبنا وجمهورنا ومواطنينا رهينة في لحظة تنافس رياضي، من أجل انتزاع نتيجة كان يمكن أن تتحقق بالطرق الرياضية وحدها. والإنصاف يقتضي أن نقولها بلا تردد: المنتخب السنغالي لم يكن خصما سهلا، بل كان في تلك المباراة متفوقا بدنيا وتكتيكيا على الأقل، وكانت أمامه مسالك طبيعية للفوز، دون الحاجة إلى تحويل ضربة جزاء شرعية إلى أزمة نظام داخل الملعب.

أصحاب القرار في لحظة الابتزاز والتحريض اتخذوا، في تقديري، أكثر القرارات حكمة وتعقلا. حين تجد نفسك مسؤولا عن تدبير تظاهرة كبرى، وأنت أمام سلوك يشبه احتجاز رهائن داخل حفل، لا تعود تتحرك بمنطق المشجع الغاضب، بل بمنطق ربّ البيت الذي يهمه أن تمر الليلة بسلام.

لقد دخلت الجهات المشرفة على الملعب في ما يشبه التفاوض مع مدرب بدا وكأنه يهدد بإحراق المسرح من أجل كسر النصّ. ومع كل المرارة التي يشعر بها الناس أمام هذا المشهد، ينبغي أن نقول بوضوح: لقد كنّا نحن المحتجزين، بكل اختصار. والرهينة لا تُلام لأنها اختارت تقليل الخسائر.

لذلك لا لوم بتاتا على من فضّل حماية سلامة المدرجات والصورة العامة للبلاد، ولا مجال لقبول بعض “الرشقات” التي تروّج في بعض المنصات عن كون المغرب ضحّى بمشاعر مواطنيه من أجل إرضاء الكاف والفيفا. من مصلحتنا جميعا أن تنتهي بطولة بهذا الحجم بطريقة تؤكد وترسّخ انطباع النجاح الذي رافق التنظيم منذ البداية. هذا ليس تبريرا للابتزاز، بل فصلٌ بين العاطفة وبين مسؤولية الدولة.

الأخطر، في كل ما جرى، أنه لم يكن مسؤولية المدرب وحده. وأنا لا أقصد هنا اللاعبين، وإن كان بعضهم، وفي مقدمتهم ساديو ماني، قد ظهر في قلب المشهد بما يوحي بوجود تدبير ما، أو على الأقل قبول ضمني بمنطق الفوضى كأداة ضغط. وما تابعناه عبر زحام الهواتف في المدرجات، يترك سؤالا مفتوحا: من كان يخاطب من؟ ومن كان يطمئن من؟ ومن كان يوزع الأدوار في لحظة كان يفترض أن تكون لحظة كرة فقط؟

هنا نصل إلى النقطة الأعمق. ما جرى يضع علامة استفهام حقيقية حول شكل علاقتنا بالسنغال وبمنطقة غرب إفريقيا عموما. قد تكون هناك تحولات كبيرة جرت في العمق، وعلينا تحيين أدبياتنا بدل الاكتفاء بالصور الرومانسية عن “الروابط الروحية” و”الإخوة الإفريقية”.

لقد حاولنا قبل سنوات الالتحاق بمنظمة “سيدياو”، مباشرة بعد العودة إلى الاتحاد الإفريقي، وواجهنا صدّا وممانعة لا شك أنهما فاجآ صانع القرار المغربي قبل غيره من الباحثين والمراقبين. وكانت تلك الممانعة إشارة مبكرة إلى أن إفريقيا ليست فضاءً للعواطف وحدها، بل فضاء لموازين قوة وحساسيات هوية ومصالح عارية.

من هنا أيضا يتأكد، عكس ما يمكن أن يذهب إليه بعض المتنطعين، أن فكرة تعويض المجال الجغرافي والتاريخي الذي ننتمي إليه، أي المجال المغاربي والمتوسطي، بمجال انتماء آخر، غير ممكن مهما تقاربت المصالح وتقوّت الروابط الروحية. ليس لأن إفريقيا ليست “عمقنا”، بل لأن المغرب ليس كيانا يُبدّل جلدَه كلما تغيّر اتجاه الرياح. نحن بلد مغاربي ومتوسطي وإفريقي في الآن نفسه، لكن هندسة الانتماء لا تُبنى على ردود الفعل، ولا على لحظات نشوة أو خيبة في ملعب.

لهذا، لا مفرّ من البقاء داخل الإطار الذي يحدده الخطاب الرسمي للمؤسسة الملكية نفسها. يد ممدودة، ورهان طويل النفس على استعادة الحلم المغاربي بعد طي ملف الخلاف الأساسي بيننا وبين الجزائر، وهو ملف وحدتنا الترابية. يد أولى قوية وشديدة وقادرة على البطش عند الضرورة يجب أن تواصل تأمين سيادتنا على الصحراء، وأخرى لابد أن تبقى ممدودة إلى الجيران، حريصة على الطمأنة… كما قال الملك نفسه في أحد خطاباته الحديثة، من أن السوء لن يمس إخوتنا الجزائريين قط من جانبنا. بناء المستقبل لا يكون فقط بزيادة الحلفاء، بل أيضا بتقليل أسباب الانكسار من الخلف.

ثم هنا يبرز الدرس الأبعد من حيث المدى. مسار الصعود الذي نطمح لاستكماله، وقد بدأ بالفعل حتى لا نكون جاحدين، لن يكون مفروشا بالورود. وإفريقيا التي نؤمن بها وبانتمائنا إليها، والتي حاربَنا الجزء الأكبر منها منذ قررنا استعادة أرضنا الجنوبية من الاستعمار الإسباني، لن تكون بسهولة عمقا استراتيجيا تلقائيا لنا.

هناك إشكالات نائمة في رحم علاقتنا بالقارة، وعلينا أن ننظر إليها مباشرة ودون مواربة. المواطن الإفريقي جنوب الصحراء، ومثلما ينبغي لنا حمايته من ظلم العالم وتمييزه وعنصريته، يضمر لنا، دون تعميم، ما لا يختلف كثيرا عن تلك الوصمة نفسها: يرانا امتدادا لذلك “الرجل الأبيض” الغني والجشع، الذي ينبغي استهدافه عندما تتاح الفرصة.

هذا على المستوى البشري والفردي. أما سلوك الدول وتحركات مركّبات المصالح، فالكاف نفسها تقدّم لنا بين الحين والآخر مؤشرات عمّا سنواجهه كلما حاولنا صعود عتبة جديدة في سلم تقدّمنا البطيء… لكنه مزعج لمن يريدنا أن نبقى إلى الأبد في خانة التخلف نفسها.

من هنا، لا معنى للانشغال فقط بضربة جزاء ضاعت، أو بلقب تبخر. هذه التفاصيل على قسوتها ليست إلا واجهة لما هو أكبر: خصوم المغرب الحقيقيين ليسوا دائما من يقفون أمامه في الملعب، بل من يراقبون صعوده ويحاولون كسره عندما يقترب من التحول إلى نموذج مزعج. وحماية مسارنا لا تكون فقط بالأهداف، بل باليقظة السياسية، وبالصرامة القانونية، وبالقدرة على تمتين الجبهة الداخلية بالديمقراطية الحقة والإعلام المهني والقوي والمواطنة الفعلية