story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
أمن وعدالة |

إطلاق منصة للمسطرة الغيابية.. محامي: نشر المعطيات الشخصية للمتهمين أقصى صور التشهير

ص ص

اعتبر رشيد أيت بلعربي، المحامي بهيئة القنيطرة، أن إعلان وزارة العدل عن إطلاق منصة إلكترونية للمسطرة الغيابية في القضايا الجنائية يطرح تساؤلات حادة حول مدى ملاءمة هذا الإجراء مع المقتضيات القانونية، ولا سيما المادة 445 من قانون المسطرة الجنائية، معتبر إياها أقصى صور التشهير.

وتعد المسطرة الغيابية إجراء يتم اللجوء إليه في قضايا الجنايات عندما يتعذر إلقاء القبض على المتهمين أو يرفضون الاستجابة لاستدعائهم، وذلك بواسطة أمر قضائي تصدره غرف الجنايات ليتولى الوكيل العام للملك تنفيذ هذا الأمر بواسطة الشرطة القضائية، وبعدها يتم نشر إعلان في المنصة التي أعدتها وزارة العدل تطبيقا للمادة 445 من قانون المسطرة الجنائية.

وتنص المادة المذكورة على أنه ينشر لمدة 15 يوما بالمنصة الإلكترونية المعدة لهذا الغرض الإعلان التالي: صدر عن غرفة الجنايات لدى محكمة الاستئناف ب-… أمر بإجراء المسطرة الغيابية ضد فلان (الهوية) الذي كان يوجد مسكنه الأخير ب-… والمتهم ب-… أوصاف المتهم فلان هي … ورقم بطاقة هويته مع وضع صورته على المنصة عند الاقتضاء.

وبناء عل ذلك يتعين على الشخص المعني أن يقدم نفسه حالا إلى أية سلطة قضائية أو شرطية، كما يتحتم على كل شخص يعرف المكان الذي يوجد به المتهم أن يٌعلم بذلك نفس السلطات.

وفي هذا السياق، أوضح، ضمن تدوينة له على صفحته بـ”فايسبوك” أن هذه المسطرة تفتقر في ممارستها العملية إلى التحقق الدقيق من شروط التبليغ القانوني المنصوص عليها في المادة 443، حيث يتم القفز على ضمانات استدعاء المتهم والاكتفاء بعبارة “التخلف رغم الاستدعاء”.

وشدد المحامي على أن نشر المعطيات الشخصية للمتهمين، بما في ذلك الأسماء الكاملة، صور الهوية، محلات السكن، والتهم المنسوبة إليهم على منصة عامة، يعد انتهاكا جسيما لقرينة البراءة المكفولة بموجب الفصل 119 من الدستور المغربي والمادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية.

وتساءل أيت بلعربي باستنكار عن كيفية صون كرامة المتهم وهو يُعرض للعلن قبل إدانته بمقتضى حكم نهائي، مؤكدا أن هذا الإجراء يخلف أضراراً نفسية واجتماعية غائرة لا يمكن لجبر الضرر أو أحكام البراءة اللاحقة أن تمحو أثرها عن المتهم وعائلته.

ووصف أيت بلعربي النشر الإلكتروني بأنه “أقصى صور التشهير” التي لا تحقق فائدة عملية تذكر في ضبط المتهمين، مشيرا إلى أن التجربة والإحصائيات تثبت أن المتهمين إما يمتثلون طواعية أو يتم توقيفهم عبر الوسائل التقليدية للشرطة القضائية، مما يجعل منصة وزارة العدل على غرار النشر الإذاعي سابقا مجرد أداة لإشهار المتابعات الجنائية دون قيمة مضافة حقيقية للعدالة، سوى المساس بسمعة الأفراد.

في غضون ذلك، حذر المحامي من خطورة تدخل وزارة العدل كجهة تنفيذية في تدبير معطيات تتعلق بملفات معروضة أمام القضاء ولم يُفصل فيها بعد، معتبرا هذا التدخل “اعتداء سافرا” على مبدأ فصل السلط واستقلال السلطة القضائية المنصوص عليه في الفصل الأول من الدستور، “إذ تظل المحاكمة بكل تفاصيلها عملاً قضائيا صرفا يجب أن تستقل به السلطة القضائية وحدها، حمايةً للأمن القضائي للمواطنين من عبث السلطة التنفيذية بمعطياتهم الشخصية”.

واختتم أيت بلعربي تدوينته باستحضار قرار المحكمة الدستورية الأخير (رقم 255/25)، الذي اعتبر مجرد “مسك” الأنظمة المعلوماتية من طرف وزارة العدل في المادة المدنية مخالفاً للدستور.

واستطرد قائلاً: “إذا كان مسك البيانات دون نشرها غير دستوري، فكيف يكون الحال بنشر أسرار وصور المتهمين جنائياً للعموم؟”، مؤكداً أن “استفراد الوزارة بهذا التدبير يمثل عبثاً بالمبادئ الدستورية الكبرى تحت غطاء التحديث والرقمنة، ولو عرض هذا النص على القضاء الدستوري لصرح بمخالفته الصريحة لروح ومنطوق الدستور”.