story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

أحمديان.. المحلّل المنتظر

ص ص

في الأيام الأولى من العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، لم تكن قناة الجزيرة في أفضل حالاتها. كان الارتباك باديا، والتخبط واضحا، وكأن القناة التي اعتادت أن تقود عملية بناء السردية، صارت تُساق خلفها.

تعددت الأصوات، وارتفعت النبرة، وغابت الاختيارات التحريرية الواضحة، وتاه المعنى تحت ضجيج القصف، وبدا للمشاهد أن شاشة طالما ادّعت التوازن، فقدت بوصلتها للحظة حرجة… ثم حدث ما يشبه “الريمونتادا”، وكان لرجل إيراني، لغرابة الصدف، دور كبير في ذلك.

لم يكن الأمر معجزة، ولا انقلابا تحريريا جذريا، بل كان، ببساطة،عودة إلى الأصل المتمثل في خيار التعددية في الرأي، واستضافة أصوات من داخل المشهد لا من خارجه، وحضور خبراء من كل “الملل والنحل”، كما يقال.

هنا، بالضبط، ظهر الباحث الأكاديمي والمحلّل الإيراني حسن أحمديان، ليس بوصفه “ضيفا”، بل باعتباره ظاهرة سرعان ما ملأت الدنيا وشغلت الناس.

يشبه حسن أحمديان، في حضوره المفاجئ والكثيف، ما يمكن تسميته،على سبيل الاستعارة من السياق الإيراني، “المحلل الغائب”، على وزن “الإمام الغائب”. فهو موجود منذ زمن، لكن ظهوره في اللحظة المناسبة منحه هالة خاصة وجعله يستأثر بالأضواء والاهتمام والتعليقات.

فالرجل لم يُخلق في بلاطوهات الحرب. هو أكاديمي متدرج، يعمل كأستاذ مساعد في جامعة طهران، له إنتاج بحثي موثق في كثير من المراجع العلمية، وحضور في دوائر التفكير الدولية، وتجربة بين طهران ودوائر بحثية غربية مثل هارفارد.

لكن التلفزيون لا يكافئ السير الذاتية، بل يكافئ اللحظة التي تحقّق الإبهار. ولحظة أحمديان جاءت حين كان البعض يصرخ بينما يلوذ البعض الاخر بالصمت الجبان، فاختار أن يتكلم دون أن يصرخ.

في سياق يخلط بين رفع الصوت وقوة الحجة، جاء أحمديان بنقيض ذلك، جاء بهدوء محسوب، وجمل مرتبة، وقدرة على الإمساك بالخيط من أوله إلى آخره، ولغة جسد توحي بالهدوء والثقة في النفس، والتي سرعان ما تنتقل إلى المتلقي وتستحيل ثقة في المتحدّث نفسه.

لم يكن أحمديان وهو يحل في جلسات النقاش التي أحيت “روح الجزيرة”، يرفع صوته، لكنه كان يرفع مستوى النقاش. وهنا تكمن المفارقة التي صنعت “ظاهرة” أحمديان”، فالرجل لم يقدّم شيئا خارقا، بل قدّم ما كان ينبغي أن يكون معتادا، من توظيف للمعرفة، وترتيب للمعطيات، واحترام لعقل المتلقي.

لكن في بيئة فقيرة إلى هذه الثلاثية، يصبح العادي استثنائيا. وما جعل أحمديان مقنعا، ليس طريقة حديثه فقط، بل طبيعة المادة التي يعرضها. فهو لا يتحدث من فراغ، ولا من مواقف جاهزة، بل من تراكم معرفي واضح، يمكّنه من تفكيك العقل الاستراتيجي، وقراءة الميزان العسكري، وربط بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد. كل ذلك بلغة بسيطة وسهلة وقريبة من الجمهور الواسع.

حين يتحدث أحمديان عن مضيق هرمز، لا يذكره كعنوان في الجغرافيا، بل كأداة في لعبة دولية. وحين يشرح الردع الإيراني، لا يقدمه كشعار أو إيديولوجيا أو خيارات طائفية، بل كمنظومة حسابات عقلانية ومنطقية. وهنا يظهر كيف أن الموقف لا يصبح قويا لأنه حاد أو لأن صاحبه منفعل، بل لأنه مؤسس.

أهم ما يميز أحمديان أنه لم يدخل الشاشة كداعية سياسي، بل كباحث. والفرق بين الاثنين، في لحظة الأزمة، هو الفرق بين من يحرّك الجمهور، ومن يشرح له ما يحدث، أو يُشعره بذلك على الأقل.

لم يكن يطلب من المشاهد أن “يؤمن” أو يصدّق أقواله، بل كان يبدو كمن يطلب منه أن يفهم لا أكثر. وهذا ما أعاد جزءا من مصداقية “الجزيرة”، أي تحويل النقاش من ساحة تعبئة، إلى مساحة تفسير.

لكن، كما هي العادة مع كل ظاهرة، لم يأتِ النجاح بلا مقاومة. فالهجوم على الرجل كان لافتا، بل كاشفا ومعزّزا لشعبيته و”مصداقيته” عند أوساط واسعة من المجتمعات العربية. فمجمل ما هوجم به هو القول إن لغته العربية “غير سليمة”، وإنه شخص “مراوغ”، وينتصر على محاوريه بالدهاء والأسلوب الماكر لا بالدليل والحجة.

هذه، في الجوهر، ليست نقدا بقدر ما هي رد فعل. لأن أخطر ما يفعله نموذج مثل أحمديان، أنه يحرج خصومه ليس عبر بإسكاتهم، بل بجعل ضعفهم مرئيا وواضحا.

حين يتكلم بهدوء، يبدو صراخهم ضجيجا. وحين يرتب أفكاره، يبدو ارتباكهم فوضى. وحين يستند إلى معرفة، يبدو خطابهم إنشائيا.

لهذا، وكلما اشتد الهجوم عليه اتسعت شعبيته، ليس لأنه محبوب، بل لأن خصومه، في كثير من الأحيان، يخدمونه. فهو لا يواجه نقدا تفكيكيا دقيقا، بل تهجما عاما. ولا يُواجه بالحجج، بل يُطعن في لغته أو هويته في منصات التواصل الاجتماعي. وهنا يتحقق له ما لا يتحقق لكثيرين، أي أن يتحول من طرف في النقاش إلى مقياس لجودة النقاش نفسه.

الحقيقة أن “ظاهرة ” أحمديان تقول عن المشهد العربي أكثر مما تقول عنه هو. وتكشف فراغا معرفيا لدى جزء كبير من النخب التلفزيونية، وخلطا بين الموقف والتحليل، واستسهالا في التعاطي مع القضايا الكبرى.

كما تكشف هذه “الظاهرة” أن الجمهور ليس ساذجا كما يُظن، بل يبحث، حين تتاح له الفرصة، عن خطاب يفهمه ويحترمه.

أحمديان دليل على أنه في لحظات الأزمات، لا تنتصر الدعاية دائما، بل ينتصر من يفهم الواقع. والنخب التي تُمنح هامشا من الحرية والاستقلالية، لا تحتاج إلى أن تُجند أو تُحرّض، بل تتحول تلقائيا إلى “طلائع” في معركة الوعي. أما النخب المصنوعة على عجل، فلا تحسن إلا الصراخ، وتحترق بسرعة.

حسن أحمديان ليس بطلا، ولا معصوما، ولا خارج النقد. لكنه، ببساطة، دليل حيّ على أنك لا تحتاج في معركة الوعي أكثر من التوفّر على موقف، وتدرك بوضوح لماذا تتخذه.

وعندما تختلط الحقيقة بالدعاية، قد يكون هذا، وحده، كافيا ليصنع “ظاهرة” ويجعلك ذلك “المحلّل المنتظر”.