story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

إفريقيا أفسدت عرسها

ص ص

قدّم المغرب أفضل نسخة من نهائيات كأس أفريقيا للأمم. بشهادة المنصفين كانت المعايير عالمية، من الإيواء إلى الملاعب، وكل تفاصيل تنظيم هذه البطولة. وزاد الشعب المغربي من روحه الطيبة في أسباب النجاح، وكل تلك الحفاوة الذي تحدّث عنها أشقاء في الجزائر وتونس ومصر، وغيرها.

ولا داعي لإبراز كل أوجه تفوّق المغرب، فقد قِيل ما فيه الكفاية ويغني عن التكرار.

لكن النهايات كانت بئيسة بشكل لا يُتصوّر. دفع المغرب ثمن تفوّقه ونجاحاته، وحِرْصِه على رفع المعايير التنظيمية إلى أعلى مستوياتها. لا تجد مبررات لكل هذا العنف تجاهه، إلى حدّ صار منتخبه، المصنّف الثامن عالميا، بمعايير الفيفا، عُرضةً للتشهير والابتزاز، وصارت مقدرات البلد التي رُصدت للأفارقة في عرسهم القاري سببا للتهجّمات المغالية في الإساءة.

مباراة النهائي أمام منتخب السنغال القوي كانت تكثيفا لكل هذا التجنّي. خلت من الروح الرياضية حين مارس مدرّب الفريق باب ثياو، الذي دفع الأمور إلى التفجير، بتحريض لاعبيه على مغادرة أرضية الملعب بعد احتساب ضربة جزاء صحيحة للمنتخب المغرب، وقبلها من خلال تهجّماته على المغرب في الندوات الصحافية، ومقارنته، بكثير من قلة الذوق، بين تنظيم الشان في الجزائر، وتنظيم الكان في المغرب. والهدف واضح ولا يخفى. وحتى المقارنة مجحفة في حقّ المغرب.

بدأت مباراة النهاية فعليا من واقعة محطة القطار، حين أعلن المنتخب السنغالي عن موعد وصوله إلى الرباط، وما تلاه من احتشاد جماهيره لاستقباله، قبل أن يُصدر بيانا شديد المزايدة للنيل من التنظيم، ولممارسة ضغوط غير أخلاقية، قبل أن يُكمل المهمة في الملعب ليلة الأحد.

كذلك، فعل مدرب المنتخب المصري حسام حسن، المعروفة على كل حال بهبوطه الأخلاقي وسوابقه المخجلة في ملاعب الكرة. منتخب مصر استفاد من واحدة من أحسن الإقامات في مدينة أكادير، وحظي بدعم جماهيري كبير من سكان المدينة، وتحدث المصريون عن حفاوة بالغة حوّلها مدربهم إلى إساءات واعتداءات وهو يتوجّه إلى الجمهور بالاستفزازات، قبل أن تنقلب الأمور ضد فريقه، ويتحوّل الجمهور إلى تشجيع منافسيه. وبشأن هذا تحدث مصريون عن رعونة مدرب منتخبهم في مخاطبة الجمهور بما لا نحتاج معه إلى مزيد كلام.

أيضا، تحدث حسام حسن بكثير من الافتراء عن ظروف إيواء المنتخب المصري في طنجة، حين وصف فندق Barceló Tanger بـ”البنسيون”. ولا تعرف حقا هل الخلط حصل لدى المدرب في تهجّي Barceló على أساس أنها “بنسيون”. بل زاد في المزايدة الكاذبة وهو يتحدث عن الناموس في عز فصل الشتاء وهبوط درجة الحرارة، والتساقطات المطرية التي لم تتوقف إلا أياما معدودات خلال الكان. أما وصفه لـ”TGV” (فائق السرعة) بـ”القطار” (مجرد قطار)، فيظهر حالة تبخيس من مدرب بلد لا تزال فيه القطارات تتصادم مع بعضها وتسقط كل فترة عشرات القتلى.

ترك حسام حسن كل شيء بخصوص أداء فريقه الذي لم يقدم كروياً ما يسمح له بالعبور إلى النهائي، وشنّ تهجّمات على التنظيم الذي أشاد به أعظم لاعب في تاريخ مصر، محمد صلاح، الذي تحدث عن أفضل تنظيم للكان في كل نسخه.

أما احتجاج لاعبي منتخبات منافسة، باستعمال حركات تشير إلى استعمال المال لشراء الحكام، فصارت لازمة مقيتة. حتى في المباريات التي كان المنتخب المغربي يربح بتفوّق وبفارق كبير في الأداء، تجد من يستعمل تلك الحركة، حتى ما عاد للانتصار معنى، وما صار للتنافس جدوى، بما أشاع من أجواء مسمومة وبذيئة.

تنظيم مونديالي تحوّل إلى أعمال تخريب في النهائي من مشجعين واقعين تحت تأثير التحريض. ومنشآت فخمة صارت “بنسيون”. والبلد المصنّف الأول عربياً وأفريقيا، والثامن عالمياً، والذي لعب منتخبه نصف نهائي كأس العالم 2022، وحصد أولمبيوه برونزية تاريخية في الألعاب الأولمبية 2024، وفاز شبابه بكأس العالم 2025، وغيرها كثيرٌ من المشهود والمعلوم وغير المسبوق عربيا وأفريقيا، صار فريقا راشياً ينتصر بدعم الحكّام.

غذّت آلة إعلامية جزائرية، بكثير من الهبوط، هذه الصورة، بالتركيز على كل قرار تحكيمي وتصويره كمؤامرة لصالح المغرب، حتى صار لاعب سنغالي، في نهائي يشاهده العالم، يستعمل حركة الرشوة في وجه حكم مباراة النهائي، في نوع من الترهيب الذي أدى مفاعليه، دون أن يتلقى أي عقوبة فورية.

كانت موجة التحريض عالية، التقت فيها مصالح منتخبات تركت الكرة والمنافسة داخل المستطيل الأخضر، وفضّلت لعب “مباريات أخرى” في الضغط والابتزاز ضد منتخب البلد المنظّم الذي وفّر إمكانات لا تقارن بأي حال مع الأغلبية الساحقة لدول القارة.

المنطق والعقل والطبيعي يفترض أن ينتهي الكان بإشادة ساحقة بما قدّمه المغرب، وما رصده من إمكانات لإنجاح البطولة، وما وفّره من أجواء، داخل الملاعب وخارجها. لكن النهاية كان على عكس ذلك، فلم نحصد إلا الإساءة، وكثيراً من التجنّي، وكان فريقنا الأكثر عرضة لظلم التحكيم، ومع ذلك نتّهم بشراء الحكام، والأكثر عرضة للضغوط، ومع ذلك نتعرّض للتشهير.

أفريقيا أفسدت عرسها، وفي كلام مدرب جنوب أفريقيا هوغو بروس عن أنه لم يجد “أجواء كأس أفريقيا” بعض الحق. لم تصطدم حافلة منتخبه بسيارة لضعف الإجراءات الأمنية، ولم تقتحم القوارض غرف لاعبيه، ولم يكن المناخ “تيجيب السخفة والطايح كثر من النايض”، وكانت أرضيات الملاعب جيّدة أكثر من اللازم إلى حدّ صمودها في ظل أمطار لم تتوقّف لأيام، كما لم تُسرق مقتنيات فريقه، ولم يتناوب مع منتخبات أخرى على ملاعب التدريبات، ولم يُحشر مع منافسين آخرين في فندق واحد. لأنه “لم يجد أفريقيا” غضب واستشاط، ونفث من قلّة ذوقه، في تعالٍ مقيتٍ لم يغادر رؤية الأوروبي الاستعماري الذي يتصوّر كل أفريقيا “أدغالا”.

من حقّ المغاربة أن يغضبوا أمام هذا الجحود الذي منع منتخبهم من الفوز. من حقّهم أن يسألوا عن حصاد هذا الكان الذي أساء أكثر ممّا أفاد. ودعك عنك رسائل الاتحادات الكروية التي تشيد، وبرقيات وزارات الخارجية التي تتصنّع الدبلوماسية فيما لا تنتهي الإساءات، إلا كنوعٍ من المجاملات التي لن ترفع الضرر. وقد حصل.

قصارى القول

مرّات يكون النجاح عبئاً. كروياً ينجح المغرب، ودخوله نادي العشرة الكبار دليل. ليس في الأمر أي صدفة بعد تكرار النجاحات وتواترها. خسرنا كأس أفريقيا التي نُظمت في بلدنا، وخسرنا معها كجمهور إيماناً بأن تعترف أفريقيا بأن المغرب قدّم أفضل نسخة أمام هذا التشنيع غير المستحق.

لا داعي لتذكير كل الذين يزايدون بألقابهم كيف فازوا بها. الفوز بكأس أفريقيا هو خلطة من “الأداء”، وكثير من البلطجة، والاستعداد لقلب الطاولة وحتى البلطجة. هذا ما فعله مدرب السنغال، الذي يعرف “خرّوب القارة”، وعرف كيف يُنتزع اللقب من قلب الرباط، بعدما كان فريقه على وشك الهزيمة باحتساب ضربة جزاء مستحقة نجح في تحويلها إلى معركة.

لستُ في وارد التحريض على هذه القارة العظيمة والمظلومة، ولا نفث سمومٍ عنصرية مقيتة ضد شعوبها، ولا دعوة المغاربة إلى أن ينسلخوا عن جلدهم ويتحوّلوا عن كرمهم، ولا أن يسكنهم مرض العداء للآخرين.

وأيضا، لستُ في وارد أن أصوّب على لاعبي المنتخب المغرب والمدرب وليد الركراكي، وقد ضاعت فرصة ممكنة للفوز باللقب أمام منتخب سنغالي كان يستحق أيضاً اللقب لولا بذاءة مدربه. ما يهمني الآن هو السؤال: هل صار من معنى إلى أن نستمر في دور “تريتور” (Traiteur) القارة السمراء كروياً؟.