story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

أخنوش في جلباب بنكيران

ص ص

يضعنا مشهدُ “منع” رئيسِ الحكومة الحالي، عزيز أخنوش، من خوض الانتخابات المقبلة وهو على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، أمام سؤال مزعج لا علاقة له بالشماتة ولا بتصفية الحسابات: ماذا يعني هذا في مسار تجربتنا مع الديمقراطية كما نُمارسها لا كما نُعرّفها؟

في الديمقراطيات التي تحترم قواعدها، الولاية الثانية ليست جريمة، بل هي نتيجة ثقة أو عقوبة صندوق. أما عندنا، فمجرد احتمال الولاية الثانية يُقرأ تلقائيًا كخطر يستدعي الاحتراز. وهذه وحدها علامة على أننا لم نحسم بعد: هل نريد الديمقراطية كآلية تداول طبيعي، أم نريدها كلباس يفصّل على المقاس؟

ما وقع قبل يومين لا يمكن عزله عن سابقة ال”بلوكاج” التي عاشها المغرب قبل عشر سنوات. يومها، كان عبد الإله بنكيران قد خرج من صناديق الاقتراع بصدارة واضحة، وكان من المفترض أن تتحول تلك الصدارة، وفق القاعدة الديمقراطية، إلى أغلبية تُترجم الإرادة الانتخابية إلى ولاية ثانية.

لكن ما حدث هو العكس: جرى تحويل لحظة التكليف إلى حرب استنزاف، وتم تمديد زمن التفاوض إلى درجة صار فيها الانسداد نفسه أداة حكم، لا مجرد عرض جانبي لمسار تشكيل الحكومة. في قلب ذلك المشهد، لم يكن عزيز أخنوش مجرد فاعل ثانوي؛ بل كان أحد أعمدة هندسة التعطيل، يرفع سقف الشروط ويرسم حدود الممكن، إلى أن انتهت العملية بإخراج بنكيران من الباب الدستوري الذي احتفظ ب”خيارات أخرى”.

اليوم، حين يُدفع أخنوش إلى عدم خوض الانتخابات وهو على رأس حزبه، لا يعود الأمر مجرد مفارقة تاريخية تُغري بالتشفي، بل يصبح مرآة سياسية: المنطق الذي استُعمل بالأمس لتطويق شرعية الخصم، يُستعمل اليوم لتطويق كلفة الحليف.

الفارق أن “بلوكاج” بنكيران تمّ عبر منع ترجمة الفوز إلى حكومة، بينما “بلوكاج” أخنوش، إن صحّ الوصسف، يتم قبل الوصول إلى الصندوق. في الحالتين، ليست المسألة صراع برامج، بل إدارةُ الشرعية نفسها: مرة بتعطيل تشكيلها، ومرة بتعطيل محاسبتها.

إذا أخذنا مسافة “البرودة” اللازمة، سنكتشف أننا أمام مأزق موقف أخلاقي: من رفض بالأمس أن تُدار الشرعية الانتخابية بمنطق الضبط والتحكم، لا يملك اليوم، مبدئيا، أن يصفّق للمنطق نفسه حين ينقلب على من كان يستعمله، أو يقدّم نفسه كأداة في خدمته.

الديمقراطية ليست آلة انتقام، بل اختبارُ لجدّية القواعد. وأخطر ما في الواقعة ليس اسم أخنوش، غير المأسوف على رحيله بحد ذاته، بل أن تُصبح القاعدة الجديدة هي: كل رئيس حكومة يمارس السلطة بلون حزبه لولاية كاملة، ثم لا يذهب إلى الانتخابات وهو في الواجهة ليقدّم حصيلته ويتلقى حكم الناخبين. بل عليه أن ينهي ومهامه كما ينهي الموظف مهمّته ثم ينصرف، وكأن الحساب صار فائضا يمكن تفاديه بإجراء تنظيمي وهندسة انتخابية “ذكية”.

نحن أمام مفارقة غريبة تجعلنا جميعا في ورطة: كلّنا نبحث عن رئيس حكومة ناجح. والواقع أن من ينجح يستحق، بل وينبغي أن يبقى، لكننا نريده أن ينجح دون أن يواصل نجاحه. كثير من الإصلاحات السياسية تحتاج بالفعل إلى أكثر من ولاية. ليس من باب التسلّط، بل من باب الاستمرارية التي تُحوِّل القرار إلى أثر.

لذلك فالسؤال الحقيقي ليس “لماذا قد يستمر رئيس حكومة؟”، لأن جوابه سهل وبديهي: لأنه حصل على تجديد انتخابي، بل السؤال الحقيقي هو: لماذا نخاف من استمرار يُقرّر ديمقراطيا، وتُراقبه صناديق الاقتراع، ويُحدده ميزان الثقة الشعبية؟ ما الذي يجعل الولاية الثانية تُقرأ تلقائيا كخطر، لا كفرصة؟ وما الذي يجعل النجاح نفسه يُعامل كعارض يجب ضبطه لا كحافز يجب اختبار صدقه أمام الناس؟

هنا يظهر أول خيط في المقارنة بين بنكيران وأخنوش: يبدو أن “الآلة” التي تُمسك بإيقاع المشهد لم تعد تقبل الانتظار إلى أن يُحسم كل شيء داخل قواعد المنافسة الطبيعية، حتى والمرشّح الرئيس من صنع يديها. فذاكرتها تخبرها أنها في 2016 “فشلت” في التحكم في نتيجة الاقتراع، ولا تريد أن تترك باب تكرار التجربة نفسها مفتوحا.

هذا الفرق الشكلي، وبدل أن يطمئِن، يزيد القلق. فالخروج المؤسسي، مهما كانت دوافعه، يظل قابلا للتأويل داخل منطق القانون، ويعبّر عن اشتباك عملي مع منطوق وروح النص الدستوري، واختبار لقدرة الفاعلين على إنتاج التوازن من داخله. أما الخروج عبر بوابة الحزب، وقبل الامتحان الانتخابي، فهو أشبه بالهروب الجماعي من التمرين الديمقراطي.

ما يجعل هذا التحول ذا دلالة تتجاوز الحزب، كونه يكرّس، بالقوة الناعمة، عرفا سياسيا غير منصوص عليه: ألا يبقى رئيس الحكومة في الواجهة لولايتين متتاليتين، لا عبر تنافس انتخابي طبيعي، بل عبر إعادة ترتيب تسبق الصندوق بدل أن تتبعه.

هذا ليس تفصيلا تقنيا؛ بل فعل يمسّ جوهر ما وعد به دستور 2011 حين حاول أن يمنح رئاسة الحكومة معنى الشرعية الديمقراطية داخل هندسة توزيع السلطة داخل الدولة. فإذا صار العرف أقوى من النص، أصبح هذا الأخير مجرّد ديكور.

الأصوات التي طالبت برحيل أخنوش واعتبرته غير مناسب للمرحلة المقبلة، كانت، في جوهرها، تطالب بأن يعمل المنطق الديمقراطي كما ينبغي. وحلمت بانتخاباتٌ مفتوحة، وحياد إيجابي للدولة، ومشاركة أوسع، ومحاسبة عبر الصندوق، لا عبر “ترتيبات” تُسقط المسؤولية من فوق الامتحان.

لذلك لا معنى لأن نفرح بخروج أخنوش الذي يُضعف المحاسبة نفسها، حتى إن أراحنا من شخص أصبح عنوانا لاحتقان واسع، وموضوعا لشبهات ثقيلة مثل تضارب المصالح، وتعطيل آليات محاربة الفساد، وتخريب المشهد الإعلامي…
الفكرة ليست في إزاحة فرد، بل في منع تكرار قاعدة تُفرغ السياسة من معناها: أن تحكم بلون حزبك، ثم تغادر قبل أن يضعك الناس في ميزان تقييمهم.

إذا كانت حالة بنكيران تذكّرنا بقدرة القرار الدستوري على إنهاء انسداد حكومي مُعلن، فإن حالة أخنوش تخبرنا بشيء أكثر حساسية: قابلية التجربة كلها لأن تتحول إلى مجرّد إدارة كلفة التدبير بدل إدارة تنافس سياسي.

لهذا، فإن المقارنة العميقة ليست بين بنكيران وأخنوش كأفراد، بل بين لحظتين تكشفان حدود تجربتنا. حين تتوتر المعادلة، يميل الميزان إلى حلول سريعة تُرتّب الواجهات بدل أن تترك السياسة تفعل فعلها الطبيعي، وتنتج التجربة والدروس.

وفي كل مرة يحدث ذلك، نخسر شيئا من معنى ربط المسؤولية بالمحاسبة، لأن المسؤولية، مهما كان اسم حاملها، لا تُقاس بخطاب الوداع، بل بجرأة الوقوف أمام الناخبين، وتلقي حكمهم، ثم الانصراف بعده.. لا قبله.