إدماج المناخ في البرامج الانتخابية.. توصيات بربط الوعود الحزبية بمؤشرات قابلة للتتبع
دعت مؤسسة المستقبل إلى تعزيز حضور قضايا المناخ داخل البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية المغربية، من خلال تضمين التزامات عملية قابلة للقياس والتتبع، بما يتيح تقييم مدى تنفيذها بعد الانتخابات، ويجعل العمل المناخي جزءا من التعاقد السياسي بين الأحزاب والمواطنين.
وجاءت هذه الدعوة ضمن “ورقة ترافعية لإدماج قضايا المناخ في البرامج الانتخابية بالمغرب”، أصدرتها المؤسسة في إطار مشروع “السياسة للمناخ” بدعم مؤسسة هنريش بول الألمانية، بهدف دعم الأحزاب السياسية في إدماج أولويات مناخية وبيئية واضحة وواقعية ضمن برامجها الانتخابية، بما ينسجم مع التزامات المغرب المناخية ويستجيب للتحديات التي تواجه المواطنين والمجالات الترابية.
وتقترح الورقة تطوير التزامات انتخابية عملية وقابلة للقياس والتتبع، مع تحديد مؤشرات زمنية أو كمية كلما أمكن ذلك، بما يسمح بتقييم مدى تنفيذ الالتزامات بعد الانتخابات، وذلك من خلال تضمين أهداف أو إجراءات عملية مرتبطة بقضايا الأمن المائي، والنقل المستدام، والتشجير والمساحات الخضراء، والطاقات المتجددة، وتدبير النفايات، ودعم الفلاحة المستدامة.
وأكدت المؤسسة أن إدماج قضايا المناخ داخل البرامج الانتخابية لا يهدف إلى تقديم نموذج موحد أو تصور سياسي جاهز للإدماج، وإنما يروم تعزيز حضور هذه القضايا داخل النقاش الحزبي والانتخابي، وتشجيع الأحزاب على تطوير تصورات والتزامات مرتبطة بالمناخ انطلاقًا من مرجعياتها السياسية وأولوياتها الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
وشددت الورقة على أن إدماج المناخ لا ينبغي أن يقتصر على تخصيص محور مستقل داخل البرنامج الانتخابي، بل يمكن أن يتحقق أيضا من خلال إدماج البعد المناخي بشكل عرضاني في مختلف السياسات القطاعية، بما يضمن اتساق الالتزامات المناخية مع الرؤية العامة لكل حزب.
ومن بين التوصيات التي وجهتها المؤسسة للأحزاب السياسية، إدماج قضايا المناخ ضمن التصورات السياسية العامة “باعتبارها قضية مرتبطة بالتنمية والعدالة الاجتماعية والأمن المائي والغذائي، وليس فقط ملفا بيئيا منفصلا”.
كما دعت إلى ربط الخطاب المناخي بالقضايا اليومية للمواطنين، عبر تطوير لغة سياسية وتواصلية تربط قضايا المناخ بالماء، والطاقة، والأسعار، والصحة، والنقل، والفلاحة، وفرص الشغل، والهشاشة الاجتماعية، بما يجعل هذه القضايا أكثر ارتباطًا بانشغالات المواطنين.
وأوصت الورقة باعتماد مقاربة تراعي العدالة الاجتماعية والمجالية، من خلال الانتباه إلى تأثيرات التغيرات المناخية على الفئات الهشة والمجالات القروية والمناطق الأكثر عرضة للهشاشة المائية أو البيئية، وربط السياسات المناخية بالحماية الاجتماعية والعدالة المجالية.
وفي الجانب المرتبط ببناء القدرات، دعت المؤسسة إلى تعزيز التكوين والتأطير الحزبي في قضايا المناخ، من خلال تنظيم دورات تكوينية لفائدة الأطر الحزبية، وإشراك الخبراء والباحثين، وتطوير المعرفة الحزبية بقضايا المناخ والانتقال الطاقي والسياسات البيئية.
كما أوصت بتشجيع المقاربات الترابية والمحلية، عبر تطوير تصورات مرتبطة بخصوصيات المجالات الترابية المختلفة، بالنظر إلى اختلاف التحديات المرتبطة بالماء أو الفلاحة أو الفيضانات أو التلوث بين المناطق.
وفي ما يتعلق بالعمل المؤسساتي، شددت الورقة على أهمية تعزيز الحضور البرلماني لقضايا المناخ، من خلال تطوير المبادرات الرقابية والتشريعية المرتبطة بالمناخ، ومساءلة الحكومة حول السياسات المناخية، وإدماج البعد البيئي داخل النقاشات المتعلقة بالميزانية والسياسات القطاعية.
كما دعت إلى تطوير خطاب سياسي إيجابي حول المناخ، عبر تقديمه باعتباره فرصة لتحسين جودة الحياة وخلق فرص الشغل وتعزيز التنمية والاستثمار، وليس فقط باعتباره خطابا تحذيريا أو قائما على التخويف البيئي.
وسجلت المؤسسة أن التغيرات المناخية أصبحت من بين التحولات الكبرى التي تؤثر بشكل متزايد على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتنموية بالمغرب، سواء من خلال تأثيرها على الموارد المائية، أو الفلاحة، أو الطاقة، أو الهشاشة المجالية والاجتماعية، وهو “ما يجعل من الصعب التعامل مع قضايا المناخ باعتبارها ملفات بيئية معزولة عن النقاش السياسي والانتخابي”.
وترى المؤسسة أن تعزيز حضور قضايا المناخ داخل البرامج الانتخابية والخطابات الحزبية يمر عبر ربط الالتزامات المناخية بأولويات المواطنين اليومية، خاصة ما يتعلق بالماء، والقدرة الشرائية، والصحة، والتنمية الترابية، وفرص الشغل.
كما تؤكد أن نجاح إدماج المناخ لا يرتبط فقط بحجم الالتزامات البيئية المقترحة، بل بقدرة الأحزاب السياسية على تطوير خطاب سياسي يجعل من المناخ قضية مرتبطة بتحسين شروط العيش، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة، والاستقرار خلال السنوات المقبلة.
وخلصت الورقة إلى أن “إدماج قضايا المناخ في البرامج الانتخابية لم يعد موضوعا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات البيئية والاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب”، مضيفة أن “تعزيز مصداقية البرامج الانتخابية يمر أيضا عبر تقديم التزامات مناخية واضحة، وقابلة للتتبع، وقابلة للتقييم، بما يجعل العمل المناخي جزءًا من التعاقد السياسي بين الأحزاب والمواطنات والمواطنين”.
من جهة أخرى، أوضحت المؤسسة أن هذه الورقة الترافعية ثمرة مسار تشاركي شمل لقاءات مع ممثلي الأحزاب السياسية، وورشات حوار بين الأحزاب في مراكش والرباط، واستشارات جهوية متعددة الفاعلين في مدن مختلفة، بمشاركة فاعلين سياسيين، وممثلي المجتمع المدني، وخبراء، وشباب، وفاعلين محليين.
وتابعت المؤسسة أن هذه المشاورات أبرزت مجموعة من الأولويات التي ينبغي أن تحظى بحضور أكبر في النقاشات الحزبية والانتخابية، ومن بينها ندرة المياه، والتكيف مع الجفاف والتغير المناخي، والعدالة المجالية، وتدبير النفايات، والتربية البيئية، وتعزيز آليات التتبع والمساءلة.