أكثر من 12 ضحية بالمغرب ضمن ملف “البيدوفيل” الفرنسي المتهم بالاعتداء على 89 قاصراً
كشف الادعاء العام في غرونوبل بفرنسا عن معطيات جديدة تفيد بأن عدد الضحايا المحتملين للفرنسي جاك لوفوغل داخل المغرب يتجاوز 12 طفلاً، وذلك ضمن قضية اعتداءات جنسية يُشتبه أنها طالت ما لا يقل عن 89 قاصراً عبر عدة دول خلال أكثر من خمسة عقود.
وأوضح مدعي غرونوبل، إتيان مانتو، في تصريحات لصحيفة أسوشيتيد برس أن جزءاً مهماً من الوقائع المشتبه بها وقع في المغرب، حيث أقام المتهم لسنوات طويلة قبل توقيفه سنة 2024 ووضعه رهن الحبس الاحتياطي.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن ضحايا لوفوغل في المغرب تعود وقائعهم إلى سنة 1974 على الأقل، ما يرجّح امتداد الأفعال المشتبه فيها داخل البلاد على مدى زمني طويل.
وتشتبه السلطات الفرنسية في وجود ضحايا إضافيين، وقد أطلقت نداءً دولياً للشهود. وقال المدعي لوكالة أسوشيتيد برس إن المحققين الفرنسيين يُتوقع أن يتوجهوا إلى المغرب لجمع الأدلة، فيما لم تصدر السلطات المغربية تعليقاً علنياً.
المعطيات الجديدة تضع خنيفرة في قلب الملف القضائي، إذ عاش لوفوغل -البالغ من العمر 79 سنة- فيها إلى غاية توقيفه سنة 2024، وكان معروفاً وسط السكان بلقب “مسيو جاك”، حيث دأب على تقديم دروس مجانية في اللغات وتنظيم أنشطة لفائدة الأطفال.
وخلفت القضية صدمة في مدينة خنيفرة، خصوصاً في حي العصيري حيث كان المتهم يقيم ويُنظر إليه كفاعل خير وأستاذ متطوع. وأفاد سكان لوكالة أسوشيتيد برس بأن الرجل كان يحظى بثقة واسعة بين الأسر، مستفيداً من صورته كمدرس متفانٍ يتقن العربية والدارجة والأمازيغية.
واليوم، يعيش حي العصيري بخنيفرة حالة من “الصدمة الممزوجة بالخزي”. فالسكان الذين كانوا سعداء بوجود المعلم الفرنسي بينهم، يشعرون الآن بالإهانة، إلى درجة أن بعضهم بات يفكر في مغادرة الحي هرباً من نظرات المجتمع، بعدما اكتشفوا أن “المكتبة الصغيرة” التي افتتحها لأطفالهم كانت، بحسب الشبهات، ستاراً لجزء من جرائم وثقها في 15 مجلداً سرياً.
من بين أكثر الشهادات إثارة للذهول في تقرير “أسوشيتد برس”، ما رواه الجيران عن رحلاته إلى بحيرة “أكلمام أزكزا” الجبلية. هناك، كان لوفوغل يطلب من الأطفال السباحة عراة تماماً، بادئاً بنفسه تحت ذريعة أن ذلك “صحي”، في استغلال صارخ لبراءة الأطفال، وذلك على الرغم من أنه “في الثقافة المغربية، وعلى نطاق أوسع في التقاليد الإسلامية، لا يُسمح للرجال بالتعرّي أمام بعضهم البعض”، تقول الصحيفة الفرنسبة.
في المقابل، لم تصدر السلطات المغربية، إلى حدود الساعة، تعليقاً رسمياً مفصلاً بشأن فتح تحقيق محلي موازٍ، بينما يُرتقب أن ينتقل المحققون الفرنسيون إلى المغرب لجمع معطيات إضافية، وفق ما نقله الادعاء الفرنسي.
وُلد لوفوغل في أربعينيات القرن الماضي بمدينة أنسي الفرنسية، ووصل أول مرة إلى المغرب سنة 1955، وفق مسؤول مغربي مطلع على الملف. وكان والده يعمل في السفارة الفرنسية بالعاصمة الرباط، حيث درس لوفوغل خلال السنوات الأخيرة من فترة الحماية الفرنسية، قبل أن يحصل لاحقاً على إقامة بالمغرب.
وقال جيران لوفوغل في خنيفرة إنه انتقل إلى المدينة الأمازيغية في أوائل الألفية واستقر في حي العصيري، حيث كان يقضي وقتاً متكرراً مع فتيان تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عاماً.
وكان يعمل مدرساً خصوصياً، ويقدم -وفق السكان- دروساً مجانية وينظم أنشطة مدرسية، وأحياناً يقدم مساعدات مالية للأسر. كما قال بعض الجيران إنه اشترى منازل ومركبات لسكان محليين وساعد أشخاصاً على الهجرة إلى أوروبا.
وحددت السلطات القضائية الفرنسية 89 ضحية مفترضاً تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً، بعد فحص مذكرات رقمية من 15 مجلداً عُثر عليها في مفتاح ذاكرة سلّمه أحد أقارب المتهم للشرطة.
وتشير التحقيقات الجارية في فرنسا إلى أن لوفوغل يُشتبه في ارتكابه اعتداءات في عدة بلدان عبر خمس قارات، غير أن التركيز الحالي ينصب على تحديد الضحايا داخل دول شمال إفريقيا، وعلى رأسها المغرب والجزائر، حيث عمل المتهم مدرس لغات أجنبية في البلد المجاور أيضاً لمدة ثماني سنوات خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ويُشتبه في اعتدائه على طفلين على الأقل.
ومع استمرار التحقيقات، يبقى عدد الضحايا المحتملين مرشحاً للارتفاع، بينما يواجه الملف تحديات قانونية مرتبطة بتقادم بعض الوقائع، ما يجعل الشهادات الجديدة عاملاً حاسماً في مسار المتابعة القضائية.
وتعود بداية تفكك خيوط هذه القضية إلى سنة 2024، حين عثر أحد أقارب لوفوغل على مفتاح ذاكرة (USB) يحتوي على أرشيف شخصي ضخم، ضمّ مذكرات رقمية مفصلة كتبها المتهم بنفسه على امتداد سنوات، قبل أن يتم تسليمها إلى الشرطة الفرنسية.
وكشفت هذه المذكرات، التي تمتد على 15 مجلداً، عن توثيق منهجي لاعتداءات جنسية بأسماء وتواريخ دقيقة، ما مكّن المحققين من تحديد عشرات الضحايا المحتملين وفتح تحقيق قضائي واسع النطاق في فرنسا.
وبحسب معطيات الادعاء الفرنسي، فإن لوفوغل لم يعتمد -وفق ما توصل إليه المحققون- على العنف الجسدي المباشر بقدر ما كان يستعمل أساليب الاستمالة وبناء الثقة عبر أنشطة تعليمية وثقافية، مستفيداً من صفته كمدرس خاص ومتطوع اجتماعي.
كما كشفت التحقيقات جانباً مظلماً إضافياً في مسار المتهم، إذ أقرّ للمحققين بقتل والدته سنة 1974 ثم عمته في سويسرا سنة 1992، خنقاً بوسادة، مبرراً ذلك بدافع “الرحمة”، وهي وقائع فتحت بشأنها مسطرة قضائية منفصلة في فرنسا.