أسئلة كرة القدم الإفريقية بين “التحديث” وطمس الهوية.. من كأس إفريقيا كل أربع سنوات إلى شروط المغرب لاستضافة 2028
القرار الذي كان رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم قد أعلنه عشية انطلاق كأس إفريقيا للأمم بالمغرب، والمتعلق بتحويل تنظيم أشهر المسابقات الرياضية الإفريقية كل سنتين إلى أربع سنوات، ابتداءً من دورة عام 2028، أثار ضجةً واسعة داخل الوسط الكروي في القارة السمراء وخارجها، بسبب أنه سيُحدث فيها تغييرًا جذريًا وغير مسبوق لم تعرفه منذ انطلاقها عام 1957.
وتقول “الكاف” إن هذا القرار “يأتي ضمن رؤية أوسع لإعادة هيكلة أجندة كرة القدم الإفريقية، بهدف ملاءمتها مع الروزنامة العالمية المكتظة بالمواعيد والمنافسات الدولية”، غير أن هذا التحول يتجاوز كونه مجرد تعديل في التواريخ، ليعكس صراعًا معقدًا بين اعتبارات رياضية واقتصادية وتنظيمية، وبين الحفاظ على الهوية التاريخية للمسابقة ومتطلبات العصر الكروي الحديث.
سياق القرار وأسبابه
لطالما مثلت كأس الأمم الإفريقية حدثًا فريدًا على مستوى القارة، حيث اعتادت المنتخبات خوض غمارها كل عامين، ما جعلها مصدرًا أساسيًا للعائدات المالية بالنسبة للاتحادات الوطنية، وفضاءً منتظمًا لتجديد التنافس الكروي وتعزيز الحضور القاري على الساحة الدولية.
غير أن هذا النسق التقليدي أصبح، في السنوات الأخيرة، تحت ضغط متزايد بفعل جملة من العوامل، أبرزها تعارض مواعيد البطولة مع مواسم الأندية الأوروبية، ما يؤدي إلى غياب عدد كبير من اللاعبين الأفارقة المحترفين عن فرقهم لفترات طويلة، وهو أمر أثار انتقادات متكررة من الأندية الكبرى. كما ساهم الازدحام المتزايد في الموسم الكروي العالمي، نتيجة التوسع في بطولات الأندية والمسابقات القارية والدولية، في تعقيد إدراج كأس الأمم ضمن رزنامة متوازنة ومستقرة.
وفي هذا السياق، يرى القائمون على القرار أن تقليص عدد نسخ كأس الأمم قد يمنحها قيمة رمزية وتسويقية أكبر، على غرار البطولات الكبرى التي تُقام كل أربع سنوات، مع تعويض الفراغ التنافسي عبر إطلاق مسابقة جديدة تحمل اسم “دوري الأمم الإفريقية”، يُرتقب أن تنطلق ابتداءً من عام 2029، وتُقام بشكل سنوي، بما يوفر موارد مالية إضافية ومباريات منتظمة للمنتخبات.
مأزق المرحلة الانتقالية
تعد المرحلة الانتقالية بين النظام القديم والجديد أكثر النقاط إثارةً للجدل والتعقيد. فبحسب التصور المُعلن، ستقام نسخة 2027 صيفًا بتنظيم مشترك بين كينيا وتنزانيا وأوغندا، على أن تليها نسخة أخرى في عام 2028، قبل الانتقال النهائي إلى نظام الأربع سنوات.
هذا السيناريو يطرح تحديات تنظيمية ولوجستية كبيرة، سواء على مستوى التحضير التقني للمنتخبات أو برمجة التصفيات، في ظل ضيق الفترات الدولية المتاحة. كما يفرض أعباءً إضافية على اتحادات كرة القدم التي اعتادت على دورة زمنية ثابتة، ما قد يجبرها على إعادة هيكلة برامجها الرياضية والإدارية والمالية في وقت قياسي.
المعطيات المتداولة داخل أروقة الاتحاد الإفريقي حتى الآن، تشير إلى أن قرار تنظيم نسخة 2028 لم يتم حسمه بشكل كامل خلال الاجتماع الذي كان قد عقده المكتب التنفيذي، على هامش المباراة النهائية لكأس إفريقيا للأمم بالمغرب، في ظل وجود الكثير من المقترحات والسيناريوهات البديلة.
بين التأييد والاعتراض
كما كان متوقعًا، تباينت ردود الفعل داخل الأوساط الرياضية الإفريقية إزاء هذا التحول. فبينما يرى مؤيدو القرار أن تقليص عدد نسخ البطولة سيعزز من قوتها التنافسية وقيمتها التجارية، ويجعل التتويج بها أكثر ندرةً ورمزية، يشدد آخرون على أن إدراج “دوري الأمم الإفريقية” قد يوفر بديلًا منتظمًا يضمن استمرارية المنافسة والعائدات.
في المقابل، عبّر منتقدون عن مخاوفهم من أن يشكل القرار تراجعًا عن تقليد إفريقي راسخ، معتبرين أن الدافع الحقيقي وراءه هو الاستجابة لضغوط خارجية، خاصة من الأندية الأوروبية والهيئات الدولية، على حساب خصوصية الكرة الإفريقية واحتياجاتها الداخلية. وذهب بعض الفنيين والإداريين إلى اعتبار الخطوة تجاهلًا لتاريخ المسابقة ولمكانتها لدى الجماهير، أكثر من كونها نتيجة حوار موسع داخل البيت القاري.
آثار اقتصادية وتنظيمية
من الناحية الاقتصادية، يثير تقليص عدد نسخ كأس الأمم مخاوف حقيقية لدى عدد من الاتحادات الوطنية، التي تعتمد بشكل كبير على مداخيل حقوق البث والتسويق والرعاية المرتبطة بالبطولة، لتمويل أنشطتها وبرامجها التطويرية.
في المقابل، يراهن أنصار الإصلاح على أن “دوري الأمم الإفريقية”، إذا ما أُحسن تسويقه وتنظيمه، قد يشكل مصدر دخل مستدام، شريطة قدرة الاتحاد الإفريقي على استقطاب مستشهرين كبار، وتطوير نموذج تجاري أكثر جاذبية، خاصة في مجال حقوق البث التلفزيوني والتسويق الرقمي.
شروط المغرب لاستضافة نسخة 2028
بموازاة الجدل القائم حول مستقبل كأس الأمم الإفريقية وصيغة تنظيمها الجديدة، برز اسم المغرب في اجتماعات الكاف كأحد أبرز المرشحين لاحتضان نهائيات نسخة 2028، في حال تثبيت موعدها رسميًا. ويعكس هذا التوجه داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم حجم الثقة التي بات يحظى بها النموذج التنظيمي المغربي، خاصة بعد النجاح اللوجستي والتسويقي الذي طبع النسخة التي استضافها.
وفي هذا الإطار، كان فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، قد عبّر خلال اجتماعات “الكاف” عن استعداد مبدئي لاحتضان البطولة، غير أنه اشترط إعادة النظر في الكثير من المتطلبات التي تهدف إلى تحقيق توازن أوضح بين حجم الاستثمارات التي يتطلبها التنظيم، والعائدات الاقتصادية والمالية المحققة في فترة المنافسات.
وطالب لقجع أيضًا بإعادة النظر في آليات توزيع مداخيل حقوق البث التلفزيوني، ومراجعة طريقة تقاسم عائدات بيع التذاكر، بما يتلاءم مع الأعباء المالية والتنظيمية المرتبطة باستضافة تظاهرة قارية بهذا الحجم. كما يدعو إلى توسيع قاعدة الشركاء التجاريين، من خلال إدماج مستشهرين جدد من كبريات الشركات، بهدف رفع القيمة التجارية للمسابقة وتعزيز مردودها الاقتصادي، مبدياً رغبته في تحويل الاستضافة من مجرد حدث رياضي إلى رهان استثماري متكامل.
قرار تنظيم كأس الأمم الإفريقية كل أربع سنوات يبقى أحد أكثر القرارات إثارةً للجدل في تاريخ المسابقة، لما يحمله من أبعاد رياضية واقتصادية وثقافية متشابكة. فهو يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تمنح الكرة الإفريقية فرصًا أكبر للانسجام مع المنظومة العالمية، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديات معقدة تتطلب تخطيطًا استراتيجيًا وحوارًا واسعًا بين مختلف الفاعلين، لضمان أن يكون المستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، دون التفريط في إرث قاري شكّل لعقود جزءًا من هوية إفريقيا الكروية.