المحروقات.. خبير: هناك غياب إرادة سياسية في تدبير القطاع ورفع الضرائب على الشركات قد يؤدي إلى زيادة الأسعار – حوار
تواصل أسعار المحروقات إثقال كاهل المغاربة، بعدما دفعت زيادات متتالية بسعر لتر الغازوال إلى تجاوز عتبة 16 درهماً في بعض محطات الوقود، وفق ما عاينته صحيفة “صوت المغرب”، في موجة غلاء لا تقتصر تداعياتها على أصحاب السيارات، بل تمتد إلى مختلف مناحي الحياة اليومية.
وفي الوقت الذي لجأت فيه دول أوروبية، من بينها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، إلى اتخاذ إجراءات للتخفيف من وطأة ارتفاع أسعار المحروقات على المستهلكين، سواء عبر تخفيض الضرائب أو التدخل للحد من الأسعار وهوامش الأرباح، ظلت الحكومة المغربية، من موقعها، تواجه تساؤلات متزايدة بشأن قدرتها على التدخل لحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
الحكومة المنصبة حديثا، وفي أول اختبار لها، اقترحت ضمن مشروع ماليتها الجديد رفع سعر الضريبة على الشركات الكبرى العاملة في استيراد وتوزيع المحروقات، والتي التي تحقق ربحاً صافياً يساوي أو يفوق 100 مليون درهم، من 35 إلى 40 في المائة.
فهل تملك الحكومة بالفعل آليات للحد من ارتفاع أسعار المحروقات، أم أن تحرير القطاع جعل تدخلها محدوداً؟ وهل تكمن المشكلة في الأسعار الدولية وحدها، أم أيضاً في هوامش أرباح الموزعين وطريقة تدبير السوق؟ وهل المزيد من الضرائب على هذه الشركات يشكل أحد الحلول لهذه الزيادات في الأسعار التي تعد أحد أبرز الأسباب في غلاء المعيشة؟
نقلنا هذه التساؤلات إلى العربي وسخين، الخبير الدولي في أسواق النفط واقتصاد الطاقة، والمدير العام لشركة “ساوث بتروليوم” المتخصصة في التنقيب عن المحروقات، الذي أكد أن تحرير الأسعار لا يعني منح الشركات حرية مطلقة في تحديد هوامش أرباحها، معتبراً أن غياب الحزم والإرادة السياسية في تدبير القطاع أسهم في استمرار عدد من الاختلالات، في وقت يواصل فيه مسؤولون حكوميون، بحسب تعبيره، إلقاء الكرة في ملعب مجلس المنافسة، بدلاً من تحمل مسؤوليتهم في ضبط السوق وحماية المستهلك.
في الآتي نص الحوار:
أولا، ما هامش التدخل الذي تملكه الحكومة للحد من ارتفاع أسعار المحروقات إلى المستويات التي شهدناها خلال الأشهر الأخيرة؟
في ظل النظام القائم حالياً، والذي يمنح الشركات الموزعة حرية تحديد أسعار المواد البترولية، فإن الدولة تتوفر على هامش للتدخل، خصوصاً من خلال الجانب الضريبي، وذلك عبر تخفيض الضرائب المفروضة على هذه المواد، ونخص بالذكر الضريبة على القيمة المضافة والضريبة الداخلية على الاستهلاك (TIC).
هاتان الضريبتان تشكلان معاً حوالي 30% من السعر الذي تباع به المحروقات حالياً للمستهلك في محطات الوقود.
لكن خيار التخفيض من الضرائب يطرح، في نظري، إشكالاً؛ لأن هاتين الضريبتين تدرّان على الدولة مداخيل مهمة. فالضريبة الداخلية على الاستهلاك (TIC) هي ضريبة ذات قيمة ثابتة، تبلغ 2.40 درهم بالنسبة للتر الواحد من الغازوال، و3.70 دراهم بالنسبة للبنزين الممتاز، على عكس الضريبة على القيمة المضافة، التي تبلغ نسبتها 10% من السعر.
وبالتالي، فإن تخلي الدولة عن المداخيل التي توفرها هاتان الضريبتان في الظرفية الراهنة أمر صعب، بالرغم من الدعوات السابقة التي تلقتها الحكومة بهذا الخصوص. كما أن الاستجابة لهذا المطلب قد تؤدي إلى تكراره مستقبلاً كلما ارتفعت الأسعار، وهو ما يجعل اللجوء إلى التخفيض الضريبي خياراً صعباً.
أما فيما يتعلق بالأسعار نفسها، فإن المغرب يستورد كافة احتياجاته من المواد البترولية من السوق الدولية، وبالتالي فإن الأسعار الداخلية تتأثر بشكل مباشر بتقلبات الأسعار الخارجية، وهو ما يحد من هامش التدخل المتاح.
وفي هذا السياق، يبرز النقاش المتعلق بهوامش أرباح الشركات الموزعة، الذي سبق أن تناولته تقارير متعددة لمجلس المنافسة. فهذه الهوامش تعتبر مرتفعة مقارنة مع اقتصادات ودول مماثلة، إذ تشير التقارير الأخيرة المتوفرة للمجلس إلى أن هامش الربح يصل إلى 1.70 درهم بالنسبة للغازوال، ودرهمين بالنسبة للبنزين.
لكنني أعتقد أن الموزعين عمدوا، في الظرفية الراهنة، إلى تقليص هوامش أرباحهم بشكل كبير، حتى أصبحت تقارب الصفر، خاصة خلال شهري شتنبر وأكتوبر. فعندما يتجاوز السعر 16 أو 17 درهماً للتر الواحد، يصبح من الصعب جداً الحفاظ على هامش ربح في حدود درهم أو درهم ونصف، لأن ذلك قد يرفع السعر النهائي بالنسبة للمستهلك إلى 18 أو 19 درهماً.
وهنا تكمن الإشكالية الأساسية، وهي أن الأسعار في السوق الدولية مرتفعة، وأمام هذا الوضع لا يبقى سوى خيارين أساسيين للتخفيف من انعكاساتها على المستهلك المغربي: إما أن تتدخل الدولة لدعم هذه المنتجات، أو أن تخفض الضرائب المفروضة عليها، وكلا الخيارين يطرح صعوبات في الظرفية الحالية. ولذلك، لا يسعنا سوى أن نتمنى ألا تطول هذه المرحلة، وأن تعود الأسعار إلى مستويات معقولة.
وهناك تجارب لدول أخرى، مثل إسبانيا وإيطاليا، التي لجأت إلى وقف تحصيل بعض الضرائب على المنتجات البترولية ابتداءً من شهري يونيو ويوليوز من هذه السنة، بهدف تخفيف العبء على المستهلكين وتوفير المحروقات بأسعار أقل من المستويات التي كانت ستبلغها دون هذا التدخل.
أما في المغرب، فإن استمرار أسعار البنزين والغازوال عند مستويات تلامس 16 و17 درهماً للتر الواحد يصعب تحمله، سواء بالنسبة للمستهلك أو للاقتصاد الوطني، في غياب آلية دعم مناسبة. فالمحروقات لا ترتبط فقط باستهلاك الأفراد، بل تدخل أيضاً ضمن مدخلات الإنتاج في العديد من الصناعات والأنشطة الاقتصادية، وبالتالي فإن ارتفاع أسعارها ينعكس على الاقتصاد عموماً.
وفيما يتعلق بإمكانية تقديم الدولة دعماً إضافياً لهذه المنتجات لفائدة المستهلكين، فلا أعتقد أن هناك، في ظل المؤشرات الحالية، ما يدل على استعدادها لاتخاذ مثل هذا الإجراء في الوقت الراهن.
أشرتم إلى مسألة هوامش أرباح شركات المحروقات، فهل يمنح تحرير الأسعار لهذه الشركات حرية تحديد هوامش أرباحها؟
بالنسبة لهوامش الربح، فإن المعطيات والتقييمات التي يقدمها مجلس المنافسة، في إطار الاتفاق الذي أبرمه مع الشركات الكبرى في المغرب، على إثر الغرامة التصالحية التي فُرضت على الشركات التسع الأكبر في القطاع، تعطينا فكرة عن تطور هذه الهوامش خلال السنوات الأخيرة.
وكما أشرت سابقاً، فإن هامش الربح بلغ ما بين 1.70 و1.80 درهم بالنسبة للغازوال، وفي حدود 2.20 إلى 2.30 درهم بالنسبة للبنزين. وإذا قارنا هذه الهوامش بما هو معمول به في دول ذات مستوى اقتصادي مماثل للمغرب، نجد أنها مرتفعة نسبياً.
وإذا استثنينا المرحلة الحالية التي تشهد ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، وعدنا إلى سنوات 2023 و2024 و2025، حين كان سعر اللتر في حدود 11 أو 12 درهماً، فإن هذه الهوامش، بالنظر إلى نسبتها من السعر النهائي الذي يؤديه المستهلك، تعتبر مرتفعة مقارنة بمستوى الأسعار السائد آنذاك.
وهنا يبرز الإشكال الأساسي، وهو أن تحرير القطاع لا يعني منح الشركات حرية مطلقة في تحديد هوامش أرباحها، خصوصاً في قطاع حيوي مثل المحروقات.
وقد رأينا في دول أخرى، خلال فترات الأزمات، مبادرات لدفع الشركات إلى البيع بهوامش ربح تقارب الصفر، كما حدث في بريطانيا وإيطاليا وفرنسا. ففي فرنسا مثلاً، جرى تسقيف الأسعار لدى إحدى الشركات الكبرى للحفاظ عليها في مستويات معقولة، بينما طلب رئيس الوزراء البريطاني السابق من الشركات البترولية تخفيض هوامش أرباحها، لضمان وصول المواد الطاقية إلى المستهلك بأسعار مناسبة، وكذلك الأمر في إيطاليا.
وهنا تكمن المشكلة في المغرب؛ إذ أعتقد أن الدولة لم تكن حازمة بما يكفي لاتخاذ مبادرات مهمة لحماية المستهلك من الجشع الذي قد تمارسه بعض الشركات أحياناً. فالشركات، بحكم طبيعتها التجارية وسعيها إلى تحقيق الأرباح، تحاول دائماً الرفع من هوامش ربحها، لكن لا بد من وجود سلطة تتدخل للدفاع عن مصالح المجتمع والمستهلك.
ومع كامل الأسف، فإن هذا الدور في ضبط القطاع هو ما افتقدناه خلال السنوات الأخيرة. فقد كان العديد من المسؤولين المغاربة، خصوصاً في الحكومة السابقة، يتذرعون باستمرار بأن قطاع المحروقات يخضع لمتابعة مجلس المنافسة، وكأن مسؤولية مراقبة القطاع تقع على عاتق المجلس وحده.
وهذا أمر غير معقول في نظري، لأن الرؤية والمسؤولية السياسية عن تدبير هذا القطاع تقعان على عاتق الحكومة، وليس مجلس المنافسة. فلا يمكن للحكومة أن تكتفي بإلقاء الكرة في ملعب المجلس، وتتنصل من مسؤوليتها في حماية المستهلك.
ولذلك، أرى أنه بعد تجاوز هذه الأزمة، ينبغي للحكومة أن تعيد النظر في طريقة تنظيم هذا القطاع وعلاقتها بالمتدخلين فيه. فقد كانت هناك محاولة سابقة لتسقيف أرباح شركات المحروقات، وليس تسقيف الأسعار، وذلك من خلال تحديد هوامش ربح معقولة.
ويمكن في هذا الإطار الاستفادة من تجارب دول مجاورة أو مماثلة للمغرب من حيث مستوى التنمية والنمو الاقتصادي، لتحديد هوامش ربح معقولة لا يُسمح للشركات بتجاوزها، بما يضمن التوازن بين مصالح الشركات وحقوق المستهلكين.
وهذا النقاش حول قطاع المحروقات يقودنا أيضاً إلى قطاعات أخرى تعاني من الإشكالات نفسها، خصوصاً ما يتعلق بهوامش الربح المرتفعة جداً. وإذا أخذنا قطاع الأسمدة مثلاً، نجد إشكالات مماثلة، رغم الملاحظات العديدة التي سُجلت بشأنه.
ونتمنى أن تعمل الحكومة الحالية، التي تعهدت باتخاذ الإجراءات اللازمة في هذا القطاع، على إعادة النظر في طريقة تدبيره، واستعادة دور الدولة في ضبط السوق وحماية مصالح المجتمع والمستهلك، بما يعود بالنفع على المستهلكين وعلى الاقتصاد المغربي عموماً.
يقترح مشروع قانون المالية لسنة 2027 رفع الضريبة على أرباح شركات استيراد وتوزيع المحروقات الكبرى من 35 إلى 40 في المائة. كيف تقيمون هذا الإجراء؟
لا أعتقد أن هذا الإجراء سيكون له بالضرورة تأثير مباشر على الأسعار التي يؤديها المستهلك النهائي، وإن كان من الممكن أن يساهم في الرفع من المداخيل الضريبية للدولة.
فرفع نسبة الضريبة على أرباح شركات المحروقات لا يعني بالضرورة أنها ستتجه إلى تقليص هوامش أرباحها المطبقة على المستهلك. ولا أعتقد أن هذه الشركات ستخفض هوامش ربحها استجابة لهذا الإجراء، بل إن أثره قد يقتصر أساساً على زيادة المداخيل التي تحصلها الدولة من الضرائب، دون أن ينعكس على تخفيف العبء عن المستهلك النهائي للمواد البترولية.
ويمكن في هذا السياق إجراء مقارنة مع قطاعات أخرى، مثل البنوك وشركات التأمين، التي تخضع بدورها لمعدلات ضريبية مماثلة. فرغم الرفع من نسب الضرائب المفروضة على أرباح هذه المؤسسات، فإن العمولات التي تطبقها على عملائها وزبنائها لم تنخفض، بل على العكس من ذلك، شهدت بعض هذه العمولات زيادات، واستمرت المؤسسات المالية في مراكمة الأرباح.
ولذلك، لا أرى شخصياً أن رفع الضريبة على أرباح شركات المحروقات يمكن أن يؤدي بشكل مباشر إلى انخفاض الأسعار بالنسبة للمستهلك.
بل إن هناك احتمالاً معاكساً، يتمثل في أن يدفع هذا الإجراء الشركات إلى الرفع من هوامش ربحها عن كل لتر من المحروقات، في محاولة لتعويض النقص الذي قد يطرأ على أرباحها الصافية نتيجة ارتفاع الضريبة التي تؤديها للدولة.
وبالتالي، فإن هذا الإجراء قد يساهم في زيادة المداخيل الضريبية للدولة، لكنه لا يضمن بالضرورة تخفيف الأسعار على المستهلك، بل قد تكون له انعكاسات عكسية إذا اختارت الشركات تحميل جزء من كلفته للمستهلك النهائي.
يلاحظ المستهلك أن أسعار المحروقات في السوق الوطنية ترتفع سريعاً عند صعود الأسعار الدولية، لكنها تتأخر في الانخفاض عند تراجعها. هل تؤكد المعطيات وجود هذا التفاوت؟ وكيف تفسرونه؟
هذه الملاحظة ليست مجرد انطباع لدى المستهلك، بل سبق أن أشارت إليها جميع تقارير مجلس المنافسة الصادرة خلال السنتين الأخيرتين، لكن مع كامل الأسف، دون أن يترتب عن ذلك أي تغيير ملموس على أرض الواقع.
وكما أشرت سابقاً، فإن المشكلة تكمن في غياب تحمل المسؤولية السياسية، سواء من طرف القطاع الوصي، ممثلاً في وزارة الانتقال الطاقي، أو من طرف رئاسة الحكومة.
فرئيس الحكومة، أو من يمثل الحكومة عموماً، مطالب باتخاذ مبادرات لحث هذه الشركات على تصحيح هذه الاختلالات، خصوصاً أن هناك آليات قانونية يمكن اللجوء إليها لردع الممارسات التي تضر بالمستهلك.
لكنني أعتقد أن غياب الإرادة السياسية في تدبير هذا القطاع، مع كامل الأسف، هو ما أدى إلى استمرار هذه الإشكالات التي شهدناها خلال السنوات الأخيرة.
عاد ملف مصفاة “سامير” إلى واجهة النقاش السياسي، بعدما حضر في البرامج والوعود الانتخابية لعدد من الأحزاب باعتباره أحد أهم الحلول الممكنة لتقليص تبعية المغرب للأسواق الخارجية. إلى أي حد يمكن لإعادة تشغيل المصفاة أن تساهم في خفض أسعار المحروقات؟
أعتقد أن التوفر على قدرات وطنية لتكرير البترول سيشكل عاملاً أساسياً ومهماً في ضبط الأسعار، ولا شك في ذلك. فقد رأينا أن من بين أسباب ارتفاع الأسعار حالياً وجود نقص في طاقات التكرير على الصعيد العالمي.
فبغض النظر عن ارتفاع أسعار البترول الخام في الأسواق الدولية، هناك أيضاً نقص في القدرات التكريرية المتاحة لتحويل النفط الخام إلى منتجات بترولية مكررة، وهو ما يشكل إشكالاً على المستوى العالمي ويساهم بدوره في ارتفاع أسعار هذه المنتجات.
ولذلك، فإن إعادة تشغيل مصفاة وطنية، في نظري، ستكون لها أهمية كبيرة، ليس فقط من ناحية الأسعار، وإنما أيضاً على المستوى الاستراتيجي، إذ ستوفر إمكانيات مهمة للاقتصاد الوطني من أجل تأمين احتياجاته من المنتجات البترولية.
وبالتالي، فإن إعادة تشغيل مصفاة “سامير” من شأنها أن تمنح المغرب ضمانات أكبر لتأمين إمدادات السوق الوطنية بالمنتجات البترولية، وتقليص ارتباطه المباشر بتقلبات أسواق المنتجات المكررة على الصعيد الدولي.
تابع صوت المغرب على Google
أضف “صوت المغرب” إلى مصادرك المفضلة لتظهر أخبارنا بشكل أبرز في نتائج البحث